الزواج والأسرةحقوق الزوجين في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الزواج في الإسلام ميثاق غليظ، وعبادة ومسؤولية، وليس مجرد ارتباط اجتماعي أو عاطفة عابرة. وقد جعل الله غايته السكن والمودة والرحمة، ورتب على كل واحد من الزوجين حقوقا وواجبات تحفظ الدين والكرامة واستقرار البيت.
قال الله تعالى:
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
وقال سبحانه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
فالأصل في الحياة الزوجية أداء الحقوق بالمعروف، والتراحم، والتعاون على طاعة الله، لا التسلط ولا المنافسة ولا استعمال النصوص الشرعية سلاحا لإيذاء الطرف الآخر.
قال الله تعالى:
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228].
ففي قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أصل عظيم في تقابل الحقوق والواجبات. وليس معنى ذلك أن جميع الأدوار متماثلة، بل لكل منهما ما كلفه الله به، مع اشتراكهما في الإيمان والكرامة والتكليف وحسن العشرة.
وينبغي التفريق بين الحقوق الواجبة، كالمهر والنفقة والطاعة في المعروف والعفاف، وبين مكارم العشرة المستحبة، كالهدايا والتوسع في الخدمة والتغاضي عن الهفوات. وكلما تجاوز الزوجان حد الواجب إلى الإحسان، كان ذلك أقرب إلى المودة واستقرار البيت.
المهر حق خالص للزوجة
المهر حق خالص للزوجة يثبت بعقد النكاح، ويجوز أن يكون معجلا أو مؤجلا باتفاق معتبر، وتفاصيل استقرار كله أو بعضه تتعلق بالدخول أو الخلوة أو الفرقة بحسب أحكامها. وإذا لم يسم المهر عند العقد صح النكاح، ولها مهر مثلها عند استحقاقه، ولا يجوز للزوج أو أهلها أخذ شيء منه بغير رضاها الصحيح.
قال الله تعالى:
{وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].
النفقة بالمعروف
يجب على الزوج أن يوفر لزوجته الطعام والكسوة والسكن والحاجات الأساسية بالمعروف بقدر استطاعته، بحسب حال الزوجين وعرف البلد. وإذا ضاق رزقه وجب عليه أن ينفق مما آتاه الله، ولا يكلف ما لا يقدر عليه. وكون الزوجة غنية أو موظفة لا يسقط نفقتها الواجبة، ولا يلزمها الإنفاق من مالها على البيت إلا أن تتبرع برضاها أو يقع بينهما اتفاق صحيح لا ظلم فيه.
قال الله تعالى:
{لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7].
وعن عائشة رضي الله عنها أن هند بنت عتبة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال:
"خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".
رواه البخاري (5364)، ومسلم (1714). وفيه أن النفقة الواجبة تقدر بالكفاية والمعروف، لا بالإسراف ولا بالتقتير. أما تنزيل هذا الحكم عند النزاع أو أخذ المال خفية مع اختلاف الوقائع، فيرجع فيه إلى عالم موثوق أو القضاء؛ حتى لا يتجاوز أحد قدر حقه.
وعن معاوية القشيري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال:
"أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ".
رواه أبو داود (2142)، وحسنه أهل العلم.
المسكن المناسب والخصوصية
والمسكن الواجب هو المسكن المناسب الذي تتحقق فيه السلامة والستر والخصوصية بحسب الاستطاعة والعرف والعقد. ولا يشترط أن يكون بناء مستقلا في كل حال، لكن لا يجوز إسكانها على وجه يضيع خصوصيتها أو يعرضها لضرر معتبر.
حسن العشرة وصيانة الكرامة
من حق الزوجة الكلام الطيب، والرفق، والاحترام، والصبر على ما يقع من نقص بشري، وألا تهان أو تشتم أو تهدد أو يفضح سرها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي".
رواه الترمذي (3895)، وصححه أهل العلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:
"لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ".
رواه مسلم (1469). ومعنى يفرك: يبغض. فالعدل يقتضي ألا يمحو خطأ واحد جميع المحاسن.
