دم السقط والنفاسدم السقط: متى يكون نفاسا ومتى يكون استحاضة؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قد ينزل الدم على المرأة بعد سقوط الحمل، فتحتار: هل هذا الدم نفاس تترك معه الصلاة والصيام، أم هو استحاضة تصلي وتصوم معها؟ والجواب لا يتعلق بكمية الدم أو شدته وحدهما، ولا بمجرد تسمية ما حدث إجهاضا، وإنما يتعلق أساسا بحال السقط: هل تبين فيه خلق إنسان أم لم يتبين؟
وهذه المسألة تجمع بين معرفة واقعة طبية وحكم شرعي؛ فالطبيبة تبين عمر الحمل وحال الجنين وما ظهر في الفحص أو الأشعة، والعالم يبين الحكم بعد معرفة هذه التفاصيل. لذلك لا ينبغي بناء الحكم على التخمين أو عدد الأسابيع وحده عند الاشتباه.
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5].
الجواب المختصر
قسمالجواب المختصر
- إذا أسقطت المرأة جنينا تبين فيه خلق إنسان، كظهور رأس أو يد أو رجل أو غير ذلك من معالم الإنسان، فالدم الخارج بسببه دم نفاس.
- إذا كان السقط مجرد دم، أو جلطة، أو كيس فارغ، أو قطعة لحم لم يظهر فيها خلق إنسان، فالدم ليس نفاسا. ويكون دم فساد له حكم الاستحاضة إذا لم تتوافر فيه أحكام الحيض.
- قد يكون الدم حيضا لا استحاضة إذا وافق عادة المرأة المعروفة وأمكن اعتباره حيضا؛ ولذلك لا يصح وصف كل دم بعد السقط غير المتخلق بأنه استحاضة من غير نظر في العادة وصفة الدم.
- قبل ثمانين يوما من ابتداء الحمل الحقيقي لا يحكم للدم بالنفاس على ترجيح الشيخ ابن عثيمين ومن وافقه، وهو المعتمد هنا. وبعد الثمانين قد يبدأ ظهور التخطيط، والغالب ظهوره قرب التسعين، لكن العبرة بظهور الخلق لا بالعدد وحده.
- إذا اشتبهت الحال، فيرجع إلى تقرير الطبيبة الموثوقة عما ظهر في الجنين، ثم تسأل المرأة عالما موثوقا، ولا تترك الصلاة بمجرد الشك.
ما المقصود بالسقط والنفاس والاستحاضة؟
قسمما المقصود بالسقط والنفاس والاستحاضة؟
السقط هو الحمل الذي يخرج من الرحم قبل تمامه، سواء خرج تلقائيا أو بتدخل طبي مشروع.
النفاس هو الدم الخارج بسبب ولادة آدمي أو سقوط جنين تبين فيه خلق إنسان. وحكم النفساء في الصلاة والصيام والجماع كحكم الحائض في الجملة.
الاستحاضة دم علة وفساد، لا يمنع الصلاة والصيام. والمراد في هذا المقال بقولنا: "له حكم الاستحاضة" أن المرأة تعامل معاملة الطاهرات في العبادة، مع تنظيف موضع الدم والتحفظ منه والعمل بأحكام الحدث المستمر عند استمرار النزيف.
أما الحيض فهو دم الجبلة المعروف للمرأة. وقد يتفق نزوله مع السقط غير المتخلق؛ فلا بد من النظر في وقت الدم وعادة المرأة وصفاته، لا في سبب النزيف وحده.
ما الضابط الذي يجعل دم السقط نفاسا؟
قسمما الضابط الذي يجعل دم السقط نفاسا؟
الضابط هو أن يسقط ما تبين فيه شيء من خلق الإنسان، مثل الرأس أو اليد أو الرجل أو الأصابع أو تخطيط البدن الذي يعرف به أنه جنين آدمي.
فإذا ظهرت هذه المعالم، فالدم المتصل بخروج السقط دم نفاس، ولو وقع السقط قبل تمام أربعة أشهر. ولا يشترط لنفاس المرأة أن يكون الجنين قد نفخت فيه الروح؛ لأن النفاس يتعلق بظهور خلق الإنسان، أما نفخ الروح فتتعلق به أحكام أخرى.
