بر الوالدين

مكانة الأب في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

للأب في الإسلام مكانة عظيمة وحق كبير، فهو سبب وجود الابن بعد الله، وهو راع ومسؤول، يبذل في النفقة، والحماية، والتوجيه، والتربية، ويتحمل كثيرا من أعباء الحياة ليحفظ بيته وأولاده.

{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36].
{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].
حق الوالدين

حق الأب من حق الوالدين

الأب داخل في النصوص الكثيرة التي تأمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما، وخفض الجناح لهما، والدعاء لهما.

{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].

فالأب ربى، وأنفق، وحمل هم البيت، وسعى في مصالح أولاده، ولهذا كان من الوفاء أن يقابل ذلك بالإحسان والبر.

باب الجنة

الأب باب من أبواب الجنة

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه.

رواه الترمذي وابن ماجه وصححه أهل العلم.

وهذا الحديث يدل على عظم حق الأب، وأن بره باب عظيم من أبواب الخير والجنة.

صور بر الأب
بر عملي

من صور بر الأب

  • احترامه وتوقيره.
  • لين الكلام معه.
  • خدمته إذا احتاج.
  • السؤال عنه والاهتمام به.
  • عدم رفع الصوت عليه.
  • إدخال السرور عليه.
  • النفقة عليه إذا احتاج وكان الابن قادرا.
  • الدعاء له.
  • مشاورته فيما يناسب.
  • صلة رحمه وأصدقائه بعد وفاته إذا تيسر.
عند الكبر

بر الأب عند الكبر

من أعظم أبواب البر أن يحسن الابن إلى أبيه عند الكبر والضعف، لأن هذا وقت تشتد فيه حاجة الوالد إلى الرفق، والصبر، والخدمة، وحسن الكلام.

رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة.

رواه مسلم.

فوجود الأب في الكبر فرصة عظيمة للبر، ومن التقصير أن يرى الابن ضعف أبيه وحاجته ثم يقابله بالجفاء أو الإهمال أو التأفف.

  • الصبر على ضعفه وتكرر حاجته.
  • زيارته والسؤال عنه وعدم الانشغال عنه.
  • مساعدته في أموره بقدر الاستطاعة.
  • مخاطبته بالكلام الكريم.
  • رعايته ماليا وصحيا إذا احتاج وكان الابن قادرا.
  • الدعاء له في حياته وبعد وفاته.
فقه الحقوق والتوازن
الطاعة بالمعروف

طاعة الأب في المعروف

طاعة الأب واجبة في المعروف، خاصة فيما فيه مصلحة ظاهرة ولا يترتب عليه معصية أو ظلم أو ضرر.

إنما الطاعة في المعروف.

متفق عليه.

فإن أمر الأب بمعصية، فلا يطاع في المعصية، لكن يبقى حقه في البر والإحسان.

{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].

وهذا أصل مهم: سقوط الطاعة في المعصية أو الضرر لا يعني سقوط البر. فالابن يعتذر بأدب، ويبين قدر استطاعته، ويحرص على عدم تحويل الخلاف إلى عقوق أو إهانة.

بعد الزواج

حق الأب بعد زواج الابن أو البنت

الزواج لا يسقط حق الأب، كما لا يسقط حق الأم. فلا يجوز للزوج أو الزوجة أن يمنع الطرف الآخر من بر والده أو صلته بالمعروف.

لكن الشرع جاء بالعدل، فلا يجعل الابن بر أبيه سببا لظلم زوجته أو إضاعة حق أولاده، ولا تجعل الزوجة حقها سببا لقطع زوجها عن أبيه. والواجب أن تعطى الحقوق بقدر الاستطاعة، وأن يكون التعامل بالحكمة والرفق.

فمن جمع بين بر والده والقيام بحق بيته، فقد جمع بين عبادتين عظيمتين.

المال والنفقة

هل للأب حق في مال ولده؟

للأب حق عظيم في بر ولده ونفقته عليه إذا احتاج وكان الولد قادرا، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

أنت ومالك لأبيك.

رواه ابن ماجه وصححه أهل العلم.

لكن هذا الحديث لا يعني أن يأخذ الأب من مال ولده بظلم، أو بما يضر ولده ومن يعول، أو ليعطيه لبعض الأبناء دون بعض بغير حق. وقد ذكر أهل العلم أن أخذ الأب من مال ولده يكون بالمعروف، من غير ضرر، ولا حاجة إلى ظلم أو قطيعة.

فالواجب على الابن أن يكرم أباه وينفق عليه عند حاجته، وعلى الأب أن يتقي الله في مال ولده وأسرته.

مسؤولية

مسؤولية الأب في الإسلام

كما أن للأب حقوقا، فعليه واجبات عظيمة تجاه أهله وأولاده.

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته.

متفق عليه.

  • النفقة بالمعروف.
  • تعليم الأبناء ما يحتاجون إليه من الدين.
  • أمرهم بالصلاة.
  • تربيتهم على الأخلاق.
  • العدل بينهم.
  • حمايتهم من أسباب الفساد.
  • الرحمة والرفق بهم.

فمكانة الأب لا تعني التسلط، بل تعني الرعاية والقيام بالمسؤولية.

