العقيدة والتوحيد

توحيد الربوبية: معناه وأدلته

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

توحيد الربوبية باب عظيم من أبواب التوحيد، ومعناه أن يؤمن العبد أن الله وحده هو الرب الخالق الرازق المالك المدبر، المحيي المميت، النافع الضار، لا شريك له في خلقه ولا ملكه ولا تدبيره.

وهذا الأصل يورث القلب تعظيما لله، وتوكلا عليه، وافتقارا إليه، ويكون دليلا واضحا على وجوب إفراد الله بالعبادة؛ لأن من كان وحده الخالق الرازق المدبر، فهو وحده المستحق أن يعبد ولا يشرك به شيء.

معنى توحيد الربوبية
تعريف

معنى توحيد الربوبية

توحيد الربوبية هو إفراد الله بأفعاله سبحانه، مثل الخلق، والرزق، والملك، والتدبير، والإحياء، والإماتة، والنفع، والضر، وتصريف شؤون الكون.

فالله وحده خلق السماوات والأرض، وهو وحده يرزق العباد، وهو وحده يملك الأمر كله، ولا يقع شيء في الكون إلا بعلمه ومشيئته وقدره.

{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62].
{أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ} [الأعراف: 54].

فله الخلق، وله الأمر، وله الملك، وله التدبير، سبحانه وتعالى.

أدلة توحيد الربوبية
من القرآن

أدلة توحيد الربوبية من القرآن

{الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الفاتحة: 2].

فالله هو رب العالمين كلهم، خالقهم ومالكهم ومدبر أمرهم.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ... فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21-22].

فهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده، وذكر الدليل على ذلك: أنه سبحانه هو الذي خلق، ورزق، وأنعم، ودبر.

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ... وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ، فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].

فهذه الآية تبين أن الرزق، والملك، والإحياء، والإماتة، وتدبير الأمر كله بيد الله وحده.

{قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ، قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 88-89].

فالملك كله لله، والحفظ والنصر والإجارة بيده، ولا أحد يمنع ما أراد الله أو يرد حكمه.

{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [فاطر: 2].

فهذه الآية تغرس في القلب أن العطاء والمنع بيد الله، وأن المخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا إلا بما أذن الله.

من السنة

أدلة توحيد الربوبية من السنة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على تعلق القلب بالله وحده، وأن النفع والضر بيده سبحانه.

يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ... إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ...

رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

ففي هذا الحديث بيان عظيم لمعاني الربوبية: أن النفع والضر، والحفظ، والتوفيق، والأقدار كلها بيد الله. والمقصود تعلق القلب بالله وسؤاله والاستعانة به فيما لا يقدر عليه إلا هو؛ أما طلب العون من مخلوق حي حاضر فيما يقدر عليه، مع اعتقاده سببا وأن التوفيق من الله، فليس منافيا للتوحيد.

إقرار المشركين والفرق بين الربوبية والألوهية
تنبيه

هل أقر المشركون بتوحيد الربوبية؟

كثير من المشركين الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكنهم لم يفردوه بالعبادة، فكانوا يدعون غيره، ويذبحون لغيره، ويطلبون الشفاعة من غيره بغير حق.

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87].
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25].
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت: 63].

وقد فسر ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد رحمه الله قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] بإقرارهم بأن الله خالقهم ورازقهم، مع إشراكهم به في العبادة. ذكر ذلك الإمام الطبري في تفسيره.

لا يكفي وحده

هل توحيد الربوبية وحده يكفي؟

لا يكفي توحيد الربوبية وحده لتحقيق الإسلام، بل لا بد معه من توحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة.

فالذي يقر بأن الله خالقه ورازقه، ثم يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله، أو يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يصرف شيئا من العبادة لغير الله، لم يحقق التوحيد الذي بعثت به الرسل.

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106].
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
دلالة

كيف يدل توحيد الربوبية على توحيد الألوهية؟

إذا كان الله وحده هو الخالق الرازق المدبر، فهو وحده المستحق للعبادة. ولهذا كثيرا ما يذكر القرآن ربوبية الله دليلا على وجوب عبادته وحده.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21].

