العقيدة والتوحيد

توحيد الألوهية: معناه وأهميته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

توحيد الألوهية هو أعظم ما دعت إليه الرسل، وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله. ومعناه أن يفرد العبد ربه بجميع أنواع العبادة، فلا يدعو إلا الله، ولا يتوكل توكل العبادة إلا عليه، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، ولا يصرف شيئا من العبادة لغيره.

ويسمى هذا التوحيد أيضا توحيد العبادة؛ لأن الألوهية وصف الله سبحانه، والعبادة فعل العبد الذي يجب إخلاصه لله وحده. ومن أجله خلق الله الجن والإنس، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبه تصح الأعمال وينجو العبد من الشرك.

{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
معنى توحيد الألوهية
تعريف

معنى توحيد الألوهية

توحيد الألوهية هو إفراد الله وحده بأفعال العباد التي يتقربون بها إليه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

فالصلاة، والدعاء، والذبح، والنذر، والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، والاستعانة، والاستغاثة، والصيام، والحج، وسائر العبادات حق لله وحده، ولا يجوز صرف شيء منها لغيره.

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162-163].

والنسك يشمل الذبح والعبادة، فكما أن الصلاة لا تكون إلا لله، فكذلك الذبح وسائر القربات لا تصرف إلا له سبحانه.

حق الله

حق الله على عباده

بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أعظم حق لله على خلقه هو أن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئا.

"يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟" قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا..."

متفق عليه.

ومعنى حق العباد على الله هنا: الحق الذي أوجبه الله على نفسه فضلا ووعدا لمن حقق التوحيد. وأهل التوحيد الذين ماتوا على ذنوب دون الشرك تحت مشيئة الله، وليس لأحد أن يوجب على الله شيئا من عند نفسه.

الشهادة

ما معنى لا إله إلا الله؟

معناها: لا معبود بحق إلا الله. فكلمة "لا إله" تنفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله، وكلمة "إلا الله" تثبت العبادة لله وحده لا شريك له.

وليست معناها مجرد أن الله موجود أو أنه الخالق؛ فقد أقر كثير من المشركين بأن الله هو الخالق، ولم يدخلهم هذا الإقرار في الإسلام لأنهم عبدوا معه غيره.

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ، وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ} [الحج: 62].
"مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ"

رواه مسلم. وتنفيذ الأحكام والعقوبات من اختصاص ولي الأمر والقضاء، وليس للأفراد أن يتعدوا على أحد في دمه أو ماله.

أصل دعوة الرسل وفهم السلف
دعوة الرسل

لماذا هو أصل دعوة الرسل؟

لأن الخصومة بين الرسل وأقوامهم كانت في إفراد الله بالعبادة. فكثير من المشركين كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكنهم جعلوا بينه وبينهم وسائط يدعونها ويتقربون إليها.

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].
{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].

فلم يقبل الله منهم اتخاذ الوسطاء بحجة التقرب إليه؛ لأن الدعاء والعبادة حق خالص له سبحانه.

فهم السلف

فهم الصحابة والسلف لتوحيد العبادة

فسر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] بأن من إيمان المشركين إقرارهم بأن الله خلق السماء والأرض والجبال، مع وقوعهم في الشرك.

وقال مجاهد رحمه الله: إيمانهم قولهم إن الله خالقهم ورازقهم ومميتهم، ثم يشركون به في العبادة. ذكر ذلك الإمام الطبري في تفسيره.

وهذا يبين أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، لكنه لا يغني عنه؛ فمن علم أن الله وحده خلقه ورزقه ودبر أمره، وجب عليه أن يعبد الله وحده.

العبادة وشروط قبولها
العبادة

ما هي العبادة؟

العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

ومن العبادة: الدعاء، والصلاة، والذبح، والنذر، والتوكل، والخوف، والرجاء، والمحبة، والاستغاثة، والاستعانة، والصدقة، والصيام، والحج، وبر الوالدين، وغير ذلك مما شرعه الله.

وتكون العادات المباحة عبادة إذا صحت النية ووافق العمل شرع الله، كالنوم والتكسب والإنفاق على الأهل بنية الاستعانة على الطاعة وأداء الحقوق.