ولا تبيح القوامة الاعتداء البدني أو النفسي، ولا الإهانة أو التهديد أو حبس المال الواجب. وما يقع من عنف أو خطر لا يعالج بالصمت ولا بفتوى عامة؛ بل تقدم السلامة، ويستعان بالجهات المختصة وأهل العلم والقضاء بحسب الحال.
حق المعاشرة بالمعروف
المعاشرة حق مشترك، وعلى الزوج ألا يهمل حاجة زوجته أو يضر بها، وأن يراعي صحتها وقدرتها وأحوالها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
"إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا".
رواه البخاري (5199).
ولا يجوز لأي من الزوجين أن يجعل العلاقة الخاصة أداة إذلال أو انتقام، كما لا يجوز طلب ما حرمه الله أو ما يسبب ضررا معتبرا.
التعليم والإعانة على الطاعة
على الزوج أن يعين أهله على الصلاة والطاعة، وأن يهيئ لهم تعلم ما يحتاجون إليه من العقيدة والعبادة والأحكام، من غير غلو ولا تحكم.
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
ولا يجوز له أن يمنعها من واجب شرعي أو يأمرها بمعصية، ولا أن يتخذ الدين ستارا للتحكم في غير حق.
العدل عند التعدد
إذا كان للرجل أكثر من زوجة وجب عليه العدل فيما يقدر عليه، كالقسم في المبيت والنفقة والسكن والمعاملة الظاهرة. ويحرم أن يميل إلى إحداهن ميلا يضيع حق الأخرى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ".
رواه أبو داود (2133)، وصححه أهل العلم.
أما ميل القلب الذي لا يملكه الإنسان فلا يؤاخذ عليه ما لم يتحول إلى جور في الحقوق التي يقدر عليها.
حفظ مالها وخصوصيتها
مال الزوجة ومهرها وراتبها ملك لها، ولا يحل للزوج أن يأخذه أو يجبرها على التنازل عنه. ولها أن تنفق على بيتها إحسانا ومشاركة، لكن لا يحول تبرعها إلى التزام مفروض عليها بغير رضا.
كما يجب عليه حفظ أسرارها ومراسلاتها وخصوصياتها المشروعة، ولا يجوز التجسس عليها لمجرد الوهم أو نشر ما يسيء إليها. والخصوصية لا تعني جواز الخيانة أو إخفاء ما يضيع حقا واجبا.
الطاعة في المعروف
من حق الزوج أن تطيعه زوجته في المعروف فيما يتعلق بحقوق النكاح واستقامة البيت، ما دامت قادرة ولم يأمرها بمعصية أو بما يوقع عليها ضررا معتبرا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ".
رواه البخاري (7257)، ومسلم (1840).
فالطاعة ليست ملكا مطلقا لشخصها ولا إذنا بالتحكم في مالها أو قطع رحمها أو منعها من واجب. وفي المقابل، لا يجوز إهدار حق الزوج في القوامة والتدبير المشروع لشؤون الأسرة.
حق المعاشرة بالمعروف
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ".
متفق عليه، واللفظ للبخاري (5193).
وهذا الوعيد في الامتناع من غير عذر شرعي أو صحي أو ضرر معتبر. أما الحيض والمرض والألم والصوم الواجب ونحوها فأعذار معتبرة بحسب الحال. وَلَا يُبِيحُ هٰذَا الْحَدِيثُ إِجْبَارَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْعَلَاقَةِ الْخَاصَّةِ، وَلَا تَهْدِيدَهُ أَوْ إِيذَاءَهُ، وَلَا طَلَبَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ. وَلَا يَجُوزُ لِأَيٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ اتِّخَاذُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ ذَرِيعَةً لِإِكْرَاهِ الْآخَرِ أَوْ إِيذَائِهِ. كَمَا لَا يُبِيحُ الْحَدِيثُ لِلزَّوْجِ إِهْمَالَ حَقِّ زَوْجَتِهِ أَوِ اسْتِعْمَالَ الْهَجْرِ لِلْإِضْرَارِ بِهَا.
حفظ النفس والبيت والمال والأولاد
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".
رواه البخاري (5200)، ومسلم (1829).
فتصون نفسها عن الحرام، وتحفظ مال البيت وأسراره، وترعى الأولاد بالمعروف، ولا تتصرف في مال الزوج بما يضره أو تخفي عنه ما يجب بيانه.