أما مجرد وجود كيس الحمل، أو جلطة دموية، أو نسيج، أو قطعة لحم لا تظهر فيها معالم إنسان، فلا يكفي وحده للحكم بالنفاس.
ما الدليل على اعتبار تخلق الجنين؟
قسمما الدليل على اعتبار تخلق الجنين؟
دل القرآن على أن المضغة قد تكون مخلقة أو غير مخلقة، كما في قول الله تعالى: {ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج: 5]. وبنى الفقهاء حكم نفاس السقط على ظهور خلق الإنسان فيه.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق:
"إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا".
متفق عليه.
وجاء عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَجَلُهُ؟ فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، رِزْقُهُ؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ المَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ".
رواه مسلم.
وقد اختلف أهل العلم في الجمع بين حديث ابن مسعود وحديث حذيفة رضي الله عنهما: فمنهم من حمل مراحل حديث ابن مسعود على مدد متعاقبة، ومنهم من فهم أن بدء التصوير يقع بعد الأربعين الأولى، وذكر آخرون أوجها أخرى للجمع. ولذلك لا يصح ادعاء اتفاقهم على تفسير زمني واحد.
أما في حكم دم السقط، فقد اعتمد الشيخ ابن عثيمين ومن وافقه أن أقل زمن يتبين فيه التخطيط الذي يبنى عليه النفاس هو بعد ثمانين يوما، وغالب ظهوره قرب التسعين. ويبقى الضابط العملي في الفتوى تبين خلق الإنسان في السقط؛ فالعدد قرينة تعين على معرفة الحال، وليس بديلا عن وصف السقط وتقرير أهل الخبرة. وإذا أثبت تقرير طبي موثوق ظهور معالم بشرية واضحة في مدة أبكر، فهذه صورة تحتاج إلى عرض خاص على عالم موثوق، ولا يحكم عليها آليا من مقال عام.
هل المسألة محل اتفاق بين الفقهاء؟
قسمهل المسألة محل اتفاق بين الفقهاء؟
أصل ثبوت النفاس إذا ظهر في السقط خلق إنسان واضح لا إشكال فيه، لكن الفقهاء اختلفوا في بعض الصور التي لا يظهر فيها التخطيط كاملا. فالحنفية والحنابلة في المعتمد يربطون النفاس بتبين شيء من خلق الإنسان، بينما وسع بعض فقهاء المالكية والشافعية الحكم في بعض صور المضغة التي يشهد أهل الخبرة بأنها مبدأ خلق آدمي.
والمعتمد في هذا المقال هو ضابط ظهور خلق الإنسان، وهو الذي نص عليه الإمام أحمد، وأفتى به الشيخان ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله. ومن أخذت بفتوى معتبرة من عالم موثوق بعد اطلاعه على تفاصيل حالها عملت بها، ولا تنقل الأحكام من حالة إلى أخرى من غير معرفة الفروق.
هل يعتمد الحكم على عمر الحمل بالأسابيع؟
قسمهل يعتمد الحكم على عمر الحمل بالأسابيع؟
العمر يفيد في الترجيح، لكنه ليس الضابط الوحيد. والمقصود بالأيام الآتية المدة من ابتداء الحمل الحقيقي، لا عدد الأسابيع الطبية المحسوبة من أول يوم في آخر دورة. والتفصيل العملي هو:
- أقل من ثمانين يوما من ابتداء الحمل: لا يحكم للدم بالنفاس على ترجيح الشيخ ابن عثيمين ومن وافقه، وهو المعتمد هنا.
- من اليوم الحادي والثمانين إلى نحو التسعين: يمكن أن يبدأ ظهور الخلق؛ فلا بد من التحقق من السقط أو من تقرير الطبيبة.
- بعد نحو التسعين يوما: يغلب أن تكون معالم الخلق قد ظهرت، لكن يبقى الحكم متعلقا بثبوت التخلق، خاصة إذا كان كيس الحمل فارغا أو توقف نمو الجنين مبكرا.