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2].
قلب العبادة

المحبة والخوف والرجاء

يعبد المؤمن ربه محبة له، ورجاء لرحمته، وخوفا من عقابه. فلا يعبد الله بالمحبة وحدها من غير خوف ولا رجاء، ولا بالخوف وحده حتى يقنط، ولا بالرجاء وحده حتى يأمن مكر الله ويترك العمل.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165].
{يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57].
القبول

متى تقبل العبادة؟

لا تقبل العبادة إلا بأصلين: الإخلاص لله، بأن يقصد العبد بعبادته وجه الله وحده، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، بأن تكون العبادة موافقة لما شرعه.

{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
"أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ"

رواه مسلم.

صور الشرك والفرق بين العبادة والمساعدة
تحذير

من صور الشرك في الألوهية

  • دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
  • الذبح أو النذر لغير الله.
  • الاستغاثة بالأموات أو بالغائب الذي لا يسمع النداء ولا يقدر على الإجابة بوسيلة حسية معتادة فيما لا يقدر عليه إلا الله.
  • التوكل على مخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو اعتماد القلب عليه اعتماد عبادة.
  • صرف الخوف السري أو الرجاء العبادي أو المحبة التعبدية لغير الله.
  • الطواف بقبر أو غيره تعبدا لصاحبه، أو السجود له.
  • الرياء في العبادة، وهو من الشرك الأصغر إذا لم تكن العبادة كلها لغير الله، ويبطل من العمل ما خالطه.
{وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].
"مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ"

رواه البخاري.

ضابط مهم

الفرق بين العبادة وطلب المساعدة العادية

ليس كل طلب من مخلوق يكون عبادة له. فطلب ما يقدر عليه الحي الحاضر عادة جائز، مثل أن تقول لإنسان: أعني على حمل شيء، أو اسقني ماء، أو دلني على الطريق.

أما الشرك فهو أن يدعو العبد ميتا، أو غائبا لا يسمع نداءه ولا يقدر على إجابته بوسيلة حسية معتادة، أو يطلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، كمغفرة الذنوب، أو تفريج الكربات على وجه غيبي، أو الشفاء استقلالا، أو رزق الولد، أو دخول الجنة والنجاة من النار.

أما مخاطبة شخص بعيد بواسطة الهاتف ونحوه، وطلب ما يقدر عليه عادة، فليست من هذا الباب.

{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15].

فطلب الرجل العون من موسى عليه السلام كان طلبا من مخلوق حي حاضر في أمر يقدر عليه عادة، وليس من دعاء العبادة.

أهمية توحيد الألوهية وتحقيقه
أعظم واجب

لماذا توحيد الألوهية مهم جدا؟

  • أنه الغاية التي خلق الله الجن والإنس من أجلها.
  • أنه أصل دعوة جميع الرسل.
  • أنه حق الله الأعظم على عباده.
  • أنه شرط لصحة الأعمال وقبولها.
  • أنه سبب النجاة والأمن والهداية لمن حققه ومات عليه.
  • أن الشرك الأكبر يفسد العمل ويحرم صاحبه الجنة إذا مات عليه من غير توبة.
{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].
{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ} [المائدة: 72].
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].

وهذا في حق من مات على الشرك الأكبر؛ أما من تاب منه قبل موته توبة صادقة، فإن الله يغفر الذنوب جميعا.

عمل يومي

كيف يحقق المسلم توحيد الألوهية؟

  • يخلص عبادته لله وحده.
  • يتعلم معنى لا إله إلا الله.
  • يبتعد عن الشرك ووسائله.
  • يدعو الله وحده.
  • يذبح وينذر لله وحده.
  • يتوكل على الله مع فعل الأسباب المشروعة.
  • يتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في عبادته.
  • يراقب قلبه ويحذر من الرياء والعجب والتعلق بالمخلوقين.
  • يتعلم أنواع العبادة وأنواع الشرك حتى يعبد الله على بصيرة.
  • يتوب إلى الله من كل قول أو عمل يناقض التوحيد أو ينقص كماله.
أسئلة شائعة
سؤال

ما الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟

توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله، كالخلق والرزق والملك والتدبير. وتوحيد الألوهية هو إفراد الله بأفعال العباد التي يتقربون بها إليه، كالدعاء والصلاة والذبح والنذر.

