الأسرة والتربية

تربية الأبناء في الإسلام: دليل عملي للوالدين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تربية الأبناء في الإسلام أمانة وعبادة ومسؤولية، وليست مجرد توفير الطعام واللباس والدراسة. والمقصود بها أن يبذل الوالدان وسعهما في تنشئة الأبناء على التوحيد والسنة والعبادة والخلق النافع، وأن يعلماهم ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، ويحفظا أبدانهم وقلوبهم وفطرتهم، بالرحمة والحكمة والعدل.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

فوقاية الأهل تكون بتعليمهم ما أوجب الله، وتحذيرهم مما حرم، وإعانتهم على الطاعة، مع قيام الوالدين بما يأمران به قدر استطاعتهما.

الأمانة والمسؤولية

ولاية رعاية وإصلاح

ولاية الوالدين على الأبناء ولاية رعاية وإصلاح، لا ملك يبيح الإهمال أو الإهانة أو التحكم الظالم. وكل من الأب والأم مسؤول بحسب موقعه وقدرته.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». متفق عليه: رواه البخاري (7138)، ومسلم (1829)، واللفظ للبخاري.

حفظ الفطرة مع بذل الأسباب

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟». متفق عليه: رواه البخاري (1359)، ومسلم (2658).

فالطفل يولد على الفطرة، وللبيت أثر عظيم في توجيهه وتعليمه وعاداته، ولهذا وجب على الوالدين أن يصونا فطرته من الشرك والبدع والأخلاق الفاسدة، وأن يربياه على الإسلام بالعلم والعمل والقدوة.

والوالدان مأموران ببذل السبب، لكن هداية التوفيق بيد الله وحده؛ فلا يغتران بصلاح أبنائهما، ولا يقنطان إذا تأخر أثر التربية، بل يصبران ويصلحان ويدعوان. قال الله تعالى:

{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ} [القصص: 56].
منهج لقمان في التربية

التوحيد والمراقبة والصلاة والخلق

جمعت وصايا لقمان لابنه أصولا عظيمة في التربية، وبدأت بأعظم الحقوق: حق الله وتوحيده.

{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

ثم غرس فيه مراقبة الله، وأن العمل لا يخفى عليه مهما دق:

{يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16].

ثم أمره بالصلاة والعمل الصالح والصبر:

{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [لقمان: 17].

ثم رباه على التواضع وحسن السمت والكلام:

{وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18].
{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ} [لقمان: 19].

وفي تكرار قوله: {يَا بُنَيَّ} لطف في الخطاب وقرب من الابن، مع وضوح الأمر والنهي. فالتربية القرآنية تجمع بين صحة المضمون وحسن الأسلوب.

التوحيد والصلاة والقرآن

غرس التوحيد والعقيدة

أول ما يغرس في قلب الطفل أن الله ربه وخالقه ورازقه، وأن العبادة كلها لله وحده؛ فلا يدعى غير الله، ولا يستغاث بغيره فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، وأن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله نتبعه ولا نعبده، وأن القرآن كلام الله، وأن ما ثبت في الكتاب والسنة يفهم على طريقة الصحابة ومن تبعهم بإحسان.

ويعلم الطفل ما ثبت من أسماء الله وصفاته على الوجه اللائق بالله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويربى على أن الله يسمع كلامه ويراه ويعلم سره وعلانيته. كما يربى على محبة الصحابة جميعا وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم، والترضي عنهم، وسلامة القلب واللسان لهم. ولا تقدم له العقيدة في صورة مصطلحات مجردة فقط، بل تربط بمواقفه اليومية: فإذا خاف استعان بالله، وإذا أنعم الله عليه شكره، وإذا أخطأ تاب إليه، وإذا دعا سأل الله وحده.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو غلام:

«يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». رواه الترمذي (2516)، وقال: حديث حسن صحيح.

تعليم الصلاة

يرى الطفل الصلاة في البيت شأنا عظيما، فيشاهد والديه يحافظان عليها في وقتها، ويعلمانه الوضوء والصلاة بالتدرج، ويصبران على التذكير من غير أن تتحول الصلاة عنده إلى صراخ وخوف.

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ». رواه أبو داود (495)، وأحمد (6756)، وصححه الألباني.