- بعد أربعة أشهر: يكون التخلق قد ظهر في الأصل، وتدخل أحكام أخرى متعلقة بنفخ الروح، لكن بلوغ أربعة أشهر ليس شرطا لثبوت النفاس.
ومن المهم أن الأطباء غالبا يحسبون عمر الحمل الطبي من أول يوم في آخر دورة شهرية، وهو يسبق وقت الإخصاب عادة بنحو أسبوعين. أما عبارات بعض الفقهاء عن أيام الحمل فقد يراد بها المدة من ابتداء تكون الحمل. لذلك لا تحوّل المرأة الأسابيع الطبية إلى حكم شرعي بنفسها عند قرب المدة الفاصلة، بل تسأل عن طريقة الحساب وحال الجنين.
ماذا لو توقف نمو الجنين وبقي في الرحم مدة؟
قسمماذا لو توقف نمو الجنين وبقي في الرحم مدة؟
قد يتوقف نمو الجنين في عمر مبكر، ثم لا يخرج إلا بعد أيام أو أسابيع. وفي هذه الحالة لا يجعل مجرد تأخر خروجه عمره أكبر من مرحلة نموه الفعلية، بل ينظر إلى العمر الذي توقف عنده النمو وما ظهر من خلقه في الأشعة أو الفحص.
فإذا قررت الطبيبة أن النمو توقف قبل ظهور معالم الإنسان، ثم أزيل الحمل بعد مدة، فلا يصير الدم نفاسا لمجرد أن يوم الإزالة كان متأخرا. أما إذا كان الجنين قد تخلق وظهرت معالمه قبل موته، فالدم الخارج بسبب سقوطه أو إزالته دم نفاس على القول المعتمد.
كيف تعرف المرأة أن السقط قد تخلق؟
قسمكيف تعرف المرأة أن السقط قد تخلق؟
يمكن معرفة ذلك بأحد الأمور الآتية:
- رؤية معالم إنسان ظاهرة في السقط، كرأس أو يد أو رجل.
- إخبار طبيبة موثوقة بأن الجنين المتكون كانت له معالم بشرية ظاهرة.
- تقرير الأشعة أو الفحص الطبي الذي يبين مرحلة نمو الجنين، ثم يعرض التقرير على عالم عند بقاء الاشتباه.
ولا يلزم المرأة أن تفحص السقط بنفسها أو تتعامل معه بما يؤذيها نفسيا. فإذا خرج متفتتا، أو أزيل بعملية، أو لم تره المرأة، اعتمدت على تقرير الفريق الطبي بقدر ما يوضحه.
ماذا تفعل إذا كان السقط متخلقا؟
قسمماذا تفعل إذا كان السقط متخلقا؟
إذا ثبت أن السقط قد تبين فيه خلق إنسان، فالدم الخارج بسببه نفاس، وتفعل المرأة الآتي:
- تترك الصلاة مدة وجود دم النفاس.
- تفطر إن كان ذلك في رمضان، ثم تقضي الصيام بعد طهرها.
- لا تقضي الصلوات التي تركتها زمن النفاس.
- لا يجوز لزوجها جماعها حتى ينقطع الدم وتغتسل.
- إذا طهرت قبل الأربعين، اغتسلت وصلت وصامت، ولا تنتظر إكمال أربعين يوما.
- إذا استمر الدم إلى أربعين يوما، فالأربعون أكثر النفاس على القول الذي عليه أكثر أهل العلم والمعتمد في هذا المقال.
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت:
"كَانَتِ النُّفَسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَكُنَّا نَطْلِي عَلَى وُجُوهِنَا الوَرْسَ مِنَ الكَلَفِ".
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، وحسنه جماعة من أهل الحديث.
وذهب بعض الفقهاء، ومنهم المالكية والشافعية، إلى أن أكثر النفاس ستون يوما. فمن كانت تتبع مذهبا معتبرا، أو أفتاها عالم موثوق بعد معرفة حالها، عملت بفتواه. أما هذا المقال فيعتمد قول الأربعين الذي عليه أكثر أهل العلم.
