سنن وآداب

سنن العيد وآدابه في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

العيد في الإسلام شعيرة عظيمة، ومظهر من مظاهر الفرح المشروع بطاعة الله، وليس مجرد عادة اجتماعية أو موسم لهو. فالمسلم يفرح بالعيد شكرا لله، ويظهر فيه التكبير، والصلاة، وصلة الرحم، والإحسان إلى الناس، مع حفظ حدود الشرع وآدابه.

أولا: إظهار الفرح المشروع بالعيد

قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].

قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان لأهلها يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: "إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر". رواه أبو داود (1134) والنسائي (1556)، وهو حديث صحيح.

فالعيدان من شعائر الإسلام، ويشرع فيهما الفرح المباح، والتوسعة على الأهل، وإدخال السرور على الأطفال، وصلة الأقارب.

ثانيا: الاغتسال والتجمل للعيد

يستحب للمسلم أن يغتسل للعيد، ويلبس أحسن ما يجد من اللباس المباح، ويتطيب الرجل إذا خرج إلى الصلاة.

وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى. رواه مالك في الموطأ عن نافع. وهذا أثر عن الصحابي، وليس حديثا مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غسل العيد.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يلبس أحسن ثيابه في العيد، كما نقل البيهقي. ولا يلزم شراء ثياب جديدة؛ فالمقصود النظافة وحسن الهيئة، لا التكلف أو المباهاة أو الإسراف.

أما المرأة إذا خرجت لصلاة العيد، فتخرج محتشمة غير متطيبة ولا متبرجة.

ثالثا: التكبير في العيد

التكبير من أعظم شعائر العيد؛ ففيه تعظيم لله وشكر له على هدايته، كما في الآية السابقة التي أمر الله فيها بإكمال عدة رمضان وتكبيره.

في عيد الفطر: يبدأ التكبير من غروب شمس آخر يوم من رمضان بعد ثبوت دخول شوال، ويقال في البيوت وفي الطريق إلى الصلاة وفي المصلى. ومن أهل العلم من جعل نهايته عند خروج الإمام للصلاة، واختار الشيخ ابن باز امتداده إلى الفراغ من خطبة العيد. فلا يخلط بين هذا التكبير وبين التكبيرات الزائدة داخل الصلاة، ولا يشتغل به عن متابعة الإمام فيها، ولا يرفع صوته حتى يغطي كلام الخطيب أو يشوش على المصلين.

في عيد الأضحى: يشرع التكبير المطلق، أي غير المرتبط بصلاة معينة، من دخول شهر ذي الحجة إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر. ويضاف إليه التكبير المقيد بعد الصلوات المفروضة، لغير الحاج، من فجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الثالث عشر، على القول الذي اختاره الشيخ ابن باز. فليس التكبير خاصا بصباح العيد، ولا ينتهي بانتهاء يوم النحر.

ومن صيغ التكبير التي ذكرها أهل العلم:

"الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".

وليست هذه الصيغة حديثا مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم الاقتصار عليها. وقد ذكر ابن باز جواز قول الله أكبر مرتين أو ثلاثا في أول التكبير. ويكبر كل مسلم بنفسه؛ فقد أنكر ابن باز ترتيب التكبير الجماعي بصوت واحد. أما اجتماع الناس في مكان واحد مع تكبير كل منهم بنفسه، فليس هو التكبير الجماعي المنظم.

رابعا: الأكل قبل صلاة عيد الفطر

من السنة في عيد الفطر أن يأكل المسلم تمرات قبل الخروج إلى الصلاة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات"، وفي رواية: "ويأكلهن وترا". رواه البخاري (953).

فيأكل عددا فرديا، كواحدة أو ثلاث أو خمس، وليس العدد ثلاثا شرطا. فإن لم يجد تمرا، أكل شيئا من الطعام المباح. وهذه سنة، وليست شرطا لصحة الصلاة؛ وفيها إظهار للفطر بعد انتهاء رمضان.

خامسا: تأخير الأكل في عيد الأضحى حتى يأكل من أضحيته إن ضحى

عن بريدة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي". رواه الترمذي (542) وابن ماجه (1756) وأحمد، وهو حديث حسن.

فيستحب لمن يضحي أن يؤخر الأكل حتى يصلي ويذبح ويأكل من أضحيته، إن تيسر ذلك. وهذا استحباب، وليس صياما؛ فصيام يوم العيد محرم. ومن لا يضحي لا يطالب بهذا التأخير لأجل الأضحية، ومن احتاج إلى الأكل قبل الصلاة، أو تأخر وصول اللحم إليه، فلا حرج عليه أن يأكل.

