المرض والشفاء

فضل عيادة المريض وآدابها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عيادة المريض عبادة جليلة، وحق من حقوق المسلم على أخيه، وفيها مواساة للمريض، وإدخال للسرور عليه، ودعاء له، وتقوية للمحبة والتراحم بين المسلمين. وليست الزيارة مقصودة لذاتها فقط، بل ينبغي أن تحقق النفع والراحة وألا تزيد المريض تعبا أو حرجا.

قال الله تعالى:

{إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].

معنى عيادة المريض وحكمها
قسم المقال

معنى عيادة المريض وحكمها

عيادة المريض هي زيارته للاطمئنان عليه، ومواساته، والدعاء له، والقيام بما يمكن من حاجته. وتشرع في المرض الذي جرت العادة بعيادة صاحبه، مع مراعاة حال المريض ورغبته وتعليمات علاجه.

وقد دلت السنة على تأكد عيادة المريض. فعدها جمهور أهل العلم سنة مؤكدة، وذهب بعضهم إلى وجوبها أو إلى أنها فرض كفاية. وقد تتعين في حق شخص إذا لم يجد المريض من يقوم بحاجته، أو وجب عليه حق خاص من قرابة أو نفقة أو رعاية. والمقصود ألا يهمل المسلم أخاه المريض، مع مراعاة القدرة وعدم الضرر.

عيادة المريض من حقوق المسلم
قسم المقال

عيادة المريض من حقوق المسلم

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ".

رواه البخاري (1240)، ومسلم (2162).

وهذا يدل على أن عيادة المريض ليست أمرا هامشيا، بل من الحقوق المؤكدة التي تقوي الأخوة والرحمة بين المسلمين.

فضل عيادة المريض

الزائر في خرفة الجنة

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجَنَّةِ". قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: "جَنَاهَا".

رواه مسلم (2568).

ومعنى خرفة الجنة: ما يجتنى من ثمارها. وفيه بيان عظيم فضل من عاد المريض مخلصا لله ومتأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

دعاء الملائكة للزائر

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ أَتَى أَخَاهُ المُسْلِمَ عَائِدًا مَشَى فِي خِرَافَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِنْ كَانَ غُدْوَةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ كَانَ مَسَاءً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ".

رواه ابن ماجه (1442)، وحسنه أهل العلم.

ما يقال ويفعل عند عيادة المريض

لا بأس عليك طهور إن شاء الله

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للمريض:

"لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ".

رواه البخاري (7470).

ومعناه: نرجو أن يكون المرض سببا للتطهير من الذنوب ورفعة الدرجات. وهذه الكلمة دعاء ورجاء، وليست شهادة جازمة بأن المريض سيشفى أو أن مرضه قد كفر جميع ذنوبه؛ فذلك إلى الله سبحانه.

الدعاء سبع مرات بالشفاء

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ".

رواه أبو داود (3106)، وصححه الألباني.

فيقول الزائر سبع مرات:

"أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ".

دعاء رب الناس الشافي

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول:

"اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ البَأْسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا".

رواه البخاري (5743)، ومسلم (2191).

وللزائر أن يدعو بهذا الدعاء. أما مسح الجسد فلا يفعله إلا حيث يجوز اللمس ويأذن المريض ولا يتضرر أو ينزعج بذلك.

تذكير المريض بأجر الصبر برفق

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ".

رواه البخاري (5641 و5642)، وروى مسلم (2573) معناه.

فيذكر المريض بهذا الوعد برفق إذا كان في ذلك تسلية له، من غير أن يجزم بأن مرضه عقوبة، أو يدعي معرفة منزلته عند الله، أو يطالبه بإخفاء ألمه وترك طلب العلاج.

آداب عيادة المريض
قسم المقال

آداب عيادة المريض

  1. إخلاص النية لله، واحتساب الأجر، وقصد المواساة والنفع.
  2. الاستئذان قبل الزيارة، واختيار الوقت المناسب للمريض لا الوقت الأنسب للزائر وحده.
  3. مراعاة رغبة المريض؛ فمن حقه أن يعتذر عن استقبال الزوار أو يطلب تقليلهم.
  4. تخفيف الزيارة إذا كان المريض يتعب، ويجوز إطالتها إذا كان يأنس بذلك ولا تلحقه مشقة.
  5. خفض الصوت، وتقليل الأسئلة، وعدم إرهاقه بطلب تفاصيل مرضه أو علاجه.
  6. الدعاء له، وتطييب خاطره، وتذكيره برحمة الله والصبر بلطف ومن غير موعظة طويلة تثقل عليه.
  7. عرض المساعدة العملية، كإحضار حاجة مباحة، أو قضاء مصلحة، أو مساعدة أهله، من غير تكلف ولا إحراج.
  8. حفظ خصوصيته، وعدم نشر خبره أو تشخيصه أو صورته أو محادثته إلا بإذن صريح.
  9. الالتزام بتعليمات الأطباء والمستشفى وإجراءات الوقاية من العدوى؛ فحفظ النفس ومنع الضرر مقصد معتبر.
  10. مراعاة أحكام الحجاب والخلوة واللمس عند زيارة غير المحرم، وأمن الفتنة، واحترام خصوصية المريض.
  11. عدم إعطاء وصفات أو نصائح طبية بغير علم، وعدم حث المريض على ترك علاج وصفه أهل الاختصاص.
  12. عدم استعمال العطور القوية أو اصطحاب من يسبب الضوضاء إلا إذا أذن المريض وكان في ذلك سرور له.
أخطاء ينبغي تجنبها عند زيارة المريض
قسم المقال

أخطاء ينبغي تجنبها عند زيارة المريض

  • إطالة الزيارة مع ظهور التعب على المريض.
  • إخافته بقصص الأمراض أو الوفيات أو توقع أسوأ النتائج.
  • القول إن مرضه عقوبة من الله؛ فلا يعلم ذلك إلا الله، والمرض قد يكون تكفيرا ورفعة وابتلاء.
  • لومه، أو التحقيق معه في أسباب مرضه، أو إحراجه بأسئلة شخصية.
  • الجزم له بالشفاء أو تحديد وقت له من غير علم.
  • نشر حالته أو طلب تصويره أو إرسال صوره من غير إذنه.
  • مخالفة تعليمات العزل أو الوقاية بحجة التوكل؛ فالتوكل يجمع صدق الاعتماد على الله والأخذ بالأسباب المشروعة.
  • الإكثار من الحديث عن الموت على وجه يخيفه أو يقطع رجاءه. أما إذا احتاج إلى تذكير بالتوبة أو الوصية أو قضاء الحقوق، فيكون ذلك بلطف وحكمة، ومن شخص يحسن الخطاب، وبقدر الحاجة.
إذا تعذرت زيارة المريض
قسم المقال

إذا تعذرت زيارة المريض

إذا تعذرت الزيارة لبعد المكان، أو منع طبي، أو عدوى، أو حاجة المريض إلى الراحة، فيشرع السؤال عنه بالاتصال أو الرسالة، والدعاء له، وإرسال ما ينفعه، ومساعدة أهله. وهذه أعمال صالحة، لكن لا يجزم بأنها تقوم مقام الفضل الخاص المرتب في النصوص على عيادة المريض حضورا.

أسئلة شائعة عن عيادة المريض
سؤال وجواب

هل عيادة المريض واجبة؟

هي سنة مؤكدة وحق عظيم من حقوق المسلم عند جمهور أهل العلم، وقيل بوجوبها أو بأنها فرض كفاية. وقد تتعين إذا لم يوجد من يقضي حاجة المريض، أو ترتب على تركها تضييع حق واجب كحق الوالدين أو من تلزم رعايته.

سؤال وجواب

هل تجوز عيادة المريض غير المسلم؟

نعم، تجوز عيادة غير المسلم للإحسان، أو صلة الرحم، أو حق الجوار، أو رجاء دعوته إلى الإسلام بالحكمة. وقد ثبت في صحيح البخاري (1356) أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد غلاما يهوديا كان مريضا.

سؤال وجواب

هل تجوز عيادة المريض من غير المحارم؟

يجوز عند الحاجة أو المصلحة المعتبرة مع الالتزام بالحجاب، وعدم الخلوة أو اللمس، وأمن الفتنة، ومراعاة خصوصية المريض. وقد تكون المكالمة أو الرسالة أولى إذا لم تنضبط الزيارة بهذه الضوابط.

سؤال وجواب

ماذا يفعل الزائر عند وجود عدوى أو عزل طبي؟

تراعى تعليمات الأطباء والجهة العلاجية، ولا يدخل الزائر إذا كانت الزيارة تضر بالمريض أو بالزائر أو تنقل العدوى إلى غيرهما. ويمكن تحقيق المواساة بوسائل الاتصال والمساعدة عن بعد حتى يؤذن بالزيارة الآمنة.

سؤال وجواب

ما أفضل وقت ومدة لزيارة المريض؟

لا يثبت في السنة تخصيص وقت أو مدة واحدة لكل زيارة. وذكر الغدوة والمساء في حديث فضل العيادة لا يحصر الزيارة فيهما. والضابط هو مصلحة المريض وحاله ورغبته؛ فيختار الزائر الوقت المناسب، وقد تكون دقائق قليلة أنفع من جلسة طويلة، وقد يأنس المريض ببقاء قريب منه.

سؤال وجواب

هل قول لا بأس طهور إن شاء الله يضمن الشفاء؟

لا. هو دعاء ورجاء بأن يجعل الله المرض تطهيرا وخيرا، وليس إخبارا بالغيب أو ضمانا للشفاء. ويقال مع حسن الظن بالله من غير وعود لا يملكها الإنسان.

سؤال وجواب

هل يجمع المريض بين الرقية والعلاج الطبي؟

الرقية والدعاء من الأسباب الشرعية، والعلاج الطبي المباح من الأسباب الحسية. والمشروع الجمع بينهما بحسب الحاجة، فلا يترك الدواء النافع بغير حجة، ولا يتعلق القلب بالطبيب أو الدواء استقلالا؛ فالشافي هو الله وحده.

سؤال وجواب

هل يجوز لأهل المريض تنظيم الزيارة أو منعها مؤقتا؟

يجوز لهم تنظيم الزيارة أو منعها مؤقتا إذا طلب المريض ذلك، أو احتاج إلى الراحة، أو قرر الفريق الطبي أن الزيارة تضره. ويحترم الزائر هذا القرار ولا يعده إساءة شخصية.

سؤال وجواب

هل يطلب الزائر من المريض أن يدعو له؟

يجوز للمسلم أن يطلب الدعاء من أخيه الحي القادر في الجملة، لكن لا يثبت تخصيص المريض بأن دعاءه مثل دعاء الملائكة. فالحديث الوارد في ذلك رواه ابن ماجه (1441) وهو ضعيف، فلا يجعل طلب الدعاء من المريض سنة خاصة مرتبطة بالعيادة، ولا يكلف المريض ما يشق عليه.

سؤال وجواب

هل تشرع الرقية أثناء عيادة المريض؟

نعم، تشرع الرقية بالقرآن والأدعية الصحيحة إذا رضي المريض ولم تلحقه مشقة، ومن ذلك الفاتحة والمعوذات. لكن لا يثبت تخصيص سورة معينة لمجرد عيادة المريض، ولا اتخاذ القراءة الجماعية هيئة راتبة، ولا رفع الصوت بما يزعجه أو يزعج بقية المرضى.

مقالات ذات صلة
زيارة رحيمة نافعة بلا ضرر
الخلاصة

زيارة رحيمة نافعة بلا ضرر

عيادة المريض عبادة تجمع الرحمة والدعاء والمواساة وقضاء الحاجة. وكمالها أن تكون خالصة لله، موافقة للسنة، نافعة للمريض، حافظة لخصوصيته، بعيدة عن التكلف والضرر. فليجعل المسلم زيارته سببا للطمأنينة والتخفيف، وليس عبئا جديدا على المريض وأهله.