سنن يوم الجمعة وآدابه

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

يوم الجمعة يوم عظيم في الإسلام، اختصه الله بفضائل كثيرة، وجعله عيد الأسبوع للمسلمين، وفيه تجتمع الأمة للصلاة والذكر والخطبة، وفيه من السنن والآداب ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه، رجاء الأجر، وطلبا للبركة، وتعظيما لهذه الشعيرة العظيمة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ" رواه مسلم.

فهذا يدل على عظيم شأن هذا اليوم، وأنه أفضل أيام الأسبوع، وفيه من الخصائص والفضائل ما يدعو المسلم إلى تعظيمه، والاستعداد له، وإحيائه بما شرع الله من السنن والآداب.

لماذا كان يوم الجمعة يوما مميزا؟

جاءت النصوص ببيان فضائل عظيمة لهذا اليوم، فمنها:

  • أن فيه خلق آدم عليه السلام
  • وفيه أدخل الجنة
  • وفيه أخرج منها
  • وفيه تقوم الساعة
  • وفيه ساعة إجابة

ولهذا كان من فقه المسلم أن يعتني بيوم الجمعة ظاهرا وباطنا، وأن يستعد له بما شرع الله.

من سنن يوم الجمعة وآدابه

يوم الجمعة يوم عبادة وذكر وتهيؤ، وقد شرعت فيه سنن وآداب عظيمة، من حرص عليها نال خيرا كثيرا، ومن فرط فيها فاته من الأجر بحسب ما ترك.

الأول: الغسل والتطيب ولبس أحسن الثياب

من سنن يوم الجمعة العظيمة: الاغتسال قبل الذهاب إلى صلاة الجمعة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ" متفق عليه.

وقد حمل كثير من أهل العلم هذا الوجوب على شدة التأكيد في حق من له رائحة أو يحتاج إلى إزالة ما يؤذي الناس، بينما رأى آخرون وجوبه على ظاهره، وعلى كل حال فالغسل من آكد سنن يوم الجمعة، ولا ينبغي للمسلم أن يفرط فيه.

ومن السنة في هذا اليوم أن يلبس المسلم أحسن ما يجد من الثياب، وأن يتطيب إذا كان من أهل الطيب، وأن يعتني بنظافته وهيئته، فهذا من تعظيم شعائر الله، ومن مراعاة حرمة المسجد، ومن حسن الأدب مع المصلين.

الثاني: التبكير إلى الجمعة

التبكير إلى الجمعة من السنن العظيمة التي ورد فيها فضل كبير.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

"مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" متفق عليه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" رواه مسلم.

وفي هذا الحديث ترغيب واضح في التبكير، وأن مراتب الناس في الأجر تتفاوت بحسب سبقهم إلى الجمعة.

وعن أوس بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَغَدَا وَابْتَكَرَ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ؛ صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه أو حسنه جماعة من أهل العلم.

وفي هذا الحديث زيادة ترغيب في الاغتسال المبكر، والتبكير إلى الجمعة، والدنو من الإمام، وترك اللغو حال الخطبة.

الثالث: المشي إلى المسجد بسكينة والدنو من الإمام

من الآداب المهمة أن يخرج المسلم إلى المسجد بسكينة ووقار، وأن يبتعد عن العجلة واللغو والانشغال بما يصرفه عن استحضار حرمة هذا اليوم.

ويستحب أن يمشي إذا تيسر له، لأن المشي إلى الطاعة من أسباب زيادة الأجر.

الرابع: عدم التفريق بين اثنين وترك تخطي الرقاب وصلاة ما تيسر قبل الخطبة

من آداب الجمعة أن لا يفرق المسلم بين اثنين، وأن لا يتخطى رقاب الناس، وأن يجلس حيث ينتهي به المجلس، وأن يصلي من النافلة ما كتب الله له قبل الخطبة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى" رواه البخاري.

إذا دخل المسلم المسجد يوم الجمعة، فإنه يصلي ما كتب الله له قبل جلوس الإمام على المنبر، أو يصلي تحية المسجد إذا دخل والإمام لم يخطب بعد.

أما إذا دخل والإمام يخطب، فإنه يصلي ركعتين خفيفتين ثم يجلس.

الخامس: تحية المسجد ولو والإمام يخطب

عن جابر رضي الله عنه: "أَنَّ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا" رواه مسلم.

السادس: الإنصات للخطبة وترك اللغو

إذا شرع الإمام في الخطبة، وجب على المسلم أن ينصت، وأن يترك الكلام والعبث والانشغال.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ" متفق عليه.