ولا يذبح أضحيته قبل الصلاة ليبكر بالأكل منها؛ ولتفصيل وقت الذبح وشروطه، اقرأ الأضحية في الإسلام: فضلها وأحكامها المختصرة.

سادسا: الخروج إلى مصلى العيد

كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي العيد في المصلى خارج المسجد، كما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه في البخاري (956) ومسلم (889).

والخروج إلى المصلى إذا تيسر يظهر اجتماع المسلمين على هذه الشعيرة. وتصح صلاة العيد في المسجد أيضا، ولو لم يكن هناك مطر أو ضرورة؛ وقد تدعو الحاجة إلى الصلاة فيه لضيق المكان أو ظروف الطقس.

ولمعرفة وقت الصلاة وصفتها والتكبيرات والخطبة، اقرأ صلاة العيد: صفتها وأحكامها.

سابعا: خروج النساء إلى صلاة العيد بضوابط الشرع

قالت أم عطية رضي الله عنها: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الفِطْرِ وَالأَضْحَى: العَوَاتِقَ، وَالحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ، فَأَمَّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُسْلِمِينَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا". رواه مسلم (890)، والحديث متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.

فتشهد النساء الخير ودعوة المسلمين، مع الحجاب والستر، ومن غير تطيب ولا تبرج ولا مخالطة محرمة. والحائض لا تصلي، وتبتعد عن موضع الصلاة؛ وليس هذا الحديث ترخيصا لها بالمكث داخل المسجد إذا أقيمت الصلاة فيه.

ثامنا: مخالفة الطريق

من السنة أن يذهب المسلم إلى صلاة العيد من طريق ويرجع من طريق آخر.

عن جابر رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق". رواه البخاري (986).

فمن تيسر له طريق آخر رجع منه، ومن لم يتيسر له، أو احتاج إلى طريق معين لمرض أو ازدحام أو وسيلة نقل، فلا حرج. ولا يحتاج العمل بهذه السنة إلى الجزم بحكمة لم يذكرها الحديث.

تاسعا: التهنئة بالعيد

التهنئة بالعيد جائزة، ونقل جبير بن نفير عن الصحابة أنهم كانوا يهنئ بعضهم بعضا في العيد، وحسن ابن حجر إسناد هذا الأثر. وهي تهنئة منقولة عن الصحابة، وليست حديثا مرفوعا يلزم به الناس.

فيجوز أن تقول: "تقبل الله منا ومنكم"، أو: عيد مبارك، أو تدعو بدعاء حسن يناسب المقام. وقد بين ابن باز أن التهنئة ليس لها صيغة معينة تلزم في الفطر أو الأضحى؛ فلا ينكر على من هنأ بعبارة مباحة، ولا تجعل التهنئة واجبا أو اختبارا لمحبة الناس.

عاشرا: صلة الرحم والإحسان إلى الناس

من آداب العيد بر الوالدين، وزيارة الأقارب أو الاتصال بهم بما يتيسر، وإدخال السرور على الأهل والأبناء، والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين. وفي عيد الأضحى يشرع الأكل من الأضحية والإهداء والصدقة منها.

والعيد فرصة للإصلاح والعفو، لا لتجديد الخصومات أو إحراج الناس بتكاليف لا يقدرون عليها. وصلة الرحم لا تختص بالعيد؛ ولتفصيلها اقرأ صلة الرحم في الإسلام.

الحادي عشر: إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد

زكاة الفطر واجبة على من لزمته، وليست مجرد أدب مستحب من آداب العيد. وهي طهرة للصائم وطعمة للمساكين.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". رواه البخاري (1503) ومسلم (986).

وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات". رواه أبو داود (1609) وابن ماجه (1827)، وهو حديث حسن.

فتؤدى قبل صلاة العيد، ولا يجوز تعمد تأخيرها عنها بلا عذر، على القول الراجح الذي يدل عليه الحديث. ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين. ومن وكل جهة موثوقة لإخراجها، فليتأكد من وصولها إلى مستحقيها في وقتها؛ فمجرد دفع المال إلى الوكيل لا يعني أنها وصلت إلى الفقير.

ومن فاته وقتها، فلا يترك إخراجها؛ بل يؤديها إلى مستحقيها قضاء، ويتوب إلى الله إن أخرها بلا عذر. فالتأخير لا يسقط عنه الواجب.