هذا الحديث يدل على البدء المبكر بالتعليم والتعويد، وعلى المتابعة الجادة قبل البلوغ. وما ورد فيه عند سن العاشرة نص شرعي يشرح في بابه مع قواعد الرحمة ومنع الظلم والضرر. ولا يقدم هذا المقال العقاب البدني وسيلة تربوية، ولا يمنح أحدا إذنا بضرب طفل، ولا يجوز اتخاذ الحديث ذريعة للغضب أو الإهانة أو الأذى البدني أو النفسي. والتوجيه العملي هنا هو التعليم والقدوة والصبر والمتابعة، واستعمال وسائل تربوية غير بدنية آمنة.

صلة الطفل بالقرآن

ويجعل للقرآن نصيب يومي يناسب عمر الطفل: استماع، وتلاوة، وحفظ قصير، وفهم لمعنى آية، وعمل بها. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». رواه البخاري (5027).
القدوة والرحمة وحسن التعليم

القدوة قبل كثرة الأوامر

الطفل يراقب ما يفعله والداه أكثر مما يحفظ ما يقولانه. فإذا رأى الصدق، والصلاة، وضبط اللسان، والوفاء، والرحمة، والاعتذار عند الخطأ؛ تعلم أن الدين عمل. وإذا سمع النهي عن الكذب ثم رأى الكذب، أو أمر بالصلاة مع تضييعها في البيت، ضعفت هيبة التوجيه في قلبه.

والقدوة لا تعني أن يكون الوالدان بلا خطأ؛ بل أن يبادرا إلى التوبة، ويعتذرا إذا ظلما، ويصححا خطأهما من غير مكابرة. فهذا يعلم الطفل الصدق وتحمل المسؤولية.

الرحمة مع الحزم

إظهار المحبة للطفل ليس تدليلا مذموما؛ بل يحتاج إلى كلمة طيبة، وقرب، واحتضان، ووقت يسمع فيه، مع مراعاة عمره وحدوده. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيما بالصغار.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

«قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ». متفق عليه: رواه البخاري (5997)، ومسلم (2318).
«إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». رواه مسلم (2594).

والرفق لا يعني ترك الحدود، كما أن الحزم لا يعني القسوة. ومن الحزم النافع: قاعدة واضحة، وتذكير هادئ، ونتيجة تربوية معلومة عند المخالفة، ثم فتح باب الإصلاح من غير تشهير ولا إذلال.

تعليم واضح يناسب الموقف

من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تعليم الصغير بكلمات واضحة مرتبطة بالموقف، لا بمحاضرة طويلة لا تناسب عمره.

عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال:

«كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ». متفق عليه: رواه البخاري (5376)، ومسلم (2022)، واللفظ للبخاري.

فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين النداء اللطيف، والتعليم المحدد، وعدم الإهانة، فثبت الأدب في نفس الغلام.

الأخلاق والعدل بين الأبناء

تعليم الأخلاق بالصدق العملي

يعلم الطفل الصدق والأمانة والحياء وبر الوالدين وصلة الرحم واحترام الجار وحفظ اللسان والاستئذان وآداب الطعام والنوم واللباس. ولا يكفي أن تطلب منه الصدق؛ بل يجب ألا يكذب عليه الوالدان ولو للمزاح أو لاستدراجه.

عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال:

«دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ». رواه أبو داود (4991)، وحسنه الألباني.

العدل وترك المحاباة

يجب اجتناب المحاباة الظالمة في الهبات والمعاملة، كما ينبغي للوالدين أن ينتبها إلى العدل في الاستماع والاحترام والفرص وإظهار الاهتمام.

عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال:

«تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ. فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ». متفق عليه: رواه البخاري (2587)، ومسلم (1623)، واللفظ لمسلم.

والعدل لا يعني أن يعطى كل طفل الشيء نفسه في كل حال؛ فقد تختلف الحاجة والعمر والمرض والتعليم. وإنما المقصود ترك الظلم والمحاباة، وإعطاء كل واحد حاجته بالمعروف. ولا تقارن شخصية طفل بإخوته، ولا تجعل التفوق الدراسي مقياس المحبة أو الكرامة.