فإذا كان قول "أنصت" نفسه يعد لغوا في هذه الحال، فكيف بالكلام الكثير أو الانشغال بالهاتف أو الالتفات عن الخطبة.

السابع: الصلاة بعد الجمعة

من السنن بعد صلاة الجمعة أن يصلي المسلم بعدها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا" رواه مسلم.

وقد ذكر أهل العلم أن أقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وأكملها أربع، جمعا بين الأحاديث الواردة في ذلك.

الثامن: قراءة سورة الكهف

من السنن المشهورة في يوم الجمعة قراءة سورة الكهف.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَن قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ" رواه الحاكم، وصححه جماعة من أهل العلم.

فينبغي للمسلم أن يحرص على قراءتها في يوم الجمعة أو ليلتها.

التاسع: كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

من أعظم ما يستحب في يوم الجمعة الإكثار من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ" رواه أبو داود وغيره، وصححه جماعة من أهل العلم.

وهذه عبادة يسيرة عظيمة الأجر، وهي من علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم حقه.

العاشر: كثرة الدعاء وتحري ساعة الإجابة

في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ" رواه مسلم.

وقد اختلف أهل العلم في تعيينها، ومن أقوى الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر، وقيل: إنها ما بين جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة.

وقد ذكر أهل العلم أن أرجى الوقتين: ما بعد العصر إلى غروب الشمس، والوقت من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، وكلاهما ورد فيه دليل، فينبغي اغتنامهما بالدعاء.

آداب ينبغي مراعاتها يوم الجمعة

من الآداب المهمة:

  • تقليم الأظفار وإزالة الروائح الكريهة عند الحاجة
  • ترك تخطي رقاب الناس في المسجد
  • الجلوس حيث ينتهي به المجلس
  • عدم التفريق بين اثنين إلا بإذنهما
  • ترك العبث بالفرش أو الهاتف أو الثياب أثناء الخطبة
  • الإكثار من الذكر والدعاء

أخطاء شائعة يوم الجمعة

  • التأخر عن الجمعة بلا عذر
  • ترك الغسل مع القدرة عليه
  • الانشغال بالهاتف أثناء الخطبة
  • الكلام وقت الخطبة
  • أذية الناس بتخطي الرقاب أو مزاحمتهم
  • الاقتصار على المظاهر دون استحضار العبادة والذكر

كيف يحيي المسلم يوم الجمعة عمليا؟

من البرنامج النافع:

  1. الاغتسال والتهيؤ مبكرا.
  2. لبس الثياب النظيفة والتطيب.
  3. التبكير إلى المسجد.
  4. قراءة سورة الكهف.
  5. الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
  6. الإنصات التام للخطبة.
  7. الإكثار من الدعاء وتحري ساعة الإجابة.

أسئلة شائعة عن يوم الجمعة

هل قراءة سورة الكهف تكون قبل الصلاة فقط؟

لا، بل تقرأ في يوم الجمعة كله، ويدخل في ذلك ليلتها عند كثير من أهل العلم.

هل يجوز الكلام أثناء الخطبة للحاجة؟

الأصل أنه لا يجوز الكلام أثناء الخطبة، بل يجب الإنصات للخطيب، وقد جاء الوعيد على مجرد قول: "أنصت" والإمام يخطب. فلا يتكلم المسلم في الخطبة إلا عند الضرورة الملجئة التي لا تحتمل التأخير.

ما أفضل وقت للدعاء يوم الجمعة؟

من أرجى الأوقات: آخر ساعة بعد العصر، وكذلك ما بين جلوس الإمام إلى انتهاء الصلاة على قول جماعة من أهل العلم.

هل يكفي حضور الصلاة دون الاهتمام بسنن الجمعة؟

تصح الجمعة بحضور الصلاة، لكن يفوت المسلم خيرا عظيما بترك السنن والآداب التي ورد فيها الفضل.

خاتمة

يوم الجمعة يوم مبارك، ومنحة ربانية تتكرر كل أسبوع، وفيه من أبواب الخير ما يستحق من المسلم العناية والاهتمام. ومن وفقه الله لتعظيم هذا اليوم ظاهرا وباطنا، فقد وفق لخير كثير.

فاحرص على سنن الجمعة وآدابها، واغتنم هذا اليوم في الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن، واسأل الله أن يجعلك من أهل الجمعة الذين فازوا ببركتها وأجرها.