ليلة النصف من شعبان

ليلة النصف من شعبان: ما ثبت وما لم يثبت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

يكثر الكلام عن ليلة النصف من شعبان، وتنتشر فيها رسائل وأدعية وصلوات واحتفالات تنسب إلى الدين. والواجب أن يفرق المسلم بين ثلاثة أمور: فضل ورد فيه حديث مختلف في ثبوته، وعبادة عامة مشروعة في كل وقت، وعبادة مخصوصة تحتاج إلى دليل صحيح يدل على تخصيصها بهذه الليلة.

الأصل في العبادات الاتباع

والأصل أن العبادات مبناها على الاتباع لا على الاستحسان أو العادة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

رواه البخاري، رقم 2697، ومسلم، رقم 1718، واللفظ لمسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".

رواه مسلم، رقم 1718.

فحسن النية لا يحول العبادة المحدثة إلى سنة، ومحبة الطاعة لا تبيح نسبة فضل خاص إلى زمان أو عدد أو هيئة لم يثبت بها الدليل.

ما ثبت في صيام شعبان

ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الصيام في شعبان. عن عائشة رضي الله عنها قالت:

"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ".

رواه البخاري، رقم 1969، ومسلم، رقم 1156.

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، فقال:

"ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ".

رواه النسائي، رقم 2357، وأحمد، وحسنه جماعة من أهل العلم.

فالسنة الثابتة هي الإكثار من الصيام في شعبان بحسب القدرة، لا تخصيص يوم الخامس عشر وحده بفضيلة لم تثبت.

حديث المغفرة في ليلة النصف

حديث مختلف في ثبوته

ورد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ".

رواه ابن ماجه، رقم 1390، وله روايات أخرى عن عدد من الصحابة.

اختلف أهل الحديث في ثبوته؛ فضعف أسانيده جماعة من النقاد، وصححه أو حسنه بمجموع طرقه جماعة آخرون. فالخلاف في الحديث معتبر، ولا يصح ادعاء اتفاق المحدثين على تصحيحه أو على تضعيفه.

وعلى قول من صححه أو حسنه، ففيه خبر عن مغفرة الله في هذه الليلة وتحذير من الشرك والشحناء، وليس فيه أمر بتخصيصها بصلاة أو دعاء أو قراءة أو اجتماع تعبدي، ولا بتخصيص نهارها بالصيام. فثبوت فضل وقت لا يبيح اختراع عبادة فيه لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم.

والمشاحن هو صاحب العداوة والخصومة المذمومة التي تحمل على الهجر والبغضاء والظلم. أما الشرك فهو أعظم الذنوب، ولا يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله تعالى في هذه الليلة أو غيرها.

هل تخص ليلة النصف بالصلاة والقيام؟

لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة أو قيام. وقد نص الشيخ ابن باز رحمه الله على أنه لا يجوز تخصيصها بالقيام. ولا يصير هذا التخصيص مشروعا بمجرد ترك تحديد عدد الركعات أو القراءة؛ فتخصيص الصلاة بهذه الليلة لاعتقاد فضل خاص لقيامها يحتاج إلى دليل.

وما يسمى بصلاة البراءة، أو صلاة مائة ركعة، أو الصلاة الألفية، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، والأحاديث المروية في هذه الصلوات موضوعة أو شديدة الضعف.

رواية شديدة الضعف

ومن ذلك الحديث المشهور:

"إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا، وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا؟ أَلَا كَذَا؟ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ".

رواه ابن ماجه، رقم 1388. وهو حديث شديد الضعف، وفي إسناده ابن أبي سبرة، وقد اتهمه أئمة الحديث بالوضع؛ فلا تقوم به حجة على تخصيص الليل بالقيام أو النهار بالصيام.

أما قيام الليل المطلق فهو مشروع في كل ليلة. فمن وافقت هذه الليلة قيامه المعتاد، أو قام فيها كما يقوم في غيرها من غير قصد تخصيصها، فلا حرج. أما تعمد تخصيص ليلة النصف بالقيام لاعتقاد سنة خاصة فيها، أو اتخاذها موسما ثابتا، أو دعوة الناس إلى اجتماع تعبدي مرتبط بها، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه.

روايات منتشرة لا تصح

تنتشر عبارات تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح الاعتماد عليها، ومنها:

رواية شديدة الضعف

1. "شَعْبَانُ شَهْرِي، وَرَمَضَانُ شَهْرُ اللَّهِ، وَشَعْبَانُ المُطَهَّرُ، وَرَمَضَانُ المُكَفِّرُ". وهو حديث ضعيف جدا، كما بين الألباني في السلسلة الضعيفة، رقم 3746.