أخطاء شائعة في العيد

من الأخطاء ما هو محرم، ومنها ما يفوت به العمل بالسنة؛ فلا تسوى أحكامها. ومن ذلك:

  • الانشغال بالمظاهر ونسيان التكبير وهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

  • الإسراف في اللباس والطعام، أو إحراج الأهل بطلب ما لا يقدرون عليه.

  • تبرج المرأة أو تطيبها عند الخروج إلى الصلاة.

  • تعمد تأخير زكاة الفطر عن وقتها بلا عذر.

  • صيام يوم العيد، أو ظن أن تأخير الأكل في الأضحى نوع من الصيام المشروع.

  • جعل الفرح سببا للمعاصي أو قطيعة الرحم، والتشدد في عبارات التهنئة المباحة.

أسئلة شائعة

هل صيام يوم العيد جائز؟

لا يجوز صيام يوم عيد الفطر ولا يوم عيد الأضحى، ولو وافق عادة صيام أو أراد المسلم فيه قضاء يوم من رمضان؛ فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامهما. رواه البخاري (1990) ومسلم (1137).

هل التهنئة بالعيد سنة ثابتة؟

نقلت التهنئة عن الصحابة، ولم تثبت صيغة واحدة عن النبي صلى الله عليه وسلم يلزم الناس التزامها. ويجوز قول: "تقبل الله منا ومنكم"، أو غيره من عبارات التهنئة والدعاء المباحة.

هل يجب الاغتسال للعيد؟

ليس واجبا عند جمهور أهل العلم، لكنه مستحب وثابت عن بعض الصحابة، وهو من كمال التجمل لهذه الشعيرة.

هل يجوز للنساء حضور صلاة العيد؟

نعم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجهن مع الستر وترك التبرج والطيب. والحائض تشهد الخير من غير صلاة، وتعتزل موضع الصلاة؛ وليس الحديث إذنا بالمكث داخل المسجد.

هل زكاة الفطر من آداب عيد الفطر؟

هي مما يتعلق بعيد الفطر، لكن حكمها الوجوب على من لزمته، لا مجرد الاستحباب. تؤدى قبل الصلاة، ويجوز تقديمها بيوم أو يومين، مع وصولها إلى المستحق في الوقت الشرعي.

ماذا أفعل إذا لم أجد تمرا قبل صلاة عيد الفطر؟

كل شيئا من الطعام المباح؛ فالتمر هو الأفضل اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا تتوقف صحة الصلاة على أكله. وإذا أكلت تمرا، فالسنة أن يكون عدده فرديا، وليس ثلاثا بالضرورة.

هل أؤخر الأكل في عيد الأضحى إذا كنت لا أضحي؟

لا تطالب بهذا التأخير لأجل الأضحية إذا كنت لا تضحي. وحتى من يضحي، فتأخير أكله مستحب لا واجب؛ فإن احتاج إلى الطعام أو تأخر اللحم، أكل ولا حرج.

هل يجب شراء ثياب جديدة للعيد؟

لا. يكفي أن يلبس المسلم أحسن ما عنده من اللباس المباح النظيف، من غير إسراف أو تكلف. وليست جدة الثياب شرطا لصحة صلاة العيد.

ماذا أفعل إذا لم يتيسر لي الرجوع من طريق آخر؟

مخالفة الطريق مستحبة وليست واجبة. إن لم يتيسر طريق آخر، فارجع من الطريق نفسه، ولا تعرض نفسك أو غيرك للخطر طلبا لطريق مختلف.

هل يكبر الناس بصوت واحد؟

يكبر كل مسلم بنفسه. وقد أنكر ابن باز ترتيب التكبير بصوت واحد؛ وهذا غير أن يجتمع الناس في المصلى ويكبر كل منهم دون تنظيم ترديد موحد.

ماذا أفعل إذا تأخرت في إخراج زكاة الفطر؟

أخرجها إلى مستحقيها قضاء، ولا تتركها بحجة فوات وقتها. وإن كان التأخير بلا عذر، فتب إلى الله من التفريط. ولا يبطل صوم رمضان بمجرد تأخيرها؛ فصحة الصوم شيء، ووجوب أداء زكاة الفطر شيء آخر.

مقالات ذات صلة

خاتمة

يفرح المسلم بالعيد وهو يذكر الله ويحفظ حقوق أهله والناس. ومن أحسن الاستعداد له عرف ما يجب عليه، وعمل بما تيسر من سننه، من غير تكلف ولا تحويل المستحب إلى واجب.