الصلاة والخشوعما هو الخشوع في الصلاة وكيف تحققه؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي صلة العبد بربه، وميزان صلاحه، وأول ما ينبغي للمسلم أن يحافظ عليه ويعتني به. ومن أعظم ما تحتاجه الصلاة: الخشوع؛ لأن الصلاة ليست حركات مجردة يؤديها الجسد فقط، بل عبادة يقوم فيها العبد بين يدي الله بقلب حاضر، وجوارح ساكنة، ولسان ذاكر، ونفس منكسرة لربها.
{قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1-2].
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ . الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 45-46].
فالخشوع ليس أمرا شكليا، بل هو من حياة الصلاة وروحها، وكلما كان القلب أصدق حضورا بين يدي الله، كان أثر الصلاة أعظم في النفس والسلوك.
تعريفما معنى الخشوع في الصلاة؟
الخشوع في الصلاة هو حضور القلب بين يدي الله، وتعظيم مقام الوقوف أمامه، وسكون الجوارح، وتدبر ما يقرأه المصلي وما يقوله بقدر استطاعته.
فالخاشع في صلاته يعلم أنه واقف بين يدي ربه، يناجيه، يقرأ كلامه، يركع له، ويسجد له، ويسأله الهداية والمغفرة والرحمة.
إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ.
متفق عليه.
فرق مهمالفرق بين الخشوع والطمأنينة
الخشوع عمل قلبي يظهر أثره على الجوارح، مثل حضور القلب وسكون البدن وتعظيم الصلاة وتدبر القراءة والذكر.
أما الطمأنينة فهي أن يسكن المصلي في كل ركن من أركان الصلاة، فيطمئن في القيام والركوع والرفع منه والسجود والجلوس، ولا ينقر الصلاة نقرا.
والطمأنينة ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، أما كمال الخشوع فيزيد أجر الصلاة وكمالها، وينقص الأجر بقدر ذهاب القلب، لكن شرود الذهن العارض لا يبطل الصلاة بمجرده.
دليلابدأ بالطمأنينة
علم النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته فقال له:
إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا...
متفق عليه.
فمن أراد الخشوع، فليبدأ بالطمأنينة؛ لأن العجلة في الصلاة من أكبر أسباب ذهاب حضور القلب.
استعدادالاستعداد قبل وقت الصلاة
من أعظم أسباب الخشوع أن يستعد المسلم للصلاة بقلبه وبدنه: يتوضأ بهدوء، ويترك الانشغال قبل الصلاة، ويذهب إليها بسكينة، ولا يدخلها وهو مشتت ما استطاع.
إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، وَلَا تُسْرِعُوا...
متفق عليه.
وضوءإحسان الوضوء
الوضوء عبادة وتمهيد للوقوف بين يدي الله، وليس مجرد غسل للأعضاء.
مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ...
رواه مسلم.
إزالة الشواغلترك ما يشغل القلب
لا يدخل المسلم الصلاة وهو متعلق بالهاتف، أو منشغل برسالة، أو جائع جدا والطعام حاضر، أو يحتاج إلى قضاء حاجته مع قدرته على إزالة ذلك.
لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ.
رواه مسلم.
فهممعرفة معنى ما تقرأ وتقول
من أعظم أسباب الخشوع أن يفهم المسلم معاني الفاتحة والتكبير والتسبيح والتحميد والتشهد والأذكار التي يقولها في الصلاة. فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} استحضر افتقاره إلى الله، وإذا قال في سجوده: "سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى" استحضر عظمة السجود لله.
مناجاةتذكر أنك واقف بين يدي الله
إذا كبر المصلي تكبيرة الإحرام، فليستحضر أنه دخل في عبادة عظيمة، وأنه ترك الدنيا خلفه، ووقف بين يدي ربه. فمن استحضر المناجاة، استحيا أن يكثر العبث أو يطلق فكره في كل واد.
الفاتحةتدبر الفاتحة
الفاتحة أعظم سورة في القرآن، وهي ركن في الصلاة، وتدبرها من أعظم أبواب الخشوع.
قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ...
رواه مسلم. فمن علم أن الله يجيبه في قراءته للفاتحة، عظم حضور قلبه فيها.
سكونالطمأنينة في الركوع والسجود
العجلة تذهب الخشوع وتضعف أثر الصلاة. فليطمئن المصلي في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه، وليعط كل ركن حقه.
أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ... لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا.
رواه أحمد، وصححه جماعة من أهل العلم.
بصر وجوارحالنظر إلى موضع السجود وترك الالتفات
من أسباب حفظ الخشوع ترك الالتفات في الصلاة بغير حاجة، فإن الالتفات من اختلاس الشيطان من صلاة العبد.
هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ.
رواه البخاري.
وسوسةالاستعاذة عند الوسوسة
الوسوسة في الصلاة من الشيطان، وقد تعرض للمسلم، ولا ينبغي أن يستسلم لها أو يعيد الصلاة بسبب كل خاطر.
ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا.
رواه مسلم.
مودعتذكر الموت والصلاة كأنها آخر صلاة
من المعاني النافعة في الخشوع أن يصلي المسلم صلاة مودع، كأنه لا يدري هل يدرك صلاة بعدها أم لا.
إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ.
رواه ابن ماجه، وحسنه جماعة من أهل العلم.
حكمهل شرود الذهن يبطل الصلاة؟
شرود الذهن لا يبطل الصلاة بمجرده، لكنه ينقص الخشوع والأجر. والمسلم يجاهد نفسه ولا ييأس؛ فإذا شرد قلبه أعاده إلى الصلاة، وإذا وسوس الشيطان استعاذ بالله، ولا يجعل ذلك بابا للوسوسة وإعادة الصلاة بلا دليل.
المهم أن يفرق المسلم بين الطمأنينة في الأركان، وهي لا بد منها لصحة الصلاة، وبين كمال حضور القلب، وهو مطلوب عظيم ينقص أجر الصلاة بنقصه، لكنه لا يبطل الصلاة بمجرد الخواطر العارضة.
علاجكيف يعالج المسلم الوسوسة في الخشوع؟
- لا يلتفت إلى الوسوسة ولا يبالغ في محاسبة نفسه بعد كل صلاة.
- لا يعيد الصلاة بسبب شرود عارض.
- يستعيذ بالله من الشيطان.
- يتعلم صفة الصلاة الصحيحة حتى يعبد الله على بصيرة.
- يسأل أهل العلم إذا وقع له إشكال حقيقي، ولا يبني أحكامه على الخوف والشك.
فالشيطان قد يأتي للمسلم من باب الحرص على الخشوع حتى يوقعه في الوسوسة، فينبغي أن يكون المسلم وسطا: يجاهد قلبه، ولا يستسلم للخواطر، ولا يفتح باب الغلو.
سؤالهل الخشوع واجب في الصلاة؟
الخشوع مأمور به، وهو من صفات المؤمنين المفلحين، وهو روح الصلاة وكمالها. وأما الطمأنينة في الأركان فهي ركن لا تصح الصلاة بدونها.
سؤالهل تبطل صلاتي إذا فكرت في شيء من الدنيا؟
لا تبطل الصلاة بمجرد الخواطر العارضة أو التفكير غير المقصود، لكن ينبغي للمسلم أن يجاهد نفسه ويرد قلبه إلى الصلاة.
سؤالكيف أخشع في الفاتحة؟
تعلم معنى الفاتحة، واقرأها بتأن، واستحضر أن الله يجيبك كما جاء في الحديث القدسي، وإذا سألت الهداية فاستحضر أنك تطلب أعظم حاجة في حياتك.
سؤالهل إغماض العينين يساعد على الخشوع؟
الأصل أن يصلي المسلم مفتوح العينين وينظر إلى موضع سجوده. أما إذا كان أمامه ما يشوش عليه تشويشا شديدا، فقد رخص بعض أهل العلم في إغماض العينين للحاجة، من غير اتخاذ ذلك عادة دائمة.
سؤالهل كثرة الحركة تبطل الصلاة؟
الحركة اليسيرة لحاجة لا تبطل الصلاة. أما الحركة الكثيرة المتوالية لغير حاجة، بحيث تخرج الصلاة عن هيئتها، فهي خطيرة وقد تبطل الصلاة عند أهل العلم.
سؤالماذا أفعل إذا دخلت الصلاة وقلبي مشغول؟
استعن بالله، وكبر بهدوء، ورد قلبك إلى معاني الفاتحة، ولا تيأس. وإن استطعت قبل الصلاة أن تزيل سبب الانشغال فافعل، مثل إغلاق الهاتف أو قضاء الحاجة.
سؤالهل الخشوع يعني البكاء في الصلاة؟
البكاء من خشية الله نعمة عظيمة إذا وقع بصدق، لكنه ليس معنى الخشوع كله. فقد يخشع العبد بقلب حاضر وتعظيم لله وسكون في الصلاة ولو لم يبك.
سؤالكيف يخشع من لا يعرف العربية جيدا؟
يبدأ بتعلم معاني الكلمات التي تتكرر في كل صلاة، مثل التكبير والفاتحة وتسبيح الركوع والسجود والتشهد. وكل معنى يتعلمه يزيد حضوره بإذن الله.
سؤالهل الخشوع يأتي دفعة واحدة؟
الغالب أنه يحتاج إلى مجاهدة وتدرج. يبدأ المسلم بإصلاح الوضوء، والطمأنينة، وفهم الفاتحة، وترك العجلة، ثم يزداد قلبه حضورا شيئا فشيئا بإذن الله.
سؤالهل الذنوب تؤثر في الخشوع؟
نعم، الذنوب تقسي القلب وتضعف لذة العبادة، ولهذا كان من أعظم أسباب الخشوع التوبة والاستغفار وترك المعاصي، وخاصة معاصي الخلوات.