ماذا تفعل إذا لم يكن السقط متخلقا؟
قسمماذا تفعل إذا لم يكن السقط متخلقا؟
إذا كان السقط غير متخلق، فالدم الخارج بسببه ليس نفاسا. ثم ينظر في الدم:
- إذا وافق عادة المرأة المعروفة، وأمكن أن يكون حيضا بوقته وصفته، فقد يكون حيضا، فتعمل بأحكام الحيض.
- إذا لم يكن حيضا، فهو دم فساد له حكم الاستحاضة؛ فتصلي المرأة وتصوم، ولا يمنعها الدم من العبادة.
- تغسل موضع الدم وما أصاب الثوب بحسب القدرة، وتستعمل فوطة أو نحوها لمنع انتشاره.
- إذا كان النزيف مستمرا، تتوضأ بعد دخول وقت كل صلاة على قول جمهور أهل العلم، ثم تصلي الفرض وما شاءت من النوافل في الوقت، ولا يضرها ما يخرج بسبب العذر المستمر.
- لا يجب عليها غسل النفاس لمجرد سقوط حمل غير متخلق، لكن يجب الغسل إذا كان الدم حيضا ثم طهرت، أو وجد سبب آخر موجب للغسل.
ولا يجوز للمرأة أن تترك الصلاة أياما لمجرد أن النزيف شديد أو مؤلم؛ فشدة الدم لا تجعله نفاسا ما دام السقط غير متخلق، لكنها قد تستوجب علاجا طبيا عاجلا.
هل كل دم بعد السقط غير المتخلق استحاضة؟
قسمهل كل دم بعد السقط غير المتخلق استحاضة؟
ليس بالضرورة. الأدق أن يقال: ليس نفاسا. ثم قد يكون حيضا إذا وافق عادة المرأة وأمكن اعتباره حيضا، وقد يكون دم فساد واستحاضة إذا لم تتوافر فيه أحكام الحيض.
ولهذا تحتاج المرأة التي وقع سقطها في موعد دورتها، أو اضطرب عليها الدم زمنا طويلا، إلى بيان عادتها السابقة، وتاريخ بداية الدم، ومدة الطهر قبله، وصفة الدم؛ ثم تسأل عالما موثوقا.
ويمكن الرجوع إلى مقال الفرق بين الحيض والاستحاضة لمعرفة الضوابط العامة.
ماذا لو لم تعرف المرأة هل تخلق السقط؟
قسمماذا لو لم تعرف المرأة هل تخلق السقط؟
إذا لم تر السقط، أو خرج متفتتا، أو لم يوضح التقرير حاله، فلا تترك الصلاة بمجرد الاحتمال؛ لأن الأصل وجوب الصلاة وبقاء أحكام الطهارة حتى يثبت المانع.
وتجمع ما تستطيع من المعلومات:
- عمر الحمل وطريقة حسابه.
- تاريخ توقف نمو الجنين، لا تاريخ خروجه فقط.
- وصف الأشعة: هل ظهر جنين؟ وهل كانت له معالم بشرية؟
- هل كان كيس الحمل فارغا؟
- متى بدأ الدم، وكم استمر، وهل وافق العادة؟
ثم تعرض هذه المعلومات على عالم موثوق. وإذا قرر الأطباء أن الجنين كان متخلقا ثم أزيل بعملية، ثبت حكم النفاس ولو لم تره المرأة.
هل يختلف الحكم بين السقط الطبيعي والدوائي والجراحي؟
قسمهل يختلف الحكم بين السقط الطبيعي والدوائي والجراحي؟
لا يتغير أصل الحكم بطريقة خروج الحمل. سواء وقع السقط تلقائيا، أو خرج باستعمال دواء وصفه الطبيب، أو أزيل بعملية تنظيف الرحم، فالعبرة بتخلق الجنين وعلاقة الدم بخروجه.