رواية لا تصح

2. "مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيِ العِيدِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ القُلُوبُ". وهو حديث منكر لا يصح.

رواية لا تصح

3. "خَمْسُ لَيَالٍ لَا تُرَدُّ فِيهِنَّ الدَّعْوَةُ: أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةُ الجُمُعَةِ، وَلَيْلَةُ الفِطْرِ، وَلَيْلَةُ النَّحْرِ". لا يصح مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وطرقه معلولة.

ولا يعني ضعف هذه الروايات أن الدعاء أو قيام الليل غير مشروعين في أصلهما، وإنما يعني أنه لا يجوز نسبة هذا الفضل الخاص أو هذا الوعد المحدد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغير حجة.

حكم صيام يوم الخامس عشر

لا يثبت حديث صحيح يخص يوم الخامس عشر من شعبان بالصيام، فلا يصام منفردا باعتقاد أن له فضلا خاصا بسبب ليلة النصف.

لكن الخامس عشر أحد الأيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر القمري. فمن صام الأيام البيض الثلاثة، أو وافق اليوم عادة له كصيام الاثنين والخميس، أو كان يصوم شعبان صوما عاما، أو كان عليه قضاء واجب، فله أن يصومه للسبب المشروع، لا لحديث تخصيص النصف.

ولا يجوز أن يقال للناس إن صيام الخامس عشر سنة خاصة مستقلة؛ لأن إثبات السنن يحتاج إلى دليل صحيح.

الاحتفالات والاجتماعات المخصوصة

لا يشرع جعل ليلة النصف من شعبان موسما دينيا متكررا تقام فيه الاحتفالات، أو الأذكار الجماعية المخصوصة، أو الصلوات الجماعية المحدثة، أو توزيع أطعمة وحلوى على أنها شعيرة دينية. ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم.

الدعاء وقراءة القرآن

لا يثبت دعاء مخصوص لليلة النصف من شعبان، ولا قراءة سورة يس ثلاث مرات بنية طول العمر أو سعة الرزق أو دفع البلاء، ولا تخصيص سور أو أذكار بأعداد معينة.

ومن الأدعية المنتشرة دعاء يخصص لهذه الليلة، يطلب فيه محو الشقاء وإثبات السعادة. ولا تثبت صيغة مخصوصة لذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يشرع ربطها بليلة النصف. وليس كل دعاء بطلب السعادة ودفع البلاء ممنوعا؛ فالدعاء من الأسباب المشروعة، وهو وما يترتب عليه داخل في علم الله وكتابته السابقة، لا يغير علمه ولا ما استقر في أم الكتاب. قال الله تعالى:

{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ} [الرعد: 39].

والدعاء وقراءة القرآن مشروعان في كل وقت، لكن لا تنسب لهما صيغة أو عدد أو فضيلة خاصة بهذه الليلة من غير دليل.

هل تقدر الأرزاق والآجال في ليلة النصف؟

لا يثبت أن تفصيل حوادث السنة أو توزيع الأرزاق والآجال يكون في ليلة النصف من شعبان. والليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة القدر على الصحيح من تفسير السلف؛ لأن القرآن أنزل فيها، وهي في رمضان.

قال الله تعالى:

{حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [الدخان: 1-6].

وقال سبحانه:

{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ * لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ} [القدر: 1-5].

وقال تعالى:

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].

فالجمع بين الآيات يدل على أن الليلة المباركة المذكورة في سورة الدخان هي ليلة القدر من رمضان، لا ليلة النصف من شعبان. وهذا التفصيل السنوي لا يعني أن الله لم يكن يعلم الحوادث ثم علمها؛ فعلمه سابق محيط، وقد كتب مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت في صحيح مسلم، رقم 2653.

زيارة القبور في ليلة النصف

زيارة القبور للعبرة والدعاء للأموات مشروعة في الأوقات الجائزة، لكن لا يثبت تخصيص ليلة النصف من شعبان بزيارة المقابر.

والرواية التي يستدل بها بعض الناس على خروجه صلى الله عليه وسلم إلى البقيع في هذه الليلة رواها الترمذي، رقم 739، وابن ماجه، رقم 1389، ولا تثبت على وجه تقوم به حجة لتخصيصها. وقد نقل الترمذي تضعيف البخاري لها وبيان الانقطاع في إسنادها. ولو ثبت أصل زيارة في ليلة معينة، لم يدل ذلك على جعلها موسما سنويا عاما أو دعوة الناس إلى زيارة جماعية.

هل ثبت اسم «ليلة البراءة»؟

هذا الاسم اشتهر عند بعض المتأخرين، لكنه ليس اسما شرعيا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه. ولا يثبت بمجرد الاسم فضل أو عبادة أو ضمان للبراءة من الذنوب والنار. والأولى استعمال الاسم الوصفي: ليلة النصف من شعبان.

هل يختص النزول الإلهي بليلة النصف؟

لا. ثبت في الصحيحين أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، نزولا حقيقيا يليق بجلاله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟".

رواه البخاري، رقم 1145، ومسلم، رقم 758.

فهذا الفضل ثابت في كل ليلة، ولا يحتاج المسلم إلى حديث خاص بليلة النصف حتى يقوم في الثلث الأخير ويدعو ربه.

التوحيد والتوبة وإصلاح ذات البين

التوحيد، والتوبة من الذنوب، وترك الظلم والعداوة المحرمة، واجبات مطلوبة طوال العام، وإصلاح ذات البين من أعظم القربات. وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا".

رواه مسلم، رقم 2565.

فخطر الشرك والشحناء ثابت بأحاديث صحيحة في غير هذا الباب أيضا. ولا ينتظر المسلم ليلة النصف ليتوب أو يترك الظلم والعداوة المذمومة، ولا يتخذ الحث على المصالحة موسما تعبديا خاصا بها.

ولا تعني المصالحة ترك حق واجب أو تمكين ظالم من الأذى. يستطيع المسلم أن يزيل الحقد والعداوة المحرمة، ويعفو حيث يشرع العفو، مع حفظ الحقوق واتخاذ أسباب السلامة المشروعة.

الاستعداد لرمضان

يبدأ الاستعداد لرمضان بالمحافظة على الفرائض، والتوبة من الذنوب، وإصلاح القلب من الشرك والرياء والحقد والظلم. ومن بقي عليه قضاء من رمضان السابق، فليؤده قبل دخول رمضان الجديد عند القدرة وعدم العذر.

ومن السنة الإكثار من الصيام في شعبان بحسب القدرة، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ومن اعتاد صيام الأيام البيض أو الاثنين والخميس، استمر على عادته، مع مراعاة أحكام الصيام في آخر الشهر المبينة في الأسئلة الآتية.

وتبقى قراءة القرآن والذكر والدعاء وقيام الليل على وجهها المشروع، من غير أن يجعل المسلم ليلة النصف موعدا لعبادة خاصة. ويعينه على الاستعداد لرمضان تنظيم وقته وتعلم أحكام الصيام للمبتدئين.

أسئلة شائعة

متى تبدأ ليلة النصف من شعبان؟

ليلة الخامس عشر تبدأ من غروب شمس اليوم الرابع عشر من شعبان، وتنتهي بطلوع الفجر. ومعرفة وقتها لا تعني ثبوت عبادة مخصوصة فيها.

هل ليلة النصف من شعبان هي ليلة القدر؟

لا. ليلة القدر في رمضان بنص القرآن، أما ليلة النصف من شعبان ففي شهر آخر. والقول بأن المراد بالليلة المباركة في سورة الدخان هو ليلة النصف قول مرجوح مخالف لجمع الآيات ولتفسير جمهور السلف.

هل لها دعاء مخصوص مستجاب؟

لا يثبت حديث صحيح صريح يجعل ليلة النصف وقت إجابة مخصوصا بدعاء معين. والدعاء مشروع في كل وقت، ومن أعظم أوقات الإجابة الثلث الأخير من كل ليلة، كما ثبت في الصحيحين.

هل يخص يوم الخامس عشر بالصيام؟

لا يخص بالصيام لكونه يوم النصف. فإن صامه لسبب مشروع عام، كأن يوافق عادة صيامه، أو صامه ضمن الأيام البيض، أو كان عليه قضاء، فلا حرج.

ما حكم الصيام بعد منتصف شعبان؟

حديث مختلف في ثبوته

ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا".

رواه أبو داود، رقم 2337، والترمذي، رقم 738، وابن ماجه، رقم 1651. وقد اختلف المحدثون في تصحيحه وتضعيفه. وصححه الشيخ ابن باز، وحمل النهي على من يبدأ صيام التطوع بعد النصف من غير عادة سابقة؛ أما من بدأ الصيام قبل النصف وواصله، أو وافق عادة مشروعة كصيام الاثنين والخميس، فلا يدخل في النهي عنده. ولا يمنع هذا الحديث من أداء صوم واجب كقضاء أو نذر.

وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

"لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ".

رواه البخاري، رقم 1914، ومسلم، رقم 1082.

