أذكار وآدابأذكار السفر وآدابه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
السفر من الأحوال التي يظهر فيها ضعف الإنسان وحاجته إلى حفظ الله وتيسيره؛ ففيه انتقال ومشقة وغربة عن الأهل والبلد. ولذلك جاءت السنة بأذكار عظيمة وآداب نافعة تحفظ على المسلم دينه وقلبه ووقته، وتذكره بأن الطريق كله بيد الله، وأن السلامة والتوفيق لا يكونان إلا منه سبحانه.
{لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ . وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 13-14].
{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل: 7].
بداية السفرأولا: أن يبدأ المسلم سفره بالتقوى والنية الصالحة
أول ما ينبغي للمسافر أن يعتني به أن يصلح نيته، وأن يجعل سفره في مباح أو طاعة، وأن يتقي الله في طريقه ورفقته ووقته. فالمسلم لا يترك مراقبة الله إذا خرج من بلده، بل يكون في سفره أحوج إلى التقوى.
{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197].
وكان أهل العلم يذكرون في آداب السفر أن يبدأ المسلم بتوبة صادقة، ورد المظالم والحقوق قدر الاستطاعة، وقضاء ما يلزمه من الديون أو بيانها، وترك النفقة الكافية لمن تلزمه نفقتهم، واختيار الرفقة الصالحة، وتعلم ما يحتاج إليه من أحكام سفره.
دعاء الركوبثانيا: دعاء السفر الكامل عند الركوب
إذا ركب المسلم وسيلة السفر واستوى عليها خارجا إلى سفر، كبر ثلاثا:
اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ.
ثم يقول:
سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ العَمَلِ مَا تَرْضَى. اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ المَنْظَرِ، وَسُوءِ المُنْقَلَبِ فِي المَالِ وَالأَهْلِ.
رواه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
شرح الألفاظثالثا: معنى بعض ألفاظ دعاء السفر
- وما كنا له مقرنين: أي ما كنا قادرين عليه ولا مطيقين له لولا أن الله سخره لنا.
- واطو عنا بعده: أي قرب علينا المسافة، وخفف علينا مشقة الطريق.
- أنت الصاحب في السفر: أي نسألك يا الله أن تصحبنا بحفظك وتوفيقك.
- والخليفة في الأهل: أي احفظ أهلنا في غيابنا.
- وعثاء السفر: مشقته وشدته.
- كآبة المنظر: ما يحزن الإنسان أو يسوءه مما يراه.
- سوء المنقلب: الرجوع إلى أمر مكروه في الأهل أو المال.
الدعاءرابعا: الإكثار من الدعاء في السفر
ينبغي للمسافر أن يكثر من الدعاء؛ فإن دعوة المسافر من الدعوات التي ترجى إجابتها.
ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ.
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وحسنه جماعة من أهل العلم.
فليغتنم المسلم سفره بالدعاء لنفسه وأهله ووالديه والمسلمين، وليسأل الله الهداية والثبات والرزق الحلال والسلامة في الدين والدنيا.
النزولخامسا: الذكر عند النزول في مكان أثناء السفر
إذا نزل المسلم منزلا أو استراح في مكان أثناء سفره، فمن السنة أن يقول:
أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ".
رواه مسلم.
الطريقسادسا: التكبير عند الصعود والتسبيح عند النزول
من السنة في السفر أن يكبر المسلم إذا علا مرتفعا، وأن يسبح إذا نزل واديا أو مكانا منخفضا.
كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا.
رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه.
الرفقةسابعا: السفر مع الرفقة الصالحة عند الإمكان
من آداب السفر أن يحرص المسلم على الرفقة الصالحة إذا تيسر ذلك؛ فإن الرفيق الصالح يعين على الصلاة والذكر وحسن الخلق، ويذكر صاحبه إذا نسي، ويعينه إذا احتاج.
لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ، مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ.
رواه البخاري.
الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ.
رواه أبو داود والترمذي، وحسنه جماعة من أهل العلم.
وهذا لا يعني تحريم كل سفر منفرد عند الحاجة، لكنه يبين أن الأصل الأكمل والأحوط أن يسافر المسلم مع رفقة صالحة.
النظامثامنا: تأمير أحد المسافرين إذا كانوا جماعة
إذا سافر جماعة، فمن السنة أن يؤمروا أحدهم؛ حتى تنتظم أمورهم، ويقل الخلاف بينهم، ويعرفون من يرجعون إليه في شؤون الطريق.
إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ.
رواه أبو داود.