الحماية والبلوغ والصحبة والأجهزة

الاستئذان وحدود الجسد

يعلم الطفل منذ الصغر حدود العورة والاستئذان، وألا يدخل غرف الوالدين في أوقات الخصوصية إلا بإذن، وألا يسمح لأحد بلمس مواضع العورة أو تصويرها، وأن يخبر والديه فورا إذا طلب منه أحد سرا يخيفه أو صورة خاصة أو لقاء بعيدا عنهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ العِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 58].
{وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور: 59].

ويعلم الابن والبنت أحكام البلوغ والطهارة والصلاة والصيام والستر قبل أن يفاجآ بعلامات البلوغ. فإذا بلغ العاقل صار مكلفا، ولا يصح تأخير تعليم هذه الأحكام بسبب الحرج الاجتماعي.

الصحبة الصالحة

من التربية معرفة أصحاب الأبناء، وتقريب الصحبة الصالحة، وتعليمهم كيف يختارون الصديق من غير تجسس ظالم أو غفلة ساذجة.

«الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». رواه أبو داود (4833)، والترمذي (2378)، وقال: حديث حسن غريب.

الأجهزة والمتابعة الرقمية

والجهاز ليس حقا مطلقا للطفل، بل أداة يسمح بها الوالدان بقدر النفع والأمان. فيوضع في مكان ظاهر، وتحدد أوقاته، وتفعل وسائل الحماية المناسبة، وتراجع التطبيقات والألعاب، ويمنع التواصل السري مع الغرباء. وتكون المتابعة معلومة ومناسبة للعمر، مع بناء الثقة حتى يطلب الطفل المساعدة إذا رأى شيئا ضارا، لا أن يخفيه خوفا من الصراخ أو الفضيحة.

التربية بحسب المرحلة العمرية

في السنوات الأولى

  1. ١إغراق الطفل بالرحمة والأمان واللغة الطيبة.
  2. ٢تعليمه أسماء الله بما يناسب فهمه، وأن الله خلقه ورزقه.
  3. ٣تعويده التسمية والسلام والأذكار القصيرة.
  4. ٤جعله يرى الصلاة والقرآن جزءا طبيعيا من حياة البيت.
  5. ٥تعليمه النظافة والاستئذان وحدود الجسد بكلمات واضحة مناسبة لعمره.
  6. ٦تقليل الشاشات وعدم استعمالها بديلا دائما عن حضور الوالدين.

من سن التعليم إلى ما قبل البلوغ

  1. ١تعليمه الوضوء والصلاة ومتابعتهما بانتظام.
  2. ٢وضع قدر ثابت للقرآن والحفظ والفهم.
  3. ٣تكليفه بمسؤوليات منزلية تناسب قدرته.
  4. ٤تعليمه الصدق وحفظ المال والوقت والوفاء بالوعد.
  5. ٥متابعة أصدقائه ومحتواه الرقمي بوضوح وحكمة.
  6. ٦تعليمه أحكام الاستئذان والعورة، والتفريق بين الأبناء في المضاجع عند بلوغ السن الوارد في السنة.
  7. ٧تهيئته لأحكام البلوغ قبل وقوعه.

بعد البلوغ وفي المراهقة

الابن أو البنت بعد البلوغ مكلف شرعا، وإن بقي محتاجا إلى التربية والرعاية. فيخاطب باحترام، ويعلم الدليل، ويتحمل مسؤوليات حقيقية، وتناقش أسئلته وشبهاته من غير سخرية. وتستمر المتابعة والحدود ما دام تحت رعاية والديه، لكن بطريقة تراعي انتقاله إلى الرشد، وتبني رقابته لله لا اعتماده الدائم على رقابة البشر.

تصحيح الخطأ بأمان وحكمة
سبع خطوات

عند وقوع الخطأ

  1. ١يتثبتان مما حدث، ولا يبنيان الحكم على ظن أو كلام منقول.
  2. ٢يهدآن قبل التصحيح، فلا يكون القرار تفريغا للغضب.
  3. ٣يفرقان بين الطفل وبين فعله؛ فيقال: هذا الفعل خطأ، ولا يقال: أنت فاسد أو فاشل.
  4. ٤يشرحان الحكم والسبب بكلام يناسب عمره.
  5. ٥يطلبان منه إصلاح ما أفسده، ورد الحق، والاعتذار عند الحاجة.
  6. ٦يستعملان نتيجة تربوية غير بدنية، معقولة ومحددة، مرتبطة بالمخالفة قدر الإمكان.
  7. ٧يفتحان له باب التوبة وبداية جديدة، ولا يذكرانه بخطئه بعد إصلاحه للتعيير.

