فقه الصلاةمبطلات الصلاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عبادة لها شروط وأركان وواجبات وسنن. ومن رحمة الله بعباده أن بين لهم كيف يصلون، وما الذي يحفظ الصلاة، وما الذي يفسدها. فمعرفة مبطلات الصلاة تعين المسلم على أداء صلاته صحيحة مطمئنة، وتمنعه من التساهل من جهة، ومن الوسوسة والغلو من جهة أخرى.
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238].
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43].
صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي.
رواه البخاري.
الأولأولا: انتقاض الوضوء أثناء الصلاة
إذا انتقض وضوء المصلي أثناء الصلاة، بطلت صلاته؛ لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة.
لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ.
متفق عليه.
فمن خرج منه ريح، أو بول، أو غائط، أو غير ذلك مما ينقض الوضوء، فإنه يقطع الصلاة ويتوضأ ثم يعيد الصلاة. أما مجرد الشك فلا يبطل الصلاة.
الثانيثانيا: ترك شرط من شروط الصلاة مع القدرة
من صلى مع ترك شرط من شروط الصلاة عمدا مع القدرة، لم تصح صلاته. ومن شروط الصلاة: دخول الوقت، والطهارة من الحدث، وطهارة البدن والثوب والمكان، وستر العورة، واستقبال القبلة مع القدرة، والنية.
فمن صلى بغير وضوء وهو يعلم، أو صلى قبل دخول الوقت، أو ترك استقبال القبلة عمدا مع القدرة، فصلاته غير صحيحة. أما من وقع في خطأ بسبب جهل أو نسيان أو عجز، ففيه تفصيل بحسب المسألة.
الثالثثالثا: ترك ركن من أركان الصلاة
أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، ولا تسقط عمدا ولا سهوا، بل لا بد من الإتيان بها. فمن ترك ركنا عمدا بطلت صلاته، مثل ترك الركوع، أو السجود، أو قراءة الفاتحة، أو الطمأنينة.
إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا.
متفق عليه.
الرابعرابعا: ترك واجب من واجبات الصلاة عمدا
واجبات الصلاة دون الأركان في الرتبة، لكنها واجبة لا يجوز تعمد تركها. فمن تعمد ترك واجب من واجبات الصلاة، كالتشهد الأول عند من عده واجبا، أو التسبيح الواجب في الركوع والسجود عند من يقول بوجوبه، بطلت صلاته عند جمع من أهل العلم.
أما من ترك واجبا سهوا، فإنه لا يقطع الصلاة، بل يجبر ذلك بسجود السهو على ما قرره أهل العلم.
الخامسخامسا: الكلام عمدا لغير مصلحة الصلاة
الكلام العمد بكلام الناس في الصلاة يبطلها، إذا كان لغير مصلحة الصلاة.
كنا نتكلم في الصلاة... حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.
متفق عليه.
إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرْآنِ.
رواه مسلم.
أما الكلام ناسيا أو جاهلا، ففيه تفصيل عند أهل العلم.
السادسسادسا: الأكل أو الشرب عمدا
الأكل والشرب عمدا في الصلاة يبطلان الصلاة؛ لأنهما ينافيان هيئة الصلاة وخشوعها، ولأن الصلاة موضع ذكر وقراءة ودعاء لا موضع أكل وشرب.
أما ما كان يسيرا جدا لا يقصد أكله، كبقايا شيء بين الأسنان فابتلعه من غير قصد، فهذا لا يأخذ حكم من أكل وشرب عمدا.
السابعسابعا: الحركة الكثيرة المتوالية لغير حاجة
الحركة اليسيرة للحاجة لا تبطل الصلاة، مثل إصلاح الثوب، أو حمل الطفل عند الحاجة، أو فتح الباب بخطوات يسيرة، أو دفع شيء يؤذي المصلي.
أما الحركة الكثيرة المتوالية لغير حاجة، بحيث يراها الناظر منافية للصلاة، فإنها تبطل الصلاة عند أهل العلم.
{قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2].
الثامنثامنا: الضحك بصوت
الضحك بصوت في الصلاة يبطلها عند أهل العلم؛ لأنه ينافي الخشوع وهيئة الصلاة. أما مجرد التبسم اليسير من غير صوت، فلا يأخذ حكم القهقهة، لكنه خلاف كمال الخشوع.
التاسعتاسعا: تعمد زيادة ركن فعلي في الصلاة
من تعمد زيادة ركن فعلي في الصلاة بلا سبب، مثل أن يركع ركوعا زائدا عمدا، أو يسجد سجدة زائدة عمدا، بطلت صلاته؛ لأنه غير هيئة الصلاة التي شرعها النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الزيادة سهوا، فليست كالعمد، وقد شرع الله سجود السهو جبرا للخلل الواقع سهوا.
العاشرعاشرا: تعمد التسليم قبل إتمام الصلاة
من سلم من الصلاة عمدا قبل إتمام ركعاتها أو أركانها بطلت صلاته؛ لأنه قطع الصلاة قبل تمامها. أما من سلم ناسيا ثم تذكر، فهذا له تفصيل في سجود السهو وإكمال الصلاة إذا كان الفصل يسيرا، كما ثبت في قصة ذي اليدين رضي الله عنه.
