الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بر الوالدين من أعظم الواجبات وأجل القربات، وهو من آكد حقوق العباد بعد حق الله تعالى. وقد قرن الله الأمر بالإحسان إليهما بالأمر بعبادته وحده، ولا سيما عند كبرهما وضعفهما وحاجتهما إلى الصبر والخدمة والرحمة.
فجمعت الآيتان أصل البر: الإحسان، وترك أدنى كلمة تضجر، واجتناب الزجر والإهانة، ولين الخطاب، والتواضع رحمة، والدعاء لهما.
معنى البر وفضله
ما معنى بر الوالدين؟
بر الوالدين اسم جامع لكل إحسان مشروع إليهما بالقول والفعل والمال، بحسب حاجتهما وقدرة الولد. ومنه حسن الصحبة، ولين الكلام، والخدمة، والنفقة عند الحاجة، والدعاء، والزيارة، والسؤال، والصبر، وقضاء الحاجات، وكف الأذى.
والبر أوسع من الطاعة؛ فالطاعة صورة من صوره وليست كل البر. فقد لا يطلب الوالدان شيئا، ومع ذلك يبادر الولد إلى خدمتهما وإكرامهما وتفقد أحوالهما.
وهذا الحديث في جهاد التطوع عند أهل العلم، أما إذا تعين الجهاد فله حكمه. والمقصود أن خدمتهما والصبر عليهما باب عظيم من أبواب العبادة، لا عملا اجتماعيا مجردا.
سبب عظم حق الوالدين
لماذا عظم الإسلام حقهما؟
لما بذلاه بعد فضل الله من حمل وولادة ورضاع وتربية ونفقة وحماية ورحمة، ولما يتحملانه من تعب وخوف وسهر في سبيل أولادهما.
٦مشاورتهما وإشعارهما بمكانتهما، من غير أن يجعل ذلك ما ليس ملزما شرعا واجبا.
٧الدعاء لهما، وتعليمهما أو تذكيرهما برفق إذا احتاجا إلى ذلك.
٨التعاون بين الأبناء في خدمتهما، وعدم إلقاء المسؤولية على ابن أو بنت واحدة مع قدرة الباقين.
٩حفظ أسرارهما وسمعتهما، وعدم التشهير بأخطائهما أو السخرية من ضعفهما.
١٠الصبر على تكرر الكلام والطلب عند الكبر، مع تنظيم الرعاية بما يمنع الظلم والإرهاق غير المحتمل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ». رواه مسلم.
فالكبر زمن تشتد فيه الحاجة إلى الصبر والرفق والرعاية. ومن التقصير أن يحسن الإنسان إلى والديه ما داما قويين مستقلين، ثم يضيق بهما حين يحتاجان إليه. ومع ذلك تنظم الرعاية بين الأبناء، ويستعان بمن يوثق به عند الحاجة، حتى يؤدى الحق من غير إهمال ولا ظلم.
ضوابط طاعة الوالدين
هل تجب طاعتهما في كل شيء؟
لا. الواجب هو برهما، وطاعتهما في المعروف فيما لهما فيه غرض صحيح ولا يترتب عليه معصية أو ضرر معتبر أو تضييع حق واجب. وليست كل رغبة مباحة لهما أمرا لازما للولد على الإطلاق؛ فالأحوال تختلف، وتراعى الحقوق والقدرة والضرر.
فلا يطاعان في ترك واجب، أو فعل محرم، أو ظلم زوج أو زوجة أو ولد، أو قطيعة رحم، أو أكل مال بغير حق. لكن يرفض الطلب المحرم أو الظالم بأدب ورفق، ويبقى البر والصحبة بالمعروف.
أما المسائل التي تختلط فيها الحقوق أو تختلف باختلاف التفاصيل، كأمر الوالدين بطلاق الزوجة أو منع الزواج أو السفر أو العمل، فلا تعطى فيها إجابة عامة بمجرد العاطفة؛ بل تعرض تفاصيلها على عالم موثوق قبل اتخاذ قرار يترتب عليه ضرر أو ضياع حق.
التوازن بين حق الوالدين وحق الزوج أو الزوجة والأولاد
لا يجوز للزوج أو الزوجة منع الطرف الآخر من بر والديه وصلة رحمه بالمعروف، كما لا يجوز للإنسان أن يضيع حقوق زوجه أو أولاده بحجة بر والديه. وقد أوجب الشرع حقوقا متعددة، والواجب أداء كل حق بحسب الاستطاعة والعدل.
