المرض والشفاءفضل عيادة المريض وآدابها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
عيادة المريض عبادة جليلة، وحق من حقوق المسلم على أخيه، وفيها مواساة للمريض، وإدخال للسرور عليه، ودعاء له، وتقوية للمحبة والتراحم بين المسلمين. وليست الزيارة مقصودة لذاتها فقط، بل ينبغي أن تحقق النفع والراحة وألا تزيد المريض تعبا أو حرجا.
قال الله تعالى:
{إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].
قسم المقالعيادة المريض من حقوق المسلم
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ".
رواه البخاري (1240)، ومسلم (2162).
وهذا يدل على أن عيادة المريض ليست أمرا هامشيا، بل من الحقوق المؤكدة التي تقوي الأخوة والرحمة بين المسلمين.
الزائر في خرفة الجنة
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الجَنَّةِ". قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: "جَنَاهَا".
رواه مسلم (2568).
ومعنى خرفة الجنة: ما يجتنى من ثمارها. وفيه بيان عظيم فضل من عاد المريض مخلصا لله ومتأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
دعاء الملائكة للزائر
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ أَتَى أَخَاهُ المُسْلِمَ عَائِدًا مَشَى فِي خِرَافَةِ الجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِنْ كَانَ غُدْوَةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ كَانَ مَسَاءً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ".
رواه ابن ماجه (1442)، وحسنه أهل العلم.
لا بأس عليك طهور إن شاء الله
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للمريض:
"لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ".
رواه البخاري (7470).
ومعناه: نرجو أن يكون المرض سببا للتطهير من الذنوب ورفعة الدرجات. وهذه الكلمة دعاء ورجاء، وليست شهادة جازمة بأن المريض سيشفى أو أن مرضه قد كفر جميع ذنوبه؛ فذلك إلى الله سبحانه.
الدعاء سبع مرات بالشفاء
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ".
رواه أبو داود (3106)، وصححه الألباني.
فيقول الزائر سبع مرات:
"أَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ".
دعاء رب الناس الشافي
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول:
"اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ البَأْسَ، اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا".
رواه البخاري (5743)، ومسلم (2191).
وللزائر أن يدعو بهذا الدعاء. أما مسح الجسد فلا يفعله إلا حيث يجوز اللمس ويأذن المريض ولا يتضرر أو ينزعج بذلك.
تذكير المريض بأجر الصبر برفق
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ".
رواه البخاري (5641 و5642)، وروى مسلم (2573) معناه.
فيذكر المريض بهذا الوعد برفق إذا كان في ذلك تسلية له، من غير أن يجزم بأن مرضه عقوبة، أو يدعي معرفة منزلته عند الله، أو يطالبه بإخفاء ألمه وترك طلب العلاج.
سؤال وجوابهل عيادة المريض واجبة؟
هي سنة مؤكدة وحق عظيم من حقوق المسلم عند جمهور أهل العلم، وقيل بوجوبها أو بأنها فرض كفاية. وقد تتعين إذا لم يوجد من يقضي حاجة المريض، أو ترتب على تركها تضييع حق واجب كحق الوالدين أو من تلزم رعايته.
سؤال وجوابهل تجوز عيادة المريض غير المسلم؟
نعم، تجوز عيادة غير المسلم للإحسان، أو صلة الرحم، أو حق الجوار، أو رجاء دعوته إلى الإسلام بالحكمة. وقد ثبت في صحيح البخاري (1356) أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد غلاما يهوديا كان مريضا.
سؤال وجوابهل تجوز عيادة المريض من غير المحارم؟
يجوز عند الحاجة أو المصلحة المعتبرة مع الالتزام بالحجاب، وعدم الخلوة أو اللمس، وأمن الفتنة، ومراعاة خصوصية المريض. وقد تكون المكالمة أو الرسالة أولى إذا لم تنضبط الزيارة بهذه الضوابط.
سؤال وجوابماذا يفعل الزائر عند وجود عدوى أو عزل طبي؟
تراعى تعليمات الأطباء والجهة العلاجية، ولا يدخل الزائر إذا كانت الزيارة تضر بالمريض أو بالزائر أو تنقل العدوى إلى غيرهما. ويمكن تحقيق المواساة بوسائل الاتصال والمساعدة عن بعد حتى يؤذن بالزيارة الآمنة.
سؤال وجوابما أفضل وقت ومدة لزيارة المريض؟
لا يثبت في السنة تخصيص وقت أو مدة واحدة لكل زيارة. وذكر الغدوة والمساء في حديث فضل العيادة لا يحصر الزيارة فيهما. والضابط هو مصلحة المريض وحاله ورغبته؛ فيختار الزائر الوقت المناسب، وقد تكون دقائق قليلة أنفع من جلسة طويلة، وقد يأنس المريض ببقاء قريب منه.
سؤال وجوابهل قول لا بأس طهور إن شاء الله يضمن الشفاء؟
لا. هو دعاء ورجاء بأن يجعل الله المرض تطهيرا وخيرا، وليس إخبارا بالغيب أو ضمانا للشفاء. ويقال مع حسن الظن بالله من غير وعود لا يملكها الإنسان.
سؤال وجوابهل يجمع المريض بين الرقية والعلاج الطبي؟
الرقية والدعاء من الأسباب الشرعية، والعلاج الطبي المباح من الأسباب الحسية. والمشروع الجمع بينهما بحسب الحاجة، فلا يترك الدواء النافع بغير حجة، ولا يتعلق القلب بالطبيب أو الدواء استقلالا؛ فالشافي هو الله وحده.
سؤال وجوابهل يجوز لأهل المريض تنظيم الزيارة أو منعها مؤقتا؟
يجوز لهم تنظيم الزيارة أو منعها مؤقتا إذا طلب المريض ذلك، أو احتاج إلى الراحة، أو قرر الفريق الطبي أن الزيارة تضره. ويحترم الزائر هذا القرار ولا يعده إساءة شخصية.
سؤال وجوابهل يطلب الزائر من المريض أن يدعو له؟
يجوز للمسلم أن يطلب الدعاء من أخيه الحي القادر في الجملة، لكن لا يثبت تخصيص المريض بأن دعاءه مثل دعاء الملائكة. فالحديث الوارد في ذلك رواه ابن ماجه (1441) وهو ضعيف، فلا يجعل طلب الدعاء من المريض سنة خاصة مرتبطة بالعيادة، ولا يكلف المريض ما يشق عليه.
سؤال وجوابهل تشرع الرقية أثناء عيادة المريض؟
نعم، تشرع الرقية بالقرآن والأدعية الصحيحة إذا رضي المريض ولم تلحقه مشقة، ومن ذلك الفاتحة والمعوذات. لكن لا يثبت تخصيص سورة معينة لمجرد عيادة المريض، ولا اتخاذ القراءة الجماعية هيئة راتبة، ولا رفع الصوت بما يزعجه أو يزعج بقية المرضى.