الحادي عشرالحادي عشر: قطع النية أو العزم على الخروج من الصلاة
النية شرط في الصلاة، فمن قطع نية الصلاة، أو عزم أثناء الصلاة على الخروج منها، بطلت صلاته؛ لأن الصلاة عبادة لا تصح إلا بنية مستمرة في الجملة. أما الوساوس التي تخطر في القلب بغير اختيار، فلا يلتفت إليها المسلم.
الثاني عشرالثاني عشر: الانحراف عن القبلة بلا عذر
استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة مع القدرة. فمن انحرف بجسده عن القبلة عمدا بلا عذر حتى ترك استقبالها، بطلت صلاته. أما الالتفات اليسير بالوجه لغير حاجة، فهو مكروه وينقص الصلاة، لكنه لا يبطلها بمجرده.
الثالث عشرالثالث عشر: انكشاف العورة زمنا طويلا مع القدرة على سترها
ستر العورة شرط لصحة الصلاة. فإذا انكشفت العورة انكشافا فاحشا زمنا طويلا مع قدرة المصلي على سترها، بطلت الصلاة. أما الانكشاف اليسير أو العارض الذي يبادر المصلي إلى ستره، ففيه تفصيل عند أهل العلم، ولا ينبغي فتح باب الوسوسة.
الرابع عشرالرابع عشر: زوال العقل أو الإغماء أثناء الصلاة
إذا زال عقل المصلي أثناء الصلاة بإغماء أو تخدير أو نوم مستغرق لا يشعر معه بنفسه، فإن الصلاة لا تصح مع زوال الإدراك؛ لأن الصلاة عبادة تحتاج إلى نية وحضور وتمييز. فإذا أفاق توضأ إن احتاج إلى وضوء، ثم صلى.
الخامس عشرالخامس عشر: ترك الطمأنينة
من أخطر ما يقع فيه بعض الناس نقر الصلاة والإسراع الشديد، فلا يطمئن في ركوع ولا سجود ولا قيام ولا جلوس. والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، فلا تصح الصلاة بدونها.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل المسيء في صلاته أن يعيد الصلاة لأنه لم يطمئن فيها، كما تقدم في الحديث.
سؤالهل تبطل الصلاة إذا تحركت قليلا؟
لا تبطل الصلاة بالحركة اليسيرة، خاصة إذا كانت لحاجة. أما الحركة الكثيرة المتوالية لغير حاجة، بحيث تخرج الصلاة عن هيئتها، فهي من مبطلات الصلاة.
سؤالهل تبطل الصلاة إذا ضحكت؟
الضحك بصوت يبطل الصلاة. أما التبسم من غير صوت فلا يبطلها، لكنه خلاف كمال الخشوع.
سؤالهل تبطل الصلاة إذا تكلمت ناسيا؟
الكلام العمد لغير مصلحة الصلاة يبطلها. أما الكلام ناسيا أو جاهلا، ففيه تفصيل عند أهل العلم، وقد يعذر صاحبه في بعض الأحوال، فيسأل عن حاله.
سؤالهل تبطل الصلاة بترك التشهد الأول؟
من ترك التشهد الأول سهوا فإنه لا يقطع الصلاة، بل يجبره بسجود السهو. أما تعمد ترك واجب من واجبات الصلاة مع العلم والقدرة، فهذا يبطل الصلاة عند جمع من أهل العلم.
سؤالماذا لو سلمت قبل إتمام الصلاة ناسيا؟
من سلم ناسيا قبل إتمام الصلاة ثم تذكر قريبا، فإنه يرجع فيكمل صلاته ويسجد للسهو على ما جاءت به السنة. أما إن تعمد التسليم قبل إتمام الصلاة فقد قطع الصلاة وأبطلها.
سؤالهل تبطل الصلاة إذا سرح ذهني؟
شرود الذهن لا يبطل الصلاة، لكنه ينقص الخشوع والأجر. والمشروع أن يجاهد المسلم نفسه، ويتدبر ما يقول، ويستعيذ بالله من الشيطان إذا غلبت عليه الوسوسة.
سؤالهل تبطل الصلاة إذا انكشف شيء من العورة؟
إذا كان الانكشاف يسيرا أو عارضا وبادر المصلي إلى ستره، فلا تبطل الصلاة في الجملة. أما الانكشاف الفاحش زمنا طويلا مع القدرة على ستره، فهو من مبطلات الصلاة.
سؤالهل تبطل الصلاة إذا شككت أن وضوئي انتقض؟
لا تبطل الصلاة بمجرد الشك. من دخل الصلاة بطهارة فلا يخرج منها بسبب الشك حتى يتيقن الحدث. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" متفق عليه.
سؤالما الفرق بين مبطلات الصلاة ومكروهات الصلاة؟
المبطلات تفسد الصلاة وتوجب إعادتها، مثل انتقاض الوضوء أو الكلام العمد أو ترك ركن. أما المكروهات فهي تنقص كمال الصلاة ولا تبطلها بمجردها، مثل العبث اليسير أو الالتفات اليسير لغير حاجة.