صيام التطوع والإذن في البيت
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ".
رواه البخاري (5195)، ومسلم (1026).
والمقصود بالصيام هنا صوم التطوع إذا كان الزوج حاضرا؛ أما رمضان والصوم الواجب فلا يتوقفان على إذنه. كما لا تستقبل في بيته من يكره دخوله كراهة معتبرة، وعلى الزوج ألا يستعمل ذلك لقطع رحمها أو منع حاجة واجبة.
الاحترام وحسن المعاملة
من حق الزوج أن يخاطب باحترام، وألا يهان أو تسخر منه زوجته أو تحقر جهده، وأن تعينه على الخير وتنصحه بالرفق. وحسن الخلق ليس حقا لطرف دون آخر.
قسم المقالمعنى القوامة وحدودها
القوامة عند السلف وأئمة التفسير ولاية شرعية ومسؤولية للزوج في أسرته؛ فهو رئيس البيت والقائم على شؤونه، ومسؤول عن رعاية أهله وصيانتهم والإنفاق عليهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من الدين وحثهم على طاعة الله بالمعروف. وله على زوجته حق الطاعة في المعروف فيما يتعلق بحقوق النكاح واستقامة الأسرة، لا طاعة مطلقة في كل ما يطلبه أو فيما لا حق له فيه. وأصل ذلك قول الله تعالى في سورة النساء: 34.
ونقل ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى القوامة: "أُمَرَاءُ عَلَيْهَا؛ أَيْ تُطِيعُهُ فِيمَا أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ". والمقصود إمارة الزوج في أسرته بالمعروف، لا أن كل رجل قوام على كل امرأة، ولا أن للزوج أن يأمر بما شاء. وفسر الطبري القوامة بقيام الرجل على زوجته فيما يجب لله ولحقوق الزوجية، وربطها بما أوجبه الله عليه من المهر والنفقة والكفاية.
وقد جعل الله قوامة الزوج على زوجته بما فضل الله به الرجال من خصائص وأحكام، وبما أوجب عليهم من المهر والنفقة. فهي ليست مجرد خدمة أو إنفاق بلا رئاسة، وليست تشريفا خاليا من التكليف؛ بل ولاية شرعية مقرونة بالواجب والمحاسبة. وهذا حكم عام يتعلق ببنية الأسرة وواجباتها، ولا يلزم منه أن يكون كل رجل بعينه أفضل عند الله من كل امرأة بعينها؛ فميزان الكرامة عند الله هو التقوى.
ولا تعني القوامة ملكية الزوجة، ولا تسوغ أخذ مالها أو ظلمها أو إهانتها أو إلغاء حقوقها المشروعة أو التحكم فيما لا حق للزوج فيه. والزوج مأمور بالمشاورة والاستماع واختيار الأصلح للأسرة، وهو مسؤول أمام الله عن قراره. والزوجة مأمورة بطاعته في المعروف والتعاون معه على استقامة البيت، ولا طاعة له في معصية الله أو فيما يوقع عليها ضررا معتبرا شرعا. كما أن مجرد مخالفة رغبتها أو حصول المشقة المعتادة لا يسقط حقا شرعيا ثابتا.
وأما أحكام النشوز المذكورة في الآية فهي باب فقهي مستقل له ترتيب وشروط وضوابط، ولا يصح تنزيلها على كل خلاف زوجي أو استعمالها بحسب الهوى والغضب. ولا يجوز أن يفهم من القوامة أو من هذا المقال إذن بالاعتداء أو الانتقام أو الإذلال أو الإيذاء، كما لا يجوز إجبار الزوجة على ما ليس من حق الزوج. وعند النزاع أو خوف الضرر يرجع إلى عالم موثوق والقضاء والجهات المختصة، وتقدم سلامة المتضرر والأبناء.
حسن العشرة والاحترام
يتعامل كل واحد منهما مع الآخر بالصدق والرحمة والاحترام، ويجتنب السخرية والسباب ورفع الصوت والتحقير والمقارنة بالآخرين.
حفظ الأسرار الزوجية
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا".
رواه مسلم (1437).