أما مشروعية التسبب في إسقاط الحمل ابتداء فمسألة أخرى خطيرة، تختلف باختلاف عمر الحمل والسبب والضرورة، ولا يقررها مقال عام، بل تحتاج إلى سؤال أهل العلم والأطباء قبل الإقدام عليها متى أمكن.
متى يبدأ حكم النفاس بعد السقط؟
قسممتى يبدأ حكم النفاس بعد السقط؟
يثبت النفاس يقينا بخروج السقط المتخلق وما يتصل به من الدم. أما الدم الذي يسبق خروجه، ففيه تفصيل عند الفقهاء. وعلى القول الحنبلي المعتمد في هذا المقال: إذا خرج قبل السقط بيومين أو ثلاثة مع أمارة واضحة، كألم الوضع وقرب خروجه، فله حكم النفاس، لكن هذه الأيام لا تحسب من مدة الأربعين. وما كان أبعد من ذلك، أو خلا من أمارات الإسقاط، فلا يحكم عليه بالنفاس لمجرد أنه سبق السقط.
فمن بدأ نزيفها قبل خروج الجنين بساعات أو أيام، فعليها أن تذكر زمن الدم وأمارات الإسقاط عند سؤال العالم، ولا تجعل جميع الدم السابق نفاسا من غير تفصيل.
ماذا لو انقطع دم النفاس ثم عاد؟
قسمماذا لو انقطع دم النفاس ثم عاد؟
إذا كان السقط متخلقا ورأت المرأة الطهر قبل الأربعين، اغتسلت وصلت وصامت، وما أدته زمن الطهر صحيح.
فإذا عاد دم صريح في مدة الأربعين، فالصحيح عند جماعة من أهل العلم أنه يعود إلى حكم النفاس. أما الصفرة أو الكدرة المنفصلة بعد طهر متحقق فلا تجعلها نفاسا بمجردها في الأصل.
وإذا تجاوز الدم أربعين يوما، اغتسلت وصلت على القول المعتمد هنا، وكان الزائد استحاضة، إلا إذا وافق زمن عادتها وصفة حيضها فيكون حيضا.
وللتفصيل يمكن الرجوع إلى مقال أحكام النفاس باختصار.
هل يلزم قضاء الصلاة إذا ظنت الدم نفاسا ثم تبين أنه ليس كذلك؟
قسمهل يلزم قضاء الصلاة إذا ظنت الدم نفاسا ثم تبين أنه ليس كذلك؟
إذا ثبت أن السقط لم يتخلق وأن الدم لم يكن حيضا، فقد تركت الصلاة في زمن كانت الصلاة واجبة عليها. والأصل أن تقضي ما تركته من الصلوات.
لكن إن طال الزمن، أو لم تعرف عدد الأيام، أو بقي احتمال كون بعض الدم حيضا، أو كانت قد عملت بفتوى سابقة، فلا تحكم على نفسها من مقال عام، بل تسأل عالما موثوقا وتذكر له التفاصيل؛ لأن القضاء يتأثر بثبوت الحكم والعلم به والخلاف في عذر الجاهل.
متى تغتسل المرأة بعد السقط؟
قسممتى تغتسل المرأة بعد السقط؟
- إذا كان الدم نفاسا، اغتسلت عند تحقق الطهر أو عند تمام الأربعين على القول المعتمد.
- إذا كان الدم حيضا، اغتسلت عند انتهاء الحيض وتحقق الطهر.
- إذا كان الدم استحاضة، فلا يجب غسل خاص بسبب الاستحاضة، وإنما تنظف موضع الدم وتتوضأ للصلاة على التفصيل السابق.
- إذا أجريت لها عملية، فلا تجعل العملية وحدها موجبة لغسل النفاس؛ وإنما تنظر في نوع الدم وحال السقط.
ويمكن الرجوع إلى مقال صفة غسل المرأة من الحيض والنفاس.