سؤال

هل يكفي أن يقول الإنسان: لا إله إلا الله؟

لا ينفع مجرد النطق بها مع نقض معناها بالشرك. لا بد أن يقولها العبد عالما بمعناها، موقنا بها، صادقا مخلصا، قابلا منقادا، محبا لما دلت عليه، كافرا بما يعبد من دون الله.

سؤال

هل يجوز دعاء الأنبياء أو الأولياء طلبا للشفاعة؟

لا يجوز دعاؤهم من دون الله؛ لأن الدعاء عبادة، والشفاعة كلها ملك لله، ولا تقع إلا بإذنه ورضاه. قال تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر: 44]. ويسأل المسلم الله أن يشفع فيه نبيه صلى الله عليه وسلم.

سؤال

هل طلب الدعاء من المسلم الحي جائز؟

يجوز أن يطلب المسلم من أخيه الحي الحاضر أن يدعو له، مع بقاء القلب متعلقا بالله؛ لأن الداعي سبب، والمجيب هو الله.

سؤال

هل الذهاب إلى الطبيب أو طلب مساعدة الناس ينافي التوحيد؟

لا ينافيه إذا كان المطلوب مما يقدر عليه المخلوق عادة، مع اعتقاد أن المخلوق سبب وأن الشفاء والتوفيق من الله. أما طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، أو اعتقاد استقلال السبب بالنفع والضر، فباطل يناقض التوحيد.

سؤال

هل الخوف من إنسان أو حيوان شرك؟

الخوف الطبيعي من خطر ظاهر ليس شركا، لكنه لا يبيح ترك واجب أو فعل محرم. أما خوف السر، بأن يعتقد في مخلوق غائب أو ميت قدرة غيبية على إيقاع الضر استقلالا أو يتقرب إليه خوفا منه، فهو من الشرك.

سؤال

هل محبة النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين تنافي التوحيد؟

لا، بل محبة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، ومحبة المؤمنين من الإيمان. لكن لا يجوز أن ترفع هذه المحبة إلى صرف شيء من العبادة لهم أو الغلو فيهم.

سؤال

ما حكم الرياء في العبادة؟

الرياء من الشرك الأصغر، وهو خطر على الإخلاص. فإذا عمل العبد العبادة ليشاهده الناس ويمدحوه، بطل من عمله ما خالطه الرياء، وقد يبطل العمل كله بحسب حاله.

سؤال

هل يجوز الحلف بغير الله؟

لا يجوز الحلف بالنبي أو الأمانة أو الكعبة أو غيرها من المخلوقات؛ لأن الحلف تعظيم لا يصرف إلا لله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" متفق عليه.

سؤال

هل كل ذنب يعد شركا أكبر؟

لا. الذنوب ليست كلها شركا أكبر؛ فمنها الكبائر، ومنها الصغائر، ومنها الشرك الأصغر، ومنها الشرك الأكبر. ويجب بيان كل ذنب بحكمه الشرعي من غير غلو ولا تهوين.

تنبيه

تنبيه في الحكم على المعين

بيان أن صرف العبادة لغير الله شرك لا يعني التسرع في تكفير الأشخاص المعينين؛ فالحكم على الفعل شيء، والحكم على شخص معين شيء آخر له شروط وموانع وتفصيل يرجع فيه إلى أهل العلم الراسخين والقضاء الشرعي.

فالواجب بيان التوحيد والتحذير من الشرك بوضوح، مع العدل وترك التعدي في الحكم على الأعيان بغير علم.

خاتمة

خاتمة

توحيد الألوهية هو لب دعوة الرسل وحقيقة لا إله إلا الله، ومعناه إفراد الله وحده بالعبادة ظاهرا وباطنا. فمن عرف أن الله هو ربه وخالقه ورازقه ومدبر أمره، وجب عليه أن يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه ويعبده وحده، وألا يصرف شيئا من العبادة لغيره.

وحاجة العبد إلى تعلم هذا التوحيد أعظم من حاجته إلى غيره؛ لأنه أساس الدين، وبه تصح العبادة، وعليه مدار النجاة. فالواجب أن يتعلمه المسلم، ويعمل به، ويحذر مما يناقضه أو ينقصه، ويسأل الله الثبات على التوحيد حتى يلقاه.