ولا يجوز أن تتحول التربية إلى سب أو لعن أو تحقير أو تهديد بالهجر أو فضح للأسرار أو عنف أو ضرب أو تخويف أو أذى نفسي أو بدني. وهذا المقال لا يقدم الضرب وسيلة عملية للتربية، ولا يمنح إذنا به. كما لا يدعو الوالدان على أبنائهما عند الغضب.

«لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ». رواه مسلم (3009).
اتفاق الوالدين واستمرار الرعاية

أصول مشتركة بعيدا عن خصومة الكبار

ليس المطلوب أن تتطابق شخصيتا الأب والأم في كل تفصيل، لكن ينبغي أن يتفقا على أصول الدين، والفرائض، والحدود الكبرى، وما يترتب على المخالفات المتكررة. ويناقشان خلافهما بعيدا عن الأبناء، ولا ينقض أحدهما أمامهم توجيها صحيحا أو قرارا تربويا مشروعا للآخر. أما الخطأ أو الظلم فلا يقر، بل يصحح بالحكمة مع حماية الطفل من الأذى. ولا يستخدمان الطفل رسولا أو سلاحا في نزاعهما.

وإذا وقع طلاق أو انفصال، بقيت تربية الأبناء ورعاية دينهم وأمنهم واجبا، ولا يجوز تحميلهم خصومة الكبار أو تشويه أحد الوالدين في نفوسهم.

برنامج أسري بسيط ومستمر

خطوات يمكن للأسرة البدء بها

يمكن للأسرة أن تبدأ بما تستطيع، مثل:

  1. ١صلاة جماعية في البيت عند تعذر المسجد لمن يشرع لهم ذلك، مع المحافظة على صلاة الرجال في الجماعة حيث تجب وتتاح.
  2. ٢عشر دقائق يومية للقرآن أو حديث صحيح ومعناه.
  3. ٣وقت يومي قصير لكل طفل يسمع فيه الوالدان كلامه بلا جهاز.
  4. ٤مجلس أسبوعي لمراجعة الصلاة والدراسة والأصدقاء والأجهزة بهدوء.
  5. ٥عمل منزلي ثابت لكل ابن أو بنت يناسب العمر.
  6. ٦صدقة أو صلة رحم أو خدمة نافعة تشارك فيها الأسرة دوريا.
  7. ٧دعاء الوالدين للأبناء بأسمائهم في السجود وأوقات الإجابة.

والقليل الدائم أنفع من برنامج كبير ينقطع بعد أيام.

أخطاء شائعة ومؤشرات خطر
تنبيه عملي

أخطاء ينبغي تجنبها

  1. ١الاهتمام بالدراسة والمظهر مع إهمال التوحيد والصلاة والخلق.
  2. ٢ترك التربية للهاتف والمدرسة والأصدقاء.
  3. ٣كثرة الأوامر مع ضعف القدوة.
  4. ٤التصحيح أمام الناس وإذلال الطفل.
  5. ٥المقارنة بين الإخوة أو بأبناء الآخرين.
  6. ٦التهديد بعقوبات لا تنفذ، أو تغيير القواعد بحسب المزاج.
  7. ٧التساهل الكامل باسم الرحمة، أو القسوة باسم الحزم.
  8. ٨تأخير تعليم البلوغ والطهارة حتى يقع الطفل في الحرج أو يطلب العلم من مصدر فاسد.
  9. ٩مراقبة الأجهزة سرا بلا حاجة مع غياب الحوار، أو تركها بلا متابعة بحجة الثقة.
  10. ١٠تفسير كل مشكلة بأنها عناد أو ضعف إيمان، مع إهمال احتمال المرض أو صعوبة التعلم أو الأذى النفسي.

إذا ظهرت علامات خطر مثل إيذاء النفس، أو تهديد الآخرين، أو اعتداء، أو ابتزاز، أو إدمان، أو تغير شديد مستمر في النوم أو الأكل أو السلوك؛ فيطلب الوالدان مساعدة عاجلة من جهة مختصة موثوقة، ولا يؤخِّرا طلب المساعدة المختصة اكتفاءً بالرقية وحدها، بل يجمعان بين الرقية الشرعية والدعاء والأخذ بالأسباب العلاجية النافعة؛ فالتداوي لا ينافي التوكل.