متى يجب طلب الرعاية الطبية العاجلة؟
قسممتى يجب طلب الرعاية الطبية العاجلة؟
نزيف الحمل والسقط مسألة طبية أيضا، ولا يجوز تأخير العلاج بسبب انتظار معرفة الحكم الشرعي. تتواصل المرأة مع الطبيبة عند النزيف أثناء الحمل، وتطلب رعاية عاجلة إذا ظهر واحد من الأمور الآتية:
- نزيف شديد يملأ فوطة صحية كبيرة سريعا، أو يستمر بغزارة.
- ألم شديد في البطن أو الحوض، أو ألم في طرف الكتف.
- دوخة شديدة، أو إغماء، أو ضعف واضح.
- حمى أو قشعريرة أو إفراز ذو رائحة كريهة.
- استمرار الألم أو النزيف بصورة غير متوقعة، أو الاشتباه ببقاء أنسجة داخل الرحم.
وقد تحتاج المرأة إلى فحص بالأشعة أو متابعة هرمون الحمل للتأكد من اكتمال السقط وعدم وجود حمل خارج الرحم أو نزيف أو عدوى. والحكم الشرعي لا يغني عن هذه المتابعة.
الرفق بالمرأة بعد السقط
قسمالرفق بالمرأة بعد السقط
فقد الحمل مؤلم جسديا ونفسيا، وليس وقوع السقط دليلا بذاته على تقصير المرأة أو عقوبة لها. وعلى الزوج والأسرة مواساتها، وإعانتها على العلاج والراحة، والبعد عن اللوم والأسئلة المؤذية.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزْنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ".
متفق عليه.
أخطاء شائعة
قسمأخطاء شائعة
- اعتبار كل دم بعد الإجهاض نفاسا.
- اعتبار كل دم بعد السقط غير المتخلق استحاضة، مع أنه قد يوافق الحيض.
- الاعتماد على شدة النزيف أو لونه وحدهما للحكم بالنفاس.
- الاعتماد على عدد الأسابيع من غير معرفة طريقة حساب عمر الحمل أو حال الجنين.
- اشتراط بلوغ الحمل أربعة أشهر للحكم بالنفاس.
- ترك الصلاة عند الشك في تخلق السقط من غير سؤال أو تحقق.
- انتظار أربعين يوما كاملة مع تحقق الطهر قبلها.
- تجاهل النزيف الشديد أو الألم أو الحمى بحجة أنها أعراض طبيعية للسقط.
- إلزام المرأة بفحص السقط بنفسها مع إمكان الرجوع إلى تقرير الطبيبة.
أسئلة شائعة
سؤالأسقطت في الشهر الثاني، فهل الدم نفاس؟
إذا كان السقط قبل ثمانين يوما من ابتداء الحمل ولم يظهر فيه خلق إنسان، فالدم ليس نفاسا. فإن لم يكن حيضا، فله حكم الاستحاضة، فتصلي المرأة وتصوم وتتحفظ من الدم.
سؤالأسقطت في الشهر الثالث، فهل أترك الصلاة؟
لا يكفي قول "الشهر الثالث" وحده؛ لأن التخلق قد يبدأ بعد الثمانين ويغلب ظهوره قرب التسعين. ينظر في عمر الجنين الحقيقي وتقرير الطبيبة: فإن ظهرت معالم إنسان فهو نفاس، وإلا فليس نفاسا.
سؤالهل كيس الحمل الفارغ يوجب النفاس؟
لا. إذا كان الكيس فارغا ولم يوجد جنين متخلق، فالدم ليس نفاسا. وينظر بعد ذلك هل هو حيض أو استحاضة.
سؤالتوقف نمو الجنين في الأسبوع السابع ثم خرج في الأسبوع الحادي عشر، فأي العمرين يعتبر؟
العبرة بمرحلة نمو الجنين الفعلية عند توقفه، لا بمجرد تاريخ خروجه من الرحم. فإذا لم تكن معالم الإنسان قد ظهرت عند توقف النمو، فلا يصير السقط متخلقا بسبب بقائه بعد ذلك في الرحم. ويعتمد في معرفة ذلك على تقرير الطبيبة، ثم يسأل عالم موثوق عند الاشتباه.