ومن تمام هذه المسؤولية أن يكون الأب قدوة في الصلاة والصدق وحسن الخلق، لأن أثر الفعل في الأبناء أبلغ من كثرة الكلام.

ومن الخطأ أن يفهم بعض الآباء مكانتهم على أنها تسلط أو إلغاء لشخصيات الأبناء، فالوالد راع ومرب وموجه، لا ظالم ولا متحكم بالهوى. وكلما جمع الأب بين الهيبة والرحمة، كان أثره في أبنائه أقوى وأبقى.

غير المسلم

بر الأب غير المسلم

إذا كان الأب غير مسلم، فإن حقه في البر والإحسان والصلة باق، ولا يطيعه الولد في الكفر أو المعصية.

{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].

فهذه الآية تدل على أن الوالدين لا يطاعان في الشرك والمعصية، ومع ذلك أمر الله بمصاحبتهما في الدنيا معروفا.

كبيرة عظيمة

خطورة عقوق الأب

عقوق الأب من كبائر الذنوب، كما أن عقوق الأم من الكبائر.

الإشراك بالله، وعقوق الوالدين.

متفق عليه في ذكر الكبائر.

  • احتقاره أو السخرية منه.
  • رفع الصوت عليه.
  • تجاهله عند الحاجة.
  • ترك النفقة عليه إذا احتاج والابن قادر.
  • إهانته أمام الناس.
  • الدعاء عليه.
  • إظهار التضجر منه بكلام أو فعل.
ابتلاء وصبر

إذا كان الأب قاسيا أو مقصرا

قد يكون بعض الآباء قاسيا أو مقصرا في بعض الواجبات، وهذا مؤلم، لكنه لا يبيح العقوق ولا الإهانة. فالابن مطالب بالبر بالمعروف، مع حفظ نفسه من الظلم والضرر بقدر الاستطاعة.

  • الصبر واحتساب الأجر.
  • النصح بلطف إذا أمكن.
  • عدم مقابلة الإساءة بالإساءة.
  • الاستعانة بأهل الحكمة عند الحاجة.
  • حفظ الحقوق الشرعية دون معصية.
بعد الوفاة

بر الأب بعد وفاته

لا ينتهي البر بموت الأب، بل يبقى باب البر مفتوحا.

  • الدعاء له.
  • الصدقة عنه.
  • قضاء ديونه إن وجدت واستطاع الابن.
  • صلة رحمه.
  • إكرام من كان يحبهم إذا تيسر.
إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.

رواه مسلم.

سؤال شائع

هل حق الأب عظيم مثل حق الأم؟

نعم، حق الأب عظيم، وهو داخل في نصوص بر الوالدين. وقد قدمت الأم في حسن الصحبة لمزيد ما تحملته، لكن ذلك لا ينقص من عظم حق الأب ووجوب بره.

سؤال شائع

هل يجب أن أطيع أبي في كل شيء؟

تجب طاعته في المعروف، أما المعصية أو الظلم أو ما يترتب عليه ضرر معتبر فلا طاعة فيه، مع بقاء البر وحسن الكلام.

سؤال شائع

هل أطيع أبي إذا أمرني بظلم زوجتي أو قطع حق واجب؟

لا يطاع الأب في الظلم، ولا في إضاعة حق واجب، ولا في الإضرار بالزوجة أو الأولاد بغير حق. لكن يرد الابن ذلك بأدب، ويجتهد في الإصلاح، ويحفظ حق أبيه في البر والكلام الحسن.

سؤال شائع

هل يجوز للأب أن يأخذ من مال ابنه؟

للأب حق في مال ولده عند الحاجة وبالمعروف، إذا لم يضر بالولد ومن يعول، ولم يكن أخذه ظلما أو لإعطائه بعض الأبناء بغير حق. والأحوط في مسائل المال الكبيرة الرجوع إلى أهل العلم حتى لا يقع ظلم أو قطيعة.

سؤال شائع

هل يجب بر الأب إذا كان غير مسلم؟

نعم، يبره ولده ويحسن إليه ويصاحبه في الدنيا معروفا، ولا يطيعه في الكفر أو المعصية، كما دل على ذلك قول الله تعالى في سورة لقمان.

سؤال شائع

هل يجوز رفع الصوت على الأب إذا أخطأ؟

لا يجوز التعامل معه بالإهانة ورفع الصوت. إذا أخطأ الأب، فينصح بلطف وأدب، ويختار الابن الوقت والطريقة المناسبة.

سؤال شائع

ماذا أفعل إذا كان أبي يحتاج إلى نفقة؟

إذا احتاج الأب وكان الابن قادرا، فالنفقة عليه من البر والواجبات العظيمة، بحسب القدرة والحاجة.

خاتمة

خاتمة

مكانة الأب في الإسلام عظيمة، وبره قربة جليلة، وعقوقه من كبائر الذنوب. فليتق الله الأبناء في آبائهم، وليحفظوا لهم حق التربية والنفقة والرعاية، وليحرصوا على حسن الصحبة والدعاء، فإن البر من أعظم أسباب رضا الله وصلاح الحياة.