الأخلاق والآداب الإسلامية

صلة الرحم في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

صلة الرحم من أعظم الأخلاق التي أمر بها الإسلام، وهي عبادة عظيمة تدل على الإيمان، وحسن الخلق، وتعظيم ما عظمه الله. وليست صلة الرحم مجرد عادة اجتماعية أو مجاملة عائلية، بل هي طاعة لله، وسبب للبركة، وأمان للمجتمع من التفكك والقطيعة والقسوة.

وقد قرن الله تعالى الأمر بتقواه بالتذكير بالأرحام، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

وقال سبحانه في وصف أولي الألباب: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} [الرعد: 21].

فصلة الرحم عبادة قلب ولسان وجوارح، يقوم بها المسلم ابتغاء وجه الله، لا لمجرد أن الناس وصلوه أو أحسنوا إليه.

ما معنى صلة الرحم؟
قسم المقال

ما معنى صلة الرحم؟

صلة الرحم تعني الإحسان إلى الأقارب، والقيام بحقهم بحسب القدرة والعرف والحاجة، وذلك بالزيارة، والسلام، والسؤال، والاتصال، والهدية، والمساعدة، وكف الأذى، والدعاء، والوقوف معهم عند الحاجة.

وليست الصلة صورة واحدة لا تتغير، بل تختلف باختلاف حال القريب، وقربه، وحاجته، والقدرة، والعرف الصحيح الذي لا يخالف الشرع.

فصلة الوالدين أعظم من صلة غيرهما، وصلة الأخ والأخت ليست كصلة ابن العم البعيد، وصلة القريب المحتاج آكد من صلة القريب المستغني.

من هم الأرحام الذين تجب صلتهم؟
قسم المقال

من هم الأرحام الذين تجب صلتهم؟

الأرحام هم الأقارب من جهة النسب، مثل: الوالدين، والأجداد، والجدات، والأولاد، والإخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات، وأولادهم، وسائر القرابة بحسب القرب والبعد.

وأعظمهم حقا: الوالدان، ثم الأقرب فالأقرب.

أما أقارب الزوج أو الزوجة، فلهم حق الإحسان وحسن المعاشرة بسبب المصاهرة والعشرة، لكنهم ليسوا من الأرحام من جهة النسب إلا إذا كان بينهم وبين الإنسان قرابة نسبية أيضا. ومع ذلك فالإحسان إليهم من مكارم الأخلاق ومن أسباب حسن العشرة بين الزوجين.

حكم صلة الرحم وقطعها
قسم المقال

حكم صلة الرحم وقطعها

صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطعها من كبائر الذنوب، ويتأكد حقها بحسب قرب الرحم وحاجته. وقد جاءت النصوص الكثيرة في الأمر بالصلة والتحذير من القطيعة.

قال الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22-23].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ" متفق عليه.

والمقصود بالقاطع: قاطع الرحم، كما جاء بيانه في روايات الحديث وكلام أهل العلم. وهذا من نصوص الوعيد الشديد، وهو يدل على أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب، لكنه لا يعني أن المسلم يكفر بمجرد القطيعة ما دام مقرا بتحريمها. فمن مات على التوحيد من غير توبة فهو تحت مشيئة الله؛ وقد فسر أهل العلم نفي دخول الجنة بأنه لا يدخلها ابتداء مع السابقين إن عوقب بذنبه، لا أنه يخلد في النار.

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].

فلا يجوز للمسلم أن يجعل الخلافات، أو الكبر، أو الحسد، أو حب الدنيا، سببا لقطع ما أمر الله به أن يوصل.

كيف تتحقق الصلة وما حد القطيعة؟
قسم المقال

كيف تتحقق الصلة وما حد القطيعة؟

لم يحدد الشرع عددا واحدا للزيارات أو الاتصالات يصلح لجميع الناس؛ لأن الصلة تختلف باختلاف قرب الرحم، وحاجته، والقدرة على الوصول إليه، والعرف الصحيح الذي لا يخالف الشرع. فما يعد صلة كافية لقريب بعيد قد لا يكفي في حق والد محتاج أو أخ قريب.

وليس كل تأخر عارض في الرد، أو فوات زيارة، أو انشغال مؤقت قطيعة للرحم. وإنما تظهر القطيعة بتعمد الهجر وترك ما يعده الناس صلة بالمعروف مع القدرة، ولا سيما عند مرض القريب أو حاجته أو وقوعه في شدة. وعلى المسلم أن يتفقد حاله، وألا يجعل الأعذار المؤقتة عادة دائمة تنتهي به إلى القطيعة.

فضل صلة الرحم
قسم المقال

فضل صلة الرحم

صلة الرحم لها فضائل عظيمة، منها:

  1. أنها طاعة لله وامتثال لأمره.
  2. أنها سبب لسعة الرزق والبركة في العمر.
  3. أنها سبب لمحبة الأقارب واجتماع القلوب.
  4. أنها تدفع الشحناء وتقلل الخصومات.
  5. أنها من مكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام.
  6. أنها من أسباب إصلاح البيوت والمجتمعات.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" متفق عليه.

ومعنى "ينسأ له في أثره": يؤخر له في أجله. ولا ينافي ذلك علم الله السابق وما كتبه في أم الكتاب؛ فقد ذكر أهل العلم أن الزيادة تكون فيما تكتبه الملائكة مما علقه الله على أسبابه، وقيل: المراد البركة في العمر والتوفيق للطاعة وبقاء الذكر الحسن. وكل ذلك داخل في قضاء الله وقدره.

صلة الرحم من خصال الإيمان
قسم المقال

صلة الرحم من خصال الإيمان

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" رواه البخاري.

فصلة الرحم من خصال الإيمان، ومن دلائل صدق العبد في طلب رضا الله.

صلة الرحم ليست مكافأة فقط
قسم المقال

صلة الرحم ليست مكافأة فقط

بعض الناس لا يصل رحمه إلا إذا وصلوه، ولا يزور إلا إذا زاروه، ولا يسأل إلا إذا سألوا عنه. وهذه ليست حقيقة الصلة الكاملة، بل هذه مكافأة ومقابلة بالمثل.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا" رواه البخاري.

فالواصل حقيقة هو الذي يصل ابتغاء وجه الله، حتى لو قصر بعض أقاربه، وحتى لو لم يجد منهم مثل ما يعطيهم، ما دام يستطيع الصلة بغير ضرر محقق.

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ"، فقال صلى الله عليه وسلم: "لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ" رواه مسلم.

والمَل هو الرماد الحار؛ والمعنى أن إساءتهم مع استمرار إحسانه تعود عليهم بالخزي والإثم، وأن الله يؤيده ما دام ثابتا على الإحسان. وليس في الحديث أمر للمسلم بأن يمكن قريