ثبات بعد الطاعةكيف يحافظ المسلم على الطاعة بعد المواسم المباركة؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المواسم المباركة من رحمة الله بعباده؛ يفتح لهم فيها أبواب الخير، ويضاعف لهم الأجور، ويعينهم على التوبة والذكر والصلاة والصيام والصدقة. لكن العبرة ليست فقط بأن ينشط المسلم في الموسم، ثم يرجع بعده إلى الغفلة، بل من علامات الانتفاع بالطاعة أن تترك أثرا بعدها: محافظة على الصلاة، وبعدا عن الذنب، ودواما على الذكر، ورغبة في الخير، وخوفا من التقصير.
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ} [الحجر: 99].
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112].
قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ.
رواه مسلم.
فالمؤمن يسأل الله القبول، ويجتهد في الثبات، ويعلم أن رب رمضان هو رب سائر الشهور، ورب عشر ذي الحجة هو رب العام كله.
القبولأولا: اسأل الله القبول ولا تغتر بالعمل
من أعظم ما يحافظ به المسلم على أثر الموسم أن يسأل الله قبول عمله، ولا يعجب بنفسه ولا بعبادته. فالعمل لا ينفع إلا إذا قبله الله، والعبد مهما اجتهد فهو محتاج إلى رحمة ربه وفضله.
{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [البقرة: 127].
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60-61].
فالمؤمن يجمع بين حسن الظن بالله والخوف من تقصير نفسه؛ لا يقنط من رحمة الله، ولا يأمن مكر الله، ولا يرى لنفسه فضلا على غيره.
الفرائضثانيا: اجعل أول ما تحفظه الفرائض
أعظم ما يحافظ به المسلم على الطاعة بعد المواسم أن يحفظ الفرائض، وخاصة الصلاة. فقد ينشط بعض الناس في النوافل في رمضان أو عشر ذي الحجة، ثم يضعف بعد الموسم في الصلاة أو يؤخرها، وهذا من أعظم الخسارة.
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238].
{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103].
فليكن قرار المسلم بعد كل موسم: لا أضيع الصلاة، ولا أؤخرها بلا عذر، ولا أقدم عليها تجارة ولا دراسة ولا عادة ولا لهوا.
الدوامثالثا: داوم على القليل ولا تنقطع
ليس المطلوب بعد الموسم أن يحمل المسلم نفسه برنامجا لا يطيقه ثم يتركه كله، بل السنة أن يثبت على عمل صالح دائم، ولو كان قليلا.
أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ.
متفق عليه.
إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا.
رواه البخاري.
- المحافظة على الصلوات في أوقاتها.
- قراءة شيء من القرآن كل يوم، ولو صفحة أو نصف صفحة.
- أذكار الصباح والمساء.
- الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
- صدقة يسيرة أسبوعية أو شهرية.
- صيام ثلاثة أيام من كل شهر لمن تيسر له.
- ركعتا الضحى أو الوتر لمن قدر على ذلك.
التوبةرابعا: تب بسرعة إذا ضعفت أو وقعت في ذنب
من أخطر ما يقع بعد المواسم أن يظن المسلم أن وقوعه في ذنب بعد الطاعة يعني أنه خسر كل شيء، فيترك المجاهدة ويستسلم. وهذا من مداخل الشيطان. فالواجب أن يبادر بالتوبة، ولا يجعل الذنب الواحد بداية سقوط طويل.
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].
اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ.
رواه الترمذي، وحسنه جماعة من أهل العلم.
الأسبابخامسا: احفظ أسباب الطاعة وابتعد عن أسباب الانتكاس
الثبات بعد المواسم يحتاج إلى حفظ الأسباب. فمن عرف أن بعض المجالس أو التطبيقات أو العلاقات أو العادات تضعف قلبه، فليحذر منها، ولا يفتح على نفسه أبواب الفتنة.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الكهف: 28].
- صحبة صالحة تذكرك بالله.
- تقليل ما يفتح باب الغفلة والمعصية.
- ترتيب وقت النوم والاستيقاظ.
- حضور درس علم أو قراءة نافعة.
- جعل البيت بيئة ذكر وصلاة وقرآن.
- ترك الوحدة الطويلة التي تفتح باب الوساوس والشهوات.
- مراقبة الله في السر قبل العلن.
كل العامسادسا: لا تكن عبد موسم فقط
المواسم المباركة توقظ القلب، لكنها ليست بديلا عن الاستقامة في كل الحياة. فمن عبد الله في رمضان، فالله يعبد في شوال وسائر الشهور. ومن اجتهد في عشر ذي الحجة، فليحمل أثرها إلى ما بعدها.
{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
فالعبد لا يدري متى يلقاه أجله، والعاقل يجعل المواسم محطات تقوية، لا لحظات مؤقتة تنتهي بانتهاء الزمان.
دعاء الثباتثامنا: أكثر من دعاء الثبات
القلب بين يدي الله، والثبات نعمة لا تنال بمجرد قوة الإنسان أو ذكائه. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء الثبات.
يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ.
رواه الترمذي، وصححه جماعة من أهل العلم.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} [آل عمران: 8].
فليكثر المسلم من هذا الدعاء، وخاصة بعد الطاعة، وعند خوف الفتنة، وفي السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي آخر الليل.
الأخلاقتاسعا: راقب أثر الطاعة في الأخلاق والمعاملة
من ثمرات الطاعة الصادقة أن يظهر أثرها في الخلق: بر بالوالدين، حسن عشرة مع الزوج أو الزوجة، رحمة بالأبناء، صدق في البيع والشراء، حفظ اللسان، وترك الظلم والغيبة.
{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلِذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45].
فليس المقصود أن يكون المسلم نشيطا في العبادة ثم سيئ الخلق مع أهله أو ظالما للناس.
الشكرعاشرا: احمد الله على التوفيق واسأله المزيد
إذا وفقك الله لطاعة بعد موسم مبارك، فلا تنسب الفضل إلى نفسك، بل احمد الله، واسأله المزيد من فضله.
{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53].
{لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
فالشكر يحفظ النعم ويزيدها، ومن أعظم الشكر أن تستعمل نعمة الصحة والوقت والهداية في طاعة الله.
أخطاء شائعةأخطاء شائعة بعد المواسم المباركة
- ترك الصلاة أو تأخيرها بعد نشاط الموسم.
- الانقطاع الكامل عن القرآن بعد رمضان أو الحج أو عشر ذي الحجة.
- وضع برنامج كبير جدا ثم تركه كله بعد أيام.
- الرجوع إلى صحبة السوء أو أسباب الذنب.
- اليأس عند أول ضعف أو تقصير.
- الغرور بالطاعة واحتقار المقصرين.
- جعل العبادة مرتبطة بالمشاعر فقط، فإذا ضعفت المشاعر ترك العمل.
- نسيان سؤال الله القبول والثبات.
علامات الخيرعلامات حسنة بعد الموسم
لا يجزم المسلم لنفسه بالقبول، لكن من العلامات التي يرجو بها الخير:
- أن يكون بعد الموسم أحسن منه قبله.
- أن يحافظ على الفرائض.
- أن يبقى له ورد ثابت من القرآن والذكر.
- أن يكره الرجوع إلى الذنب.
- أن يكون ألين قلبا وأحسن خلقا.
- أن يسأل الله القبول ويخاف من التقصير.
- أن يستمر على طاعة ولو قليلة.
سؤالهل ضعف الهمة بعد الموسم دليل على عدم قبول العمل؟
ليس بالضرورة. فالإنسان قد ينشط في أوقات ويفتر في أوقات، لكن الخطر أن يتحول الفتور إلى ترك للفرائض أو رجوع إلى المعاصي. فإذا ضعف العبد فليحافظ على الواجبات، وليثبت على القليل، وليسأل الله الثبات.
سؤالماذا أفعل إذا رجعت إلى ذنب قديم بعد الموسم؟
تب إلى الله فورا، ولا تؤخر التوبة. اقطع أسباب الذنب، وابتعد عن مواضعه، واستبدل السيئة بحسنة، ولا تيأس من رحمة الله.
سؤالما أقل برنامج أحافظ عليه بعد الموسم؟
أقل برنامج نافع: الصلاة في وقتها، أذكار الصباح والمساء، ورد قرآن يسير، استغفار يومي، وترك ذنب تعلم أنه يضعف قلبك. وإذا ثبت العبد على هذا، زاد بعد ذلك بحسب قدرته.
سؤالهل الأفضل كثرة النوافل أم المحافظة على القليل؟
الأفضل أن يبدأ المسلم بما يقدر على الدوام عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" متفق عليه. فإذا فتح الله عليه وزاد بلا انقطاع ولا تفريط في واجب، فذلك خير.
سؤالكيف أحافظ على الطاعة مع العمل أو الدراسة؟
اجعل الفرائض أولا، ثم اجعل لنفسك أعمالا قصيرة ثابتة: أذكارك في الطريق، ورد قرآن قبل النوم أو بعد الفجر، صدقة يسيرة، ودعاء في السجود. الطاعة لا تحتاج دائما إلى وقت طويل، لكنها تحتاج إلى صدق وتنظيم واستعانة بالله.
سؤالهل يكفي أن أجتهد في رمضان أو عشر ذي الحجة فقط؟
لا. الاجتهاد في المواسم خير عظيم، لكنه لا يغني عن الاستقامة في بقية العام. قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ} [الحجر: 99]. فالمسلم يفرح بالمواسم، ويجعلها زادا لما بعدها.
سؤالكيف أعرف أنني أسير في الطريق الصحيح بعد الموسم؟
انظر إلى الفرائض أولا: هل تحافظ عليها؟ ثم انظر إلى الذنوب: هل تجاهد نفسك على تركها؟ ثم انظر إلى الأعمال الدائمة: هل لك نصيب ثابت ولو قليل؟ إذا وجدت ذلك، فاحمد الله، واسأله الزيادة والثبات.
خاتمةخاتمة
المواسم المباركة نعمة عظيمة، لكنها ليست نهاية الطريق، بل هي زاد يعين المسلم على الاستقامة بعدها. فاحفظ أثر الطاعة بسؤال القبول، والمحافظة على الفرائض، والتوبة السريعة، والدوام على القليل، وصحبة الصالحين، وكثرة دعاء الثبات.
ومن وفقه الله لطاعة بعد طاعة فليعلم أن ذلك من فضل الله، فليحمد ربه، وليقل بقلب صادق: ربنا تقبل منا، وثبت قلوبنا على دينك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.