فلا يجعل أحد الوالدين سببا للعدوان على الزوج أو الزوجة، ولا يجعل أحد الزوجين الزواج سببا لقطع الوالدين. وعند تعارض المطالب ترتب الواجبات، ويدفع الظلم، ويستعان بأهل الحكمة والعلم.
الوالدان غير المسلمين
البر لا يسقط باختلاف الدين
اختلاف الدين لا يسقط حق الوالدين في الصلة والإحسان في حياتهما. عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:
فيبرهما المسلم، ويخدمهما، وينفق عليهما عند الحاجة والقدرة، ويدعوهما إلى الإسلام بالحكمة، ويدعو لهما بالهداية وهما حيان، ولا يطيعهما في الكفر أو المعصية.
أما من مات منهما على غير الإسلام فلا يدعى له بالمغفرة؛ قال الله تعالى:
ظلم الوالد لا يبيح للولد سبه أو إهانته أو الانتقام منه، ولا يسقط أصل البر. وفي الوقت نفسه لا يوجب الشرع تمكين أحد من الاعتداء أو البقاء في خطر.
فإذا كان الأذى خلافا عابرا أو كلاما يمكن احتماله، فالأصل الصبر والرفق والإصلاح. أما إذا وجد عنف، أو تهديد، أو ابتزاز، أو اعتداء على النفس أو المال أو العرض، فيدفع الضرر بالوسائل المشروعة، ويجوز تقليل المخالطة المباشرة أو جعل التواصل بواسطة شخص مأمون بقدر الحاجة، مع إبقاء ما يمكن من البر الآمن.
ولا تتخذ دعوى الضرر ذريعة للقطيعة لمجرد اختلاف الرأي أو عدم موافقة الوالدين للهوى. وعند الخطر الحقيقي يستعان بأهل الحكمة والعلم والجهات المختصة المأمونة، وتقدم السلامة من الاعتداء.
عقوق الوالدين والتوبة منه
ما هو عقوق الوالدين؟
العقوق هو إيذاء الوالدين أو الإساءة إليهما بقول أو فعل على وجه محرم، وترك ما يجب لهما من البر مع القدرة. ومن صوره: السب، والإهانة، ورفع الصوت، والتأفف، والهجر بغير حق، والبخل بالنفقة الواجبة، وتركهما عند الحاجة مع القدرة، والاعتداء عليهما أو التشهير بهما.
وليس كل اختلاف مع الوالدين عقوقا؛ فقد يخالفهما الولد في أمر محرم أو ضار أو فيما لا تلزمه طاعتهما فيه، لكنه يفعل ذلك بأدب ومن غير ظلم أو قطيعة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثلاثا. قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ»، وكان متكئا فجلس فقال: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ»، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه.
فالعقوق من أكبر الكبائر، ولا تكفره هدية عابرة مع استمرار الإهانة أو الهجر، بل تجب التوبة ورد الحقوق وطلب المسامحة وإصلاح السلوك.
كيف يتوب من عق والديه؟
١يندم على ما صدر منه ويستغفر الله.
٢يترك العقوق فورا ويعزم ألا يعود إليه.
٣يعتذر لوالديه ويطلب عفوهما إذا لم يترتب على ذلك ضرر أكبر.
٤يرد ما أخذه من حقوقهما أو أموالهما.
٥يصلح ما أفسده من سمعة أو علاقة.
٦يكثر من خدمتهما والإحسان إليهما والدعاء لهما.
٧إن ماتا، تاب إلى الله وأكثر من وجوه البر المشروعة التي تنفعهما إذا ماتا على الإسلام.
بر الوالدين بعد وفاتهما
أبواب البر التي تبقى بعد الموت
إذا مات الوالدان أو أحدهما على الإسلام، بقيت أبواب ثابتة من البر، منها:
١الدعاء والاستغفار لهما.
٢الصدقة عنهما.
٣الحرص على قضاء ديونهما من تركتهما قبل تقسيمها، وتنفيذ وصيتهما المشروعة وفق أحكام الشريعة، وللولد أن يقضي عنهما من ماله تبرعا.
٤صلة أرحامهما الذين هم أرحام للولد.
٥إكرام أهل ودهما وأصدقائهما بالمعروف.
٦المساعدة في رد ما عرف من الحقوق والمظالم إلى أهلها وفق أحكام الشريعة.
وتدل هذه النصوص على أن الدعاء والصدقة وصلة أهل الود من أبواب البر الثابتة بعد وفاة الوالدين.