سؤالهل ظهور النبض شرط للحكم بالنفاس؟
ليس وجود النبض أو عدمه هو الضابط الفقهي المباشر. الضابط هو ظهور خلق الإنسان في السقط. وقد يموت الجنين بعد تخلقه؛ فيكون الدم الخارج بسبب سقوطه نفاسا.
سؤالهل بلوغ الحمل أربعة أشهر شرط للنفاس؟
لا. قد يثبت النفاس قبل أربعة أشهر إذا تبين في السقط خلق إنسان. أما الأربعة أشهر فتتعلق بنفخ الروح وأحكام أخرى، وليست شرطا لدم النفاس.
سؤالهل النزيف الشديد يعني أنه نفاس؟
لا. قد يكون دم الاستحاضة شديدا، وقد يكون دم النفاس قليلا. العبرة بحال السقط، لا بكمية الدم. والنزيف الشديد يحتاج إلى رعاية طبية عاجلة أيا كان حكمه.
سؤالهل أصلي مع استمرار الدم إذا كان السقط غير متخلق؟
نعم، إذا لم يكن الدم حيضا. تنظف المرأة موضع الدم وتتحفظ، وتتوضأ بعد دخول وقت الصلاة عند استمرار النزيف على قول جمهور أهل العلم، ثم تصلي ولا يضرها ما يخرج أثناء الوقت بسبب العذر.
سؤالهل يجوز الصيام مع دم السقط غير المتخلق؟
نعم، إذا كان الدم استحاضة لا حيضا. أما إذا ثبت أنه حيض أو نفاس فلا يصح الصيام، وتقضي المرأة صيام الفرض بعد الطهر.
سؤالهل يجوز الجماع مع دم السقط غير المتخلق؟
إذا كان الدم استحاضة لا حيضا ولا نفاسا، فلا يمنع الجماع من جهة الحكم الشرعي في الأصل بعد تنظيف الموضع. لكن يجب الالتزام بتوجيه الطبيبة؛ فقد تمنع العلاقة مدة معينة لتقليل خطر النزيف أو العدوى وحتى يكتمل التعافي.
سؤالإذا طهرت من النفاس بعد السقط قبل الأربعين، فهل أنتظر؟
لا. إذا تحقق الطهر، تغتسل المرأة وتصلي وتصوم وتحل لزوجها، ولا تنتظر إكمال الأربعين.
سؤالهل يجب على المرأة رؤية السقط بنفسها؟
لا. يمكن الاعتماد على إخبار الطبيبة الموثوقة أو التقرير الطبي، خاصة إذا أزيل الحمل بعملية أو خرج متفتتا. ولا تكلف المرأة نفسها ما يؤذيها.
سؤالماذا أفعل إذا اختلف التقرير الطبي أو لم يكن واضحا؟
تجمعين تقرير الأشعة، وعمر الحمل وطريقة حسابه، وتاريخ توقف النمو وخروج السقط، ووصف الدم وعادتك الشهرية، ثم تسألين عالما موثوقا. وحتى يثبت المانع بيقين، لا تترك الصلاة لمجرد الاحتمال.
مقالات ذات صلة
خلاصة
خلاصةخلاصة
الدم بعد السقط يكون نفاسا إذا تبين في الجنين خلق إنسان، كالرأس أو اليد أو الرجل. أما إذا كان السقط دما أو كيسا فارغا أو قطعة لحم لم تظهر فيها معالم الإنسان، فالدم ليس نفاسا؛ ثم ينظر هل يوافق الحيض، وإلا فله حكم الاستحاضة.
ولا يعتمد على عدد الأسابيع وحده، خاصة قرب الثمانين والتسعين يوما، بل يرجع إلى حال الجنين وتقرير الطبيبة، ثم إلى فتوى عالم موثوق عند الاشتباه. وإذا كان الدم نفاسا وطهرت المرأة قبل الأربعين اغتسلت وصلت، وإذا لم يكن نفاسا ولا حيضا لم تترك الصلاة والصيام. ومع النزيف الشديد أو الألم أو الحمى، تقدم الرعاية الطبية العاجلة ولا تؤخر بسبب السؤال الفقهي.