أسئلة شائعة عن تربية الأبناء

بماذا يبدأ الوالدان في تربية أبنائهما؟

يبدآن بالتوحيد ومحبة الله وتعظيمه، وتعريف الطفل برسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، ثم الصلاة والقرآن والأخلاق بحسب عمره. ويبدأ الوالدان بإصلاح أنفسهما؛ لأن القدوة أول ما يراه الطفل.

هل تكفي المحبة وحدها في التربية؟

لا. يحتاج الطفل إلى محبة وأمان، وإلى حدود وتعليم ومتابعة. الرحمة بلا توجيه قد تصير إهمالا، والحزم بلا رحمة قد يصير ظلما، والتربية الشرعية تجمع الخيرين.

هل الحزم يعني الضرب أو التخويف؟

لا. الحزم يعني وضوح الواجب والحدود، والثبات في المتابعة، واستعمال نتائج تربوية غير بدنية وآمنة. وهذا المقال لا يقدم الضرب وسيلة، ولا يمنح إذنا بإيذاء طفل أو إخافته أو إذلاله. ومن واجه حالة تربوية صعبة فليستعن بعالم موثوق ومختص تربوي مأمون، ولا يتصرف حال الغضب.

كيف يتعامل الوالدان مع كذب الطفل؟

يتثبتان أولا، ثم يبحثان عن السبب؛ فقد يكذب خوفا من العقوبة، أو تقليدا، أو طلبا للانتباه. يبينان حرمة الكذب، ويجعلان الصدق طريقا آمنا إلى الإصلاح، ويلتزمان هما بالصدق، ولا يصفانه بأنه كذاب وصفا ملازما.

ماذا يفعلان إذا كان الطفل لا يحافظ على الصلاة؟

يتأكدان من صحة تعليمه، وينظمان نومه ووقته، ويزيلان الملهيات عند الأذان، ويصليان أمامه، ويتابعانه بثبات ووسائل غير بدنية، ويبينان له مكانة الصلاة وخطر تركها بحسب فهمه. وبعد البلوغ يكون مخاطبا بوجوبها ومسؤولا عنها أمام الله، مع استمرار النصح والدعاء.

هل العدل يعني إعطاء كل طفل الشيء نفسه؟

يجب العدل، وليس من العدل إهمال اختلاف الأعمار والحاجات والقدرات. فقد يحتاج طفل إلى وقت تعليمي أكثر، أو علاج، أو نفقة خاصة. ويكون ذلك للحاجة، لا للمحاباة أو تفضيل المحبوب.

ماذا يفعل الوالدان إذا اختلف أسلوبهما في التربية؟

يتفقان على الأصول والقواعد المهمة، ويبحثان التفاصيل بينهما بعيدا عن الطفل. ولا يلزم أن يتطابق أسلوبهما تماما، لكن لا يصح أن يلغي أحدهما الآخر أو يجعل الطفل ينتقل بين حكمين متناقضين ليحصل على ما يريد.

هل كل خطأ من الابن دليل على فشل الوالدين؟

ليس كل خطأ دليلا على ذلك؛ فالابن له إرادة، والهداية بيد الله، والناس يبتلون. لكن على الوالدين محاسبة نفسيهما، وتصحيح التقصير، والاستمرار في الدعاء والنصح، وعدم اليأس أو تبرئة النفس بلا مراجعة.

دعاء الوالدين للأبناء

أدعية قرآنية جامعة

من دعاء عباد الرحمن:

{رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

ومن دعاء إبراهيم عليه السلام:

{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40].
الخاتمة

تربية طويلة تبدأ بإصلاح النفس

تربية الأبناء عمل طويل لا يصلحه الاندفاع المؤقت، ولا يشترط له والدان كاملان لا يخطئان. أصلحوا أنفسكم، وابدؤوا بالأهم، واثبتوا على القليل النافع، واسمعوا أبناءكم، وتوبوا من الخطأ، وأكثروا من الدعاء، واجعلوا البيت مكانا يرى فيه الأبناء التوحيد والصلاة والصدق والرحمة عملا حيا.

فالولد الصالح نعمة، وصلاحه فضل من الله، ومن أعظم ما يبقى للعبد بعد موته. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». رواه مسلم (1631).