فبدأ سبحانه بالأمر بالعبادة، ثم ذكر دليلها: أنه هو الذي خلق الناس ومن قبلهم.

{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102].
آثار وأخطاء شائعة
ثمرات

أثر الإيمان بتوحيد الربوبية

  • قوة التوكل على الله، لأن الأمر كله بيده.
  • الإيمان بقضاء الله وقدره، والصبر على البلاء، مع فعل الأسباب المشروعة.
  • عدم التعلق بالمخلوقين تعلق عبادة أو ذل أو خوف مطلق.
  • شكر الله على نعمه، لأن كل نعمة منه سبحانه.
  • الخوف من الله ورجاؤه، لأنه المالك المدبر النافع الضار.
  • الصبر عند البلاء، لأن العبد يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
  • الاستدلال بربوبية الله على وجوب عبادته وحده.
  • ترك سؤال المخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله.
أخطاء

أخطاء شائعة في باب توحيد الربوبية

من الأخطاء الشائعة أن يظن بعض الناس أن الإيمان بأن الله هو الخالق يكفي وحده، مع التساهل في دعاء غير الله أو الاستغاثة بالأموات أو صرف شيء من العبادة لغير الله.

ومن الأخطاء أن يبالغ العبد في التعلق بالأسباب حتى ينسى مسبب الأسباب. والمسلم يأخذ بالأسباب المشروعة، لكنه يعلم أن النفع والضر بيد الله وحده.

ومن الأخطاء أن ينسب العبد النعم إلى ذكائه أو جهده أو الناس من حوله وينسى فضل الله، والواجب أن يعلم أن الأسباب لا تنفع إلا بإذن الله، وأن النعمة كلها من الله.

{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53].
أسئلة شائعة
سؤال

ما الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟

توحيد الربوبية يتعلق بأفعال الله، مثل الخلق والرزق والملك والتدبير. أما توحيد الألوهية فيتعلق بأفعال العباد التي يتقربون بها إلى الله، مثل الدعاء، والصلاة، والذبح، والنذر، والتوكل.

سؤال

هل المشركون كانوا ينكرون أن الله هو الخالق؟

لم يكن أكثر مشركي العرب ينكرون أن الله هو الخالق الرازق المدبر، بل كانوا يقرون بذلك، كما دلت الآيات. لكن شركهم كان في العبادة، حيث جعلوا مع الله آلهة يدعونها ويتقربون إليها.

سؤال

هل الأخذ بالأسباب ينافي توحيد الربوبية؟

لا. الأخذ بالأسباب المشروعة لا ينافي التوحيد، بل هو من الشرع والعقل، لكن لا يجوز أن يعتمد القلب على السبب استقلالا. فالطبيب، والدواء، والعمل، والرزق، كلها أسباب، أما الشافي والرازق والمدبر فهو الله وحده.

سؤال

هل يجوز أن يقال: فلان أنقذني أو هذا الدواء نفعني؟

يجوز ذكر السبب إذا كان صحيحا مع اعتقاد أن النافع والمنجي حقيقة هو الله، وأن المخلوق سبب فقط. أما اعتقاد أن المخلوق ينفع أو يضر استقلالا من دون الله فهذا باطل ومخالف للتوحيد.

سؤال

كيف يقوي المسلم توحيد الربوبية في قلبه؟

يقويه بتدبر القرآن، والنظر في آيات الله في الكون، وتذكر نعم الله، والإكثار من الدعاء، والتوكل على الله، ومعرفة أن الخلق والرزق والتدبير كله بيده سبحانه.

خاتمة

خاتمة

توحيد الربوبية هو الإيمان بأن الله وحده الخالق الرازق المالك المدبر، لا شريك له في أمره ولا حكمه ولا تقديره. وهو أصل عظيم يملأ القلب تعظيما لله، وتوكلا عليه، وافتقارا إليه. لكنه لا يكفي وحده حتى يفرد العبد الله بالعبادة، فحق الرب الخالق الرازق أن يعبد وحده لا شريك له.