مَا الطُّرُقُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا فِي إِثْبَاتِ دُخُولِ الشَّهْرِ؟ وَمَا حُكْمُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ؟
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ، وَٱلصَّلَاةُ وَٱلسَّلَامُ عَلَىٰ رَسُولِ ٱللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ
يَثْبُتُ دُخُولُ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ مُحْكَمَيْنِ، لَا ثَالِثَ لَهُمَا، دَلَّتْ عَلَيْهِمَا السُّنَّةُ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِمَا أَهْلُ الْعِلْمِ
أَوَّلًا: رُؤْيَةُ الْهِلالِ
الأَصْلُ فِي دُخُولِ الشَّهْرِ هُوَ رُؤْيَةُ الْهِلالِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا». فَعَلَّقَ ﷺ وُجُوبَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَهَذَا نَصٌّ جَلِيٌّ فِي أَنَّهَا السَّبَبُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا
وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ دُخُولَ الشَّهْرِ يَثْبُتُ بِالرُّؤْيَةِ، وَحَكَى هَذَا الْإِجْمَاعَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِثْلُ ابْنِ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ
فَإِذَا تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلالَ، فَرَآهُ بَعْضُهُمْ، ثَبَتَ دُخُولُ الشَّهْرِ. وَعَلَى الصَّحِيحِ تَكْفِي رُؤْيَةُ وَاحِدٍ عَدْلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِذَا اعْتَمَدَهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ مِنَ الْقُضَاةِ؛ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى الْهِلالَ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ
وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّائِي أَنْ يَكُونَ عَدْلًا؛ فَإِنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي ذَلِك
ثَانِيًا: إِكْمَالُ عِدَّةِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا
إِذَا تَحَرَّى الْمُسْلِمُونَ رُؤْيَةَ الْهِلالِ فَلَمْ يَرَوْهُ، أَوْ حَالَ دُونَ رُؤْيَتِهِ غَيْمٌ أَوْ غُبَارٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ يُكْمِلُونَ شَهْرَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا». وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَقَطْ يَثْبُتُ دُخُولُ الشَّهْرِ فِي الشَّرْعِ
حُكْمُ الِاعْتِمَادِ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ
أَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَى الْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ فِي إِثْبَاتِ دُخُولِ الشَّهْرِ فَلَيْسَ مُعْتَبَرًا شَرْعًا، وَذَلِكَ لِأُمُورٍ
- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَتَّخِذُوهُ طَرِيقًا مَعَ قِيَامِ مُقْتَضِيهِ فِي زَمَانِهِمْ، وَتَرْكُهُمْ لَهُ مَعَ الإِمْكَانِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ، إِذِ الْعِبَادَاتُ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ. وَكُلُّ وَسِيلَةٍ كَانَ بِإِمْكَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ أَنْ يَتَّخِذُوهَا وَلَمْ يَتَّخِذُوهَا، فَاتِّخَاذُهَا بَدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ شَيْخُ الإِسْلَامِ
- أَنَّ النُّصُوصَ النَّبَوِيَّةَ عَلَّقَتِ الْحُكْمَ عَلَى الرُّؤْيَةِ أَوْ إِكْمَالِ الْعِدَّةِ، وَلَمْ تُعَلِّقْهُ عَلَى الْحِسَابِ
- أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ حَكَوْا الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْحِسَابِ الْفَلَكِيِّ فِي ذَلِكَ. حَكَى الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَشَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ، وَابْنُ حَجَرٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا
وَعَلَيْهِ؛ فَالْقَوْلُ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى الْحِسَابِ قَوْلٌ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبْنُوا عِبَادَتَهُمْ عَلَيْهِ، فَلَا تُقَدَّمُ عَلَى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا يُتَابَعُ أَحَدٌ فِيهَا
فالْوَاجِبُ هُوَ التَّمَسُّكُ بِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ دُونَ تَعَدٍّ وَلَا ابْتِدَاعٍ
نَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلِاتِّبَاعِ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُتَمَسِّكِينَ بِالسُّنَّةِ، السَّائِرِينَ عَلَى هَدْيِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ
