English

تذكير وتوجيه بشأن ليلة النصف من شعبان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ
الواجب على المسلم أن يعبد الله على بصيرة، وأن يلتزم بما ثبت عن النبي ﷺ وصحابته، وأن يترك ما لم يرد به دليل صحيح، محبةً لله ورسوله واتباعًا لمنهج الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

أولًا: عدم ثبوت تخصيصها بعبادة
لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم خصّوا ليلة النصف من شعبان بقيام، أو نهارها بصيام، أو أقاموا لها احتفالًا، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. قال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (متفق عليه)

ثانيًا: ضعف الأحاديث الواردة في فضلها
جميع الأحاديث التي وردت في تخصيص هذه الليلة بعبادات معينة (كصلاة مخصوصة أو أدعية خاصة) إما ضعيفة أو موضوعة، ولا يُبنى عليها عمل تعبدي. قال الإمام ابن رجب رحمه الله: “لم يثبت في قيام ليلة النصف من شعبان عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه شيء”

ثالثًا: خطورة البدع
البدع تُضاهي الشرع، وتُفضي إلى ترك السنن، وقد قال ﷺ: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).

رابعاً: بعض البدع المنتشرة في ليلة ويوم النصف من شعبان والرد عليها

- تخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام أو صلاة مخصوصة-

البدعة: أداء صلاة معينة بعدد ركعات وأذكار مخصوصة، مثل ما يُسمّى صلاة الألفية أو غيرها

الرد: لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة رضي الله عنهم تخصيص هذه الليلة بصلاة معينة، وجميع الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة أو شديدة الضعف. قال ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (رواه مسلم)

- تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام-

البدعة: صيام يوم 15 شعبان اعتقادًا لفضله الخاص
الرد: لم يثبت دليل صحيح يخص هذا اليوم بالصيام. والعبادة إذا قُيِّدت بزمان أو عدد بلا دليل كانت بدعة. أما من صام لأنه من صيامه المعتاد أو ضمن صيام شعبان عمومًا فلا حرج

- إقامة الاحتفالات والاجتماعات الخاصة بهذه الليلة-

البدعة: الاجتماع في المساجد أو البيوت لإحياء الليلة بالذكر الجماعي أو الاحتفال
الرد: لم يُنقل عن الصحابة رضي الله عنهم شيء من ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. والعبادات الجماعية تحتاج إلى دليل خاص

- قراءة أدعية مخصوصة أو توزيع أوراق بأدعية خاصة للنصف من شعبان-

البدعة: الالتزام بأدعية معينة يُظن أن لها فضلًا خاصًا في هذه الليلة
الرد: تخصيص دعاء معين بزمان معين يحتاج إلى دليل، ولم يثبت في ذلك شيء. والدعاء مشروع في كل وقت دون تقييد مبتدع

- اعتقاد أن الآجال والأرزاق تُكتب في ليلة النصف من شعبان-

البدعة: الجزم بأن كتابة الأقدار تكون في هذه الليلة
الرد: الصحيح أن ليلة القدر هي التي يُفرَق فيها كل أمر حكيم، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4]

- تخصيص زيارة القبور في ليلة النصف من شعبان-

البدعة: الخروج لزيارة المقابر في هذه الليلة خاصة
الرد: زيارة القبور مشروعة على وجه العموم، لكن تخصيصها بزمان معين بلا دليل بدعة

- ما يُشاع من الحث على المسامحة ليلة النصف من شعبان-

البدعة: ينتشر بين الناس الحثّ على المسامحة وترك الشحناء ليلة النصف من شعبان، واعتقاد أن من لم يسامح غيره يُحرَم المغفرة في هذه الليلة

الرد: ورد في بعض الأحاديث أن الله يطّلع على عباده في ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين إلا لمشرك أو مشاحن، إلا أن هذه الأحاديث مختلف في تصحيحها، وعلى فرض ثبوت أصل المعنى عند بعض أهل العلم، فلم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة أنهم كانوا يخصّون هذه الليلة بحمل الناس على المسامحة أو يجعلونها موسمًا لذلك

والخطأ ليس في الدعوة إلى المسامحة نفسها، بل في تخصيصها بزمان معين على وجه التعبد من غير دليل. فالمسامحة وترك الشحناء من الأخلاق الواجبة والمستحبة دائمًا، لا تختص بليلة ولا بيوم. قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]. وقال ﷺ: «تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيُغفر لكل عبد لا يُشرك بالله شيئًا، إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء» (رواه مسلم). وهذا يدل على أن ترك الشحناء سبب للمغفرة طوال العام، وليس خاصًا بليلة النصف من شعبان

- “الاعتقاد بأن ليلة النصف من شعبان تُسمي "ليلة البراءة-

“البدعة: القول بأن ليلة النصف من شعبان أنها "ليلة البراءة

الرد: لا يوجد في الكتاب أو السنة، ولا في أقوال الصحابة والأئمة، أي نص صحيح يطلق على ليلة النصف من شعبان اسم "ليلة البراءة". هذا الاسم غير ثابت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعًا.

ونزول الله تعالى إلى السماء الدنيا ليس خاصاً بليلة النصف من شعبان، بل ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وغيره حتى ذكر ابن القيم أنها جاءت عن أكثر من 28 صحابياً إثبات نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في كل ليلة في الثلث الآخر من الليل، وليلة النصف من شعبان داخلة في هذا العموم.

ولهذا لما سئل عبد الله بن المبارك عن نزول الله تعالى ليلة النصف من شعبان قال للسائل: "يا ضعيف ! ليلة النصف !؟ ينـزل في كل ليلة". رواه أبو عثمان الصابوني في -اعتقاد أهل السنة

فاتقوا الله، وصونوا دينكم من البدع والمحدثات، وأخلصوا العبادة لربكم، وتمسّكوا بسنة نبيكم ﷺ تمسّكًا لا انفصام له، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنها ضلال، ولا تغترّوا بأهل الأهواء، فإنهم يصدّون عن سبيل الله.

فكل ما لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة رضي الله عنهم في ليلة أو يوم النصف من شعبان فهو مردود، والواجب هو الاتباع لا الابتداع، والحرص على السنن الثابتة. قال الإمام مالك رحمه الله: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة

نسأل الله أن يرزقنا الاتباع، وأن يجنبنا الابتداع

الاثنين الرابع عشر من شهر شعبان سنة 1447هـ، والله المستعان وعليه التكلان