قسمسنن يوم الجمعة وآدابه بالأدلة
الأول: الغسل والسواك والتطيب ولبس أحسن الثياب
يشرع لمن يذهب إلى الجمعة أن يغتسل، ويستاك، ويتطيب، ويلبس من أحسن ثيابه المباحة.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ".
رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.
وغسل الجمعة سنة مؤكدة عند جمهور أهل العلم، وذهب طائفة إلى وجوبه أخذا بظاهر الأحاديث. وعلى المسلم ألا يفرط فيه، ولا سيما إذا احتاج إلى إزالة العرق أو الرائحة. ومن كانت عليه رائحة تؤذي المصلين وجب عليه إزالة الأذى، والغسل آكد في حقه.
والتطيب عند الخروج إلى الجمعة مشروع للرجال. أما المرأة إذا حضرت المسجد فلا تخرج متطيبة، لثبوت النهي عن خروجها إلى المسجد وقد أصابت بخورا أو طيبا.
ويبدأ وقت غسل الجمعة من فجر يوم الجمعة عند جمهور أهل العلم، والأفضل أن يكون قريبا من وقت الخروج حتى يبقى أثر النظافة.
الثاني: التبكير إلى صلاة الجمعة
التبكير إلى الجمعة من أعظم سننها، وتتفاوت مراتب الأجر بحسب السبق.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ".
متفق عليه.
وهذه الساعات ليست بالضرورة ستين دقيقة لكل ساعة، بل هي أجزاء من زمن التبكير قبل خروج الإمام. ومن أقوى الأقوال أنها تقسم من طلوع الشمس إلى خروج الإمام خمسة أجزاء، وقيل: تبدأ من طلوع الفجر. والمقصود العملي أن يبادر المسلم ولا يجعل وصوله المعتاد قبيل صعود الخطيب تبكيرا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ".
رواه مسلم.
الثالث: المشي إلى المسجد والدنو من الإمام والإنصات
يستحب أن يمشي المسلم إلى الجمعة إذا تيسر له ذلك من غير مشقة، وأن يأتي بسكينة ووقار، ويدنو من الإمام من غير إيذاء للناس، ثم يستمع للخطبة ولا يلغو.
عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ، فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ؛ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا".
رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وحسنه أو صححه جماعة من أهل العلم.
وقد اختلف الشراح في معنى "غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ"، فقيل: غسل رأسه واغتسل، وقيل غير ذلك. والمقصود أن الحديث جمع جملة من أعمال الجمعة العظيمة: الاغتسال، والتبكير، والمشي، والدنو، والاستماع، وترك اللغو.
الرابع: عدم التفريق بين اثنين وترك تخطي الرقاب
من آداب الجمعة ألا يفرق المسلم بين اثنين، وألا يتخطى رقاب الناس ليصل إلى المقدمة بعد تأخره، بل يجلس حيث ينتهي به المجلس.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى".
رواه البخاري.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة وهو يخطب، فقال له:
"اجْلِسْ؛ فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ".
رواه أحمد بهذا اللفظ، وأصل الحديث عند أبي داود والنسائي بلفظ: "اجْلِسْ؛ فَقَدْ آذَيْتَ"، وصححه أهل العلم. ومعنى "آنَيْتَ": تأخرت.
ولا يقيم المسلم شخصا من مكان سبق إليه ليجلس مكانه؛ لأن السابق إلى المكان أحق به.
الخامس: صلاة ما تيسر قبل الخطبة وتحية المسجد
ليس للجمعة سنة راتبة قبلية بعدد محدد، لكن يشرع لمن جاء مبكرا أن يصلي ما تيسر له قبل خروج الإمام.
ومن دخل المسجد والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين ثم جلس وأنصت.
عن جابر رضي الله عنه:
"أَنَّ سُلَيْكًا الغَطَفَانِيَّ جَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا".
رواه مسلم.