والحكم يشمل الزوجين؛ فلا تنشر التفاصيل الخاصة، ولا تستعمل الأسرار وقت الخصومة. ويجوز ذكر القدر اللازم لعالم أو قاض أو طبيب أو مصلح أمين عند الحاجة، من غير تشهير ولا زيادة.
العفاف والمعاشرة بالمعروف
لكل واحد منهما حق في العفاف والمعاشرة بالمعروف، وعليهما مراعاة الصحة والقدرة والعذر، وطلب الحاجة بلطف، وعدم استعمال القرب أو الهجر للعقاب والابتزاز.
تربية الأبناء
تربية الأبناء مسؤولية مشتركة، فلا يحمل أحدهما الآخر عبئها وحده، ولا يهدم أحدهما توجيه الآخر أمامهم. ويتفقان على الصلاة والأخلاق والتعليم والحدود المناسبة، ويقدمان مصلحة الطفل على نزاعهما.
الشورى في شؤون الأسرة
يتشاوران في السكن والإنفاق والتربية والعمل والسفر والقرارات الكبيرة. والقوامة لا تلغي الشورى، كما أن الشورى لا تلغي المسؤوليات التي جعلها الشرع على كل طرف.
التوارث وثبوت النسب
يثبت بين الزوجين التوارث إذا مات أحدهما والنكاح قائم وفق أحكام المواريث، ويثبت نسب الأولاد بالفراش الشرعي. وهذه حقوق لا يجوز العبث بها أو تغييرها بالخصومة.
قسم المقالخدمة الزوجة في البيت وتعاون الزوجين
اختلف الفقهاء في وجوب خدمة الزوجة لزوجها في أعمال البيت، والراجح أنها تقوم بالخدمة المعتادة التي تقوم بها مثلها لمثله بحسب العرف والقدرة والحال؛ لأن ذلك من المعاشرة بالمعروف، وليس له أن يكلفها ما يخرج عن المعتاد أو يوقع عليها ضررا. وإذا كان عرف مثلها أن تخدم، أو اشترط في العقد ما يتعلق بالخدمة، روعي العرف والشرط الصحيح.
ومع ذلك فالبيت مسؤولية مشتركة، ومن حسن العشرة أن يتعاون الزوجان بحسب القدرة والوقت، وألا تحول الأعمال المنزلية إلى وسيلة للإذلال أو النزاع. وقد سئلت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ فقالت:
"كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ".
رواه البخاري (676). ومعنى في مهنة أهله: في خدمتهم.
سؤال وجوابهل حقوق الزوجين متساوية في كل شيء؟
لهما حقوق متقابلة بالمعروف، وهما سواء في أصل الكرامة والتكليف، لكن ليست كل الحقوق والأدوار متماثلة. فقد أوجب الله على الزوج النفقة والقوامة، وأوجب على الزوجة الطاعة في المعروف وحفظ البيت، وأوجب على كليهما حسن العشرة والعفاف.
سؤال وجوابهل يجب على الزوجة طاعة زوجها في كل شيء؟
لا. تطيعه في المعروف فيما يدخل في حقوق الزوجية واستقامة الأسرة، ولا طاعة في معصية الله، ولا فيما لا تقدر عليه أو يلحق بها ضررا معتبرا. كما لا يجوز أن يتخذ هذا التفصيل ذريعة لرفض الحقوق الثابتة لمجرد عدم الرغبة.
سؤال وجوابهل يحق للزوج أخذ راتب زوجته؟
لا. راتبها ومالها ملك لها، ولا يأخذ منه شيئا إلا برضا حقيقي. ويجوز أن يتفقا على مساهمتها في بعض المصروفات اتفاقا واضحا عادلا، لكن لا تنتزع موافقتها بالضغط أو التهديد.
سؤال وجوابهل تسقط النفقة إذا كانت الزوجة غنية أو موظفة؟
لا تسقط لمجرد غناها أو عملها. والنفقة تقدر بالمعروف بحسب قدرة الزوج وحال الزوجين، وقد تؤثر شروط عقد النكاح والاتفاقات الصحيحة في بعض التفاصيل؛ لذلك تراجع الواقعة المتنازع فيها مع عالم موثوق أو جهة قضائية.