التوديعتاسعا: توديع المسافر بالدعاء
من السنة أن يدعو المسلم لمن أراد السفر، وأن يستودع دينه وأمانته وخواتيم عمله عند الله.
أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ.
رواه أبو داود والترمذي، وصححه جماعة من أهل العلم.
الصلاةعاشرا: المحافظة على الصلاة في السفر
من أعظم آداب السفر المحافظة على الصلاة، وعدم جعل السفر سببا للتهاون بها أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر. وقد خفف الله عن المسافر، فشرع له قصر الصلاة الرباعية، وجوز له الجمع عند الحاجة على ما قرره أهل العلم.
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238].
{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103].
الأخلاقالحادي عشر: حسن الخلق وخدمة الرفقة
السفر يكشف أخلاق الناس؛ لأنه موضع تعب وتأخر واختلاف رغبات. ومن آداب المسلم في السفر أن يكون لين الجانب، حسن الكلام، صبورا، بعيدا عن الخصومة، معينا لرفقته، لا يثقل عليهم ولا يؤذيهم.
أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا.
رواه أبو داود والترمذي، وصححه جماعة من أهل العلم.
دعاء الرجوعالثاني عشر: دعاء الرجوع من السفر
إذا رجع المسلم من سفره، يقول دعاء السفر نفسه، ويزيد عند الرجوع:
آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ.
رواه مسلم.
وفي رواية أنه إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول:
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ.
متفق عليه.
أدب الرجوعالثالث عشر: عدم مفاجأة الأهل عند الرجوع بعد طول غياب
من حسن الأدب عند الرجوع من السفر ألا يفاجئ الرجل أهله ليلا بعد طول غياب إذا لم يكونوا على علم بقدومه، بل يخبرهم بما يناسب حتى يستعدوا لقدومه.
إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمُ الغَيْبَةَ، فَلَا يَطْرُقَنَّ أَهْلَهُ لَيْلًا.
متفق عليه.
ولا يدخل في ذلك من كان أهله يعلمون بقدومه أو يتواصل معهم بوسائل الاتصال المعاصرة.
المسجدالرابع عشر: البدء بالمسجد عند القدوم إذا تيسر
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين.
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ.
متفق عليه عن كعب بن مالك رضي الله عنه.
سؤالمتى يقال دعاء السفر؟
يقال عند الركوب والاستواء على وسيلة السفر إذا كان المسلم خارجا إلى سفر، سواء كان السفر بالسيارة أو الطائرة أو القطار أو السفينة.
سؤالهل يقال دعاء السفر في المشاوير القصيرة داخل المدينة؟
دعاء السفر يقال في السفر المعروف عرفا، لا في كل خروج قصير داخل البلد. أما ذكر الخروج من البيت فيقال عند الخروج عموما.
سؤالماذا أقول عند الرجوع من السفر؟
تقول دعاء السفر، وتزيد: "آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ". ويشرع كذلك ما ثبت في حديث الرجوع: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ..." إلى آخر الدعاء المتقدم.
سؤالهل دعاء السفر يحفظ المسافر قطعا من كل مكروه؟
الذكر والدعاء من أسباب الحفظ، لكن الأمر كله بيد الله، وقد يبتلي الله عبده لحكمة. فالمسلم يقول الدعاء توكلا على الله وأخذا بالأسباب، مع حسن الظن بربه.
سؤالهل دعاء المسافر مستجاب؟
دعوة المسافر من الدعوات التي ترجى إجابتها، فينبغي له أن يكثر من الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، وأن يطيب مطعمه ويجتنب الحرام؛ لأن أكل الحرام من أسباب منع إجابة الدعاء.
سؤالهل الأفضل السفر وحدي أم مع رفقة؟
الأفضل والأكمل أن يسافر المسلم مع رفقة صالحة إذا تيسر، خاصة في السفر الذي يحتاج فيه إلى إعانة ومؤانسة.
سؤالماذا أفعل إذا كنا جماعة في السفر؟
إذا كان المسافرون ثلاثة فأكثر، فمن السنة أن يؤمروا أحدهم؛ ليكون أمرهم منظما، وليقل الخلاف بينهم، مع التزامه هو أيضا بالعدل والرفق والمشاورة.
سؤالهل يجوز الجمع والقصر في السفر؟
القصر ثابت في السفر في الصلاة الرباعية؛ فيصلي المسافر الظهر والعصر والعشاء ركعتين. وأما الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فيشرع عند الحاجة على ما قرره أهل العلم. وينبغي للمسافر أن يتعلم هذه الأحكام قبل سفره.