السادس: الإنصات للخطبة وترك اللغو
إذا شرع الخطيب في الخطبة وجب الإنصات وترك الكلام والعبث والهاتف وكل ما يصرف عن الاستماع.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ".
متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ مَسَّ الحَصَى فَقَدْ لَغَا".
رواه مسلم.
فإذا كان أمر المتكلم بالسكوت يعد لغوا، فالكلام المعتاد والرسائل والتصفح والتصوير أولى بالمنع. ويستثنى من ذلك دفع ضرورة عاجلة لا تحتمل التأخير، كما يجوز مخاطبة الخطيب أو جوابه لحاجة معتبرة ثبت نظيرها في السنة.
وإذا غلب المصلي النعاس تحول من مكانه إلى مكان آخر إن أمكن من غير إيذاء ولا تخط للناس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ".
رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
السابع: الصلاة بعد الجمعة
ثبتت السنة بالصلاة بعد الجمعة ركعتين أو أربعا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا".
رواه مسلم.
وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما:
"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ".
متفق عليه.
فمن صلى ركعتين أو أربعا فقد عمل بسنة ثابتة. واختار بعض أهل العلم أن يصلي أربعا إذا صلى في المسجد، وركعتين إذا صلى في البيت، والأمر في ذلك واسع.
الثامن: قراءة سورة الكهف
يستحب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، وقد وردت في ذلك أحاديث مرفوعة يقوي بعضها بعضا، وثبت أصل ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
ومن أشهر ما ورد:
"مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الكَهْفِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الجُمُعَتَيْنِ".
رواه الحاكم والبيهقي، وحسنه أو صححه جماعة من أهل العلم.
ووقت قراءتها واسع، من غروب شمس يوم الخميس، وهو ابتداء ليلة الجمعة، إلى غروب شمس يوم الجمعة. والفضل الوارد متعلق بالقراءة، أما الاستماع إليها فعبادة نافعة، لكنه لا يسمى قراءة لمن كان قادرا عليها.
التاسع: قراءة سورتي السجدة والإنسان في فجر الجمعة
من السنة أن يقرأ الإمام في فجر الجمعة سورة السجدة كاملة في الركعة الأولى، وسورة الإنسان كاملة في الركعة الثانية.
عن ابن عباس رضي الله عنهما:
"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: {الم * تَنْزِيلُ} السَّجْدَةَ، وَ{هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ}".
رواه مسلم.
والمقصود قراءة السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر الخلق والمعاد، وليست السجدة وحدها هي المقصودة؛ فلا يشرع تعمد قراءة آيات سجدة من سورة أخرى اعتقادا أن المقصود مجرد السجود.
العاشر: قراءة السور الواردة في صلاة الجمعة
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة والمنافقون، وثبت أنه كان يقرأ بسورتي الأعلى والغاشية.
فهاتان سنتان ثابتتان للإمام، ينوع بينهما أحيانا، ولا يلزم أن يقرأ بهما في كل جمعة.
الحادي عشر: كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
من أعظم الأعمال المشروعة يوم الجمعة الإكثار من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ".
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد، وصححه جماعة من أهل العلم.
ولا يلزم لذلك عدد خاص أو صيغة مخترعة، بل يصلي المسلم على النبي صلى الله عليه وسلم بالصيغ المشروعة من غير التزام جماعي لم يثبت.
الثاني عشر: كثرة الدعاء وتحري ساعة الإجابة
في يوم الجمعة ساعة يرجى فيها قبول الدعاء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ فِي الجُمُعَةِ لَسَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ".
رواه مسلم.
وأبرز الأقوال في تعيينها قولان قويان:
- أنها من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء صلاة الجمعة.
- أنها آخر ساعة بعد العصر إلى غروب الشمس، وهو قول قوي دلت عليه أحاديث وآثار.
فينبغي للمسلم أن يغتنم الوقتين، وأن يكثر من الدعاء في سائر يوم الجمعة أيضا؛ ففضل الله واسع.