حقوق الأبناء على الوالدين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كما أن للوالدين حقا عظيما على الأبناء، فإن للأبناء كذلك حقوقا ثابتة على الوالدين، جاء الشرع ببيانها وحفظها، لأن الشريعة قائمة على العدل والرحمة، وإعطاء كل ذي حق حقه. وإذا قام الوالدان بهذه الحقوق على الوجه المشروع، نشأ الولد على الاستقامة، وقوي بناء الأسرة، وصلح المجتمع.
وهذا الموضوع يفهم على منهج أهل السنة والجماعة، القائم على كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].
فهذه الآية أصل عظيم في وجوب رعاية الأهل، وتعليمهم، وتأديبهم، وحفظهم من أسباب الهلاك.
ما المقصود بحقوق الأبناء على الوالدين؟
المقصود بها ما يجب على الوالدين القيام به تجاه أولادهما من الإحسان، والرعاية، والتعليم، والتربية، والعدل، والرحمة، وحفظ الدين والنفس والعقل والأخلاق بقدر الاستطاعة.
وليست تربية الأبناء مجرد إطعام وكسوة، بل هي أمانة شاملة تشمل الدين والخلق والعلم والسلوك.
من أول حقوق الأبناء: حسن الاختيار
من أول ما يدخل في حقوق الأبناء أن يحرص الأب والأم قبل الزواج على الاختيار الصالح، لأن صلاح البيت يبدأ من صلاح الزوجين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" متفق عليه.
فإذا قام البيت على الدين والخلق كان ذلك أقرب إلى صلاح الأبناء واستقامتهم.
حق الولد في النسب الحسن والاسم الحسن
من حقوق الولد أن ينسب إلى أبيه نسبا صحيحا، وأن يسمى اسما حسنا لا قبح فيه ولا معنى فاسد.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء القبيحة إلى أسماء حسنة، وهذا يدل على أن الاسم له أثر ومعنى، وأن الشريعة راعت ذلك.
ومن الأسماء المحبوبة ما دل على العبودية لله، كعبد الله وعبد الرحمن، وما كان حسنا في معناه وسليما في لفظه.
حقه في الرعاية والنفقة
الولد له حق في النفقة والرعاية بحسب الحاجة والقدرة، من طعام وكسوة وسكن وعلاج وغير ذلك مما يحتاجه.
وهذا داخل في المسؤولية التي حملها الله الوالدين، ولا يجوز لهما التفريط في ذلك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" متفق عليه.
فالوالد راع في بيته، ومسؤول عن أولاده، والوالدة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن أولادها كذلك.
حقه في التربية على التوحيد والإيمان
أعظم حق للأبناء على الوالدين أن يربوهما على التوحيد، وتعظيم الله، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعليم أصول الدين.
قال الله تعالى عن لقمان: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ} [لقمان: 13].
فهذه بداية التربية الصحيحة: غرس التوحيد، والتحذير من الشرك، وتعليم الولد من هو ربه، ولماذا خلق، وما حق الله عليه.
حقه في التعليم والتأديب
من حقوق الأبناء أن يعلموا ما يصلح دينهم ودنياهم، وأن يؤدبوا على الأخلاق الحسنة والآداب الشرعية.
ومن أعظم ما يعلمونه:
- الصلاة
- الصدق
- الأمانة
- الأدب مع الوالدين
- احترام الناس
- آداب الطعام واللباس
- حفظ اللسان
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع" رواه أبو داود وحسنه أهل العلم.
فهذا يدل على أن من حق الولد أن يربى على الصلاة منذ الصغر، وأن يعان على الطاعة قبل البلوغ.
حقه في الرحمة والرفق
من الخطأ أن يظن بعض الناس أن التربية لا تكون إلا بالشدة الدائمة، بل الأصل فيها الرحمة والرفق، مع الحزم عند الحاجة.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالصغار، وأحسنهم أدبا وتعليما.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يرحم لا يرحم" متفق عليه.
حقه في العدل بين الأبناء
العدل بين الأبناء من أعظم الحقوق، سواء في العطايا، أو المعاملة، أو إظهار المحبة، بقدر ما يمكن العدل فيه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" متفق عليه.
فالتفضيل بغير حق يولد الحسد، ويكسر القلوب، ويفسد العلاقة بين الإخوة، وربما أورث العقوق والنزاع.
حقه في الحماية من الفساد
من حق الولد على والديه أن يحفظاه من أسباب الانحراف والفساد، وأن يبعداه عن رفقة السوء، والمشاهد المحرمة، والمحتوى الفاسد، وكل ما يضر بدينه وخلقه.
وهذا في زماننا آكد من كثير من الأزمنة السابقة، لكثرة المؤثرات وسهولة الوصول إلى أبواب الشر.
حقه في الدعاء
الدعاء للأبناء من حقهم على والديهم، لأن دعاء الوالد لولده من أسباب الصلاح والتوفيق.
فينبغي للوالدين أن يكثروا من الدعاء لأولادهم بالهداية، والصلاح، والعلم النافع، وحسن الخلق، والثبات على الدين.
كيف يؤدي الوالدان حقوق أبنائهما عمليا؟
- تخصيص وقت يومي للحديث مع الأبناء.
- تعليمهم القرآن والأذكار والصلاة.
- متابعتهم في المدرسة والرفقة والسلوك.
- الجمع بين الرحمة والحزم.
- تجنب الصراخ والإهانة.
- مكافأة السلوك الحسن وتشجيعه.
- العدل بينهم في العطاء والمعاملة.
أخطاء شائعة في تربية الأبناء
- الاهتمام بالمأكل والملبس مع إهمال التربية الإيمانية
- ترك الأولاد للأجهزة والمحتوى المفتوح بلا رقابة
- المقارنة الجارحة بين الإخوة
- كثرة الدعاء على الأبناء عند الغضب
- التناقض بين كلام الوالدين وسلوكهما
- ترك الصلاة أو التساهل فيها أمام الأولاد
أسئلة شائعة عن حقوق الأبناء
هل النفقة وحدها تكفي في أداء حق الأبناء؟
لا، النفقة جزء من الحق، لكن من حقهم أيضا التعليم، والتربية، والرحمة، والتوجيه، والعدل، والمتابعة.
هل يجوز تفضيل بعض الأبناء بالعطية؟
الأصل وجوب العدل بين الأبناء، ولا يفضل بعضهم إلا لسبب معتبر يقره الشرع، مع الحذر من الظلم والجور.
ما أول ما ينبغي أن يعلم للطفل؟
أول ما ينبغي العناية به تعليم التوحيد، وتعظيم الله، ومحبة الإسلام، ثم الصلاة والآداب والأخلاق.
ماذا يفعل الوالدان إذا قصرا في الماضي؟
يبادران إلى التوبة، ويصلحان ما استطاعا، ويبدآن من الآن في تصحيح المسار، فباب الإصلاح مفتوح، والله يعين من صدق معه.
خاتمة
حقوق الأبناء على الوالدين أمانة عظيمة، ومسؤولية جليلة، وهي من أعظم ما يسأل عنه العبد يوم القيامة. وليس النجاح في التربية بكثرة المال أو كثرة الكلام، بل بصدق التوكل على الله، وحسن التربية، وكثرة الدعاء، والصبر والمداومة.
فاحرصوا على تربية أبنائكم على الدين والخلق، وأدوا حقوقهم بالعدل والرحمة والحكمة، واعلموا أن صلاح الأبناء من أعظم نعم الله على العبد في دنياه وآخرته.