فلا يبدأ المسلم صيام تطوع في اليوم أو اليومين السابقين لرمضان من غير عادة، ولا يصومهما احتياطا لرمضان؛ ويستثنى من وافق ذلك صوما كان يصومه، ولا يمنع هذا من أداء صوم واجب كقضاء أو نذر. ولمعرفة الطريق الشرعي لإثبات دخول الشهر اقرأ كيف تثبت بداية شهر رمضان؟.

هل يجوز قيام هذه الليلة؟

قيام الليل مشروع في كل ليلة. فمن وافقت الليلة عادته، أو قام كما يقوم في سائر الليالي من غير قصد تخصيصها، فلا حرج. والراجح عدم تعمد تخصيصها بالقيام لاعتقاد سنة خاصة؛ لعدم ثبوت دليل يشرع ذلك. ولا يثبت اتخاذها شعيرة متكررة، أو تخصيصها بصلاة ذات صفة معينة، أو اجتماع تعبدي.

هل يضمن حديث المغفرة لكل شخص أن ذنوبه غفرت؟

لا. حتى على القول بثبوت الحديث، فهو خبر عن فضل المغفرة، وليس شهادة لشخص معين بأنه قد غفر له. ولا يجوز أن يجعل ذريعة للإصرار على الكبائر، أو ترك التوبة، أو أكل حقوق الناس؛ فحقوق العباد لا تسقط بمجرد حضور ليلة، والواجب ردها أو طلب المسامحة مع التوبة الصادقة.

هل تشرع التهنئة بليلة النصف؟

لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه اتخاذ هذه الليلة عيدا أو تبادل تهنئة دينية خاصة بها. فلا تنشر عبارات تهنئة تنسب لها فضلا أو شعيرة لم تثبت.

هل ثبت تحويل القبلة في ليلة النصف؟

ذكر أهل السيرة أقوالا في تاريخ تحويل القبلة، ولم يثبت دليل صحيح يجعل ليلة النصف موسما لتذكره أو عبادة مرتبطة به. والعبرة بالحكم الشرعي الثابت، لا بإنشاء احتفال على تاريخ مختلف فيه.

هل ترفع الأعمال في ليلة النصف وحدها؟

الثابت أن الأعمال ترفع في شهر شعبان كما جاء في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، ولم يثبت تخصيص ليلة النصف وحدها بالرفع المذكور في الحديث.

كيف ينكر التخصيص المحدث؟

الحكم على العمل غير الحكم على شخص معين. فمن بلغه الدليل ترك التخصيص المحدث واتبع السنة، ومن فعل ذلك جاهلا يعلم برفق وحكمة. ولا يجوز أن يكون إنكار البدعة سببا للظلم أو السباب أو الطعن في النيات.

أخطاء شائعة

  1. 1. الجزم بصحة جميع أحاديث ليلة النصف أو الجزم بعدم وجود خلاف حديثي فيها.

  2. 2. جعل حديث المغفرة دليلا على صلاة أو صيام لم يذكرهما الحديث.

  3. 3. صلاة مائة ركعة أو ما يسمى صلاة البراءة أو الصلاة الألفية.

  4. 4. قراءة سورة يس ثلاث مرات بنيات مخصوصة.

  5. 5. نشر دعاء مخصوص واعتقاد أنه يغير ما في أم الكتاب.

  6. 6. تخصيص يوم الخامس عشر بالصيام لذاته.

  7. 7. إقامة احتفال أو ذكر جماعي أو توزيع طعام على أنه شعيرة دينية.

  8. 8. تخصيص المقابر بزيارة في هذه الليلة.

  9. 9. اعتقاد أن أرزاق السنة وآجالها تكتب فيها بدلا من ليلة القدر.

  10. 10. الانشغال بالبدع عن الفرائض والتوبة والاستعداد الصحيح لرمضان.

مقالات ذات صلة

خاتمة

حديث المغفرة في ليلة النصف من شعبان مختلف في ثبوته، وعلى القول بثبوته فهو خبر عن المغفرة والتحذير من الشرك والشحناء، وليس في لفظه أمر بعبادة مخصوصة. والراجح عدم تخصيص هذه الليلة بالعبادة؛ فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه تخصيص ليلتها بصلاة أو دعاء أو قراءة أو اجتماع أو احتفال، ولا تخصيص نهارها بالصيام. ولضبط معنى التخصيص المحدث يمكن الرجوع إلى البدعة: معناها وضوابطها.

فليلزم المسلم السنة الثابتة، وليستعد لرمضان بالتوبة والمحافظة على الفرائض والصيام المشروع، من غير أن يجعل ليلة النصف موعدا لعبادة خاصة لم تثبت.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.