سؤال وجوابهل يجب على الزوج توفير مسكن مستقل؟
لها حق في مسكن مناسب يصونها ويحقق الخصوصية والأمان بحسب قدرة الزوج والعرف وشروط العقد. وليس المقصود دائما بيتا أو مبنى منفصلا، لكن لا تلزم بسكن يشاركها فيه من يطلع على خصوصيتها أو يلحق بها ضررا معتبرا. وتفاصيل القدرة والمسكن المشترك يرجع فيها إلى أهل العلم عند النزاع.
سؤال وجوابهل يجب على الزوجة خدمة والدي زوجها؟
خدمتهما ليست واجبا زوجيا ثابتا عليها، وإن كانت الإحسان إليهما ومعاونتهما من حسن الخلق ومن أسباب المودة. ولا يجوز إجبارها أو إهانتها بسبب ذلك، كما لا يجوز لها الإساءة إليهما أو منع زوجها من برهما. والمسؤولية الأصلية عن رعايتهما على أولادهما بحسب القدرة.
سؤال وجوابهل يجوز للزوج منع زوجته من زيارة والديها؟
لا يجوز الأمر بقطيعة الرحم أو منع واجب شرعي تجاه الوالدين. وفي الوقت نفسه تنظم الزيارات والرعاية بما لا يضيع حق الزوج أو الزوجة والأولاد ولا يدخل الضرر على البيت. وإذا تعارضت واجبات حقيقية، سئل أهل العلم عن الحالة بعينها.
سؤال وجوابما حكم الامتناع عن العلاقة الخاصة؟
لا يجوز لأحد الزوجين الامتناع بقصد الإضرار أو تضييع حق الآخر من غير عذر. وتعتبر الأعذار الشرعية والصحية، كالحيض والمرض والألم والصوم الواجب والخوف من الضرر. ولا يجوز إِكْرَاهُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْعَلَاقَةِ الْخَاصَّةِ أَوْ تَهْدِيدُهُ أَوْ إِيذَاؤُهُ أو طلب فعل محرم، وعلى الزوجين علاج الأسباب الصحية أو النفسية بسرية واحترام.
سؤال وجوابهل تحتاج الزوجة إلى إذن زوجها لصيام التطوع؟
إذا كان الزوج حاضرا فلا تصوم تطوعا إلا بإذنه؛ لأن حقه الواجب مقدم على النافلة. أما صوم رمضان والقضاء المضيق والنذر الواجب فلا يتوقف على إذنه. وإذا كان غائبا أو أذن لها صراحة أو عرفا فلا حرج.
سؤال وجوابهل يجوز ذكر أسرار الزواج للمستشار أو القاضي؟
يجوز ذكر القدر الذي تدعو إليه الحاجة لعالم أو قاض أو طبيب أو مصلح أمين؛ للوصول إلى حكم أو علاج. والممنوع هو التشهير، والتسلية بذكر العيوب، ونشر التفاصيل الخاصة لمن لا حاجة له بها.
سؤال وجوابهل مشاركة الزوج في أعمال البيت من السنة؟
نعم، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في خدمة أهله. والمشاركة بحسب القدرة من حسن العشرة، ولا تنقص من قوامة الرجل، بل تدل على تواضعه وكرم خلقه.
سؤال وجوابماذا يفعل الزوجان عند وجود عنف أو خطر؟
لا يبرر العنف باسم القوامة أو الطاعة أو حفظ البيت. عند وجود خطر يقدم حفظ النفس والأطفال، ويطلب العون من شخص مأمون والجهات المختصة، ثم تعرض التفاصيل على عالم موثوق والقضاء. ولا يشترط استمرار جلسات الصلح المباشر إذا كانت تعرض المتضرر لخطر جديد.
سؤال وجوابمتى يلزم الرجوع إلى القضاء أو أهل العلم؟
عند النزاع في النفقة أو السكن أو شروط العقد أو الهجر أو النشوز أو العنف أو الطلاق، أو عندما تتعلق المسألة بحقوق مالية وأولاد، لا يكفي مقال عام. لا بد من سماع الطرفين ومعرفة الوقائع والبينات والبلد الذي يقيمان فيه.