أما الوالد غير المسلم إذا مات، فلا يستغفر له ولا يتصدق عنه بقصد إهداء الثواب إليه. وتبقى ديونه وحقوق العباد المتعلقة بتركته واجبة الأداء، ويستمر الولد في صلة أقاربه الأحياء والإحسان إليهم بالمعروف.
والاستغفار بعد الوفاة إنما يكون لمن مات على الإسلام، أما الوالد غير المسلم الحي فيدعى له بالهداية.
أخطاء شائعة
تنبيه عملي
أخطاء ينبغي تجنبها
١اختزال البر في المال مع الجفاء ورفع الصوت.
٢تأجيل الزيارة والسؤال حتى يقع المرض أو تشتد الحاجة.
٣اعتبار كل اختلاف مهذب عقوقا، أو اعتبار كل طلب من الوالدين واجب الطاعة بلا تفصيل.
٤طاعتهما في ظلم الزوج أو الزوجة أو الأبناء أو الأقارب.
٥السماح للزوج أو الزوجة بقطع الصلة بالوالدين.
٦ترك أحد الأبناء وحده يتحمل الرعاية مع قدرة إخوته على المساعدة.
٧نشر أخطائهما وأسرارهما في المجالس أو وسائل التواصل.
٨ترك البر بعد وفاتهما، أو الاستغفار لمن مات منهما على غير الإسلام.
٩الاستدلال بأحاديث ضعيفة مع وجود النصوص الصحيحة الكافية.
أسئلة شائعة عن بر الوالدين
ما الفرق بين البر والطاعة؟
البر أوسع من الطاعة؛ فهو يشمل الإحسان والرحمة والخدمة والنفقة والدعاء وحسن الصحبة. أما الطاعة فتكون في المعروف، وليست واجبة في المعصية أو الظلم أو ما يوقع ضررا معتبرا أو يضيع حقا واجبا.
هل كل طلب مباح من الوالدين واجب التنفيذ؟
ليس كل طلب مباح واجب التنفيذ على الإطلاق. ينظر في حاجة الوالدين ومصلحتهما، وقدرة الولد، والضرر، والحقوق الأخرى. فما كان فيه نفع معتبر لهما ولا معصية فيه ولا ضرر على الولد، فطاعتهما فيه من أوكد البر، وقد تجب. أما الوقائع المتنازع فيها فتحتاج إلى سؤال عالم موثوق بتفاصيلها.
هل السكن المستقل أو البعيد يعد عقوقا؟
ليس السكن المستقل أو البعيد عقوقا بمجرده، إذا قام الولد بما يجب من البر والسؤال والنفقة والرعاية عند الحاجة. وقد يكون القرب واجبا عمليا إذا لم يجد الوالدان المحتاجان من يرعاهما سواه وكان قادرا، وتقدر كل حالة بقدرها.
ماذا يفعل الولد إذا أمره أحد الوالدين بظلم الآخر أو قطعه؟
لا يطاع أحدهما في ظلم الآخر أو قطعه؛ فلكل واحد منهما حق مستقل في البر. ويحسن الولد إلى كليهما، ولا ينقل الكلام بينهما ولا يدخل في الخصومة بغير حق.
هل يطاع الوالدان في ظلم الزوج أو الزوجة؟
لا. لا طاعة في الظلم، ولا يجوز إسقاط حق واجب للزوج أو الزوجة إرضاء لأحد. ويرفض الطلب بأدب، ويحفظ حق الوالدين في البر، ويسعى إلى الإصلاح والجمع بين الحقوق.
كيف أبر والدي بعد وفاتهما؟
تب إلى الله توبة صادقة، وأكثر من الدعاء والاستغفار لهما إن ماتا على الإسلام، وتصدق عنهما، وصل رحمهما، وأكرم أهل ودهما، واقض ما تعلمه من ديونهما وحقوقهما بحسب استطاعتك وأحكام الشرع.
هل يجوز الاستغفار لوالد مات على غير الإسلام؟
لا يستغفر المسلم لمن مات على غير الإسلام، ولو كان قريبا، للنص الصريح في سورة التوبة. أما في حياته فيدعى له بالهداية، ويعامل بالبر والعدل والصلة المباحة.
بر الوالدين عبادة مستمرة تجمع التوحيد والامتثال والرحمة والوفاء. وهو لا يعني طاعتهما في المعصية أو تمكين الظلم، كما أن وجود الخلاف أو المشقة لا يبيح الإهانة والقطيعة. والموفق من عرف لكل ذي حق حقه، وصبر على والديه، وخدمهما، ودعا لهما، وبادر إلى البر قبل أن يفوته زمن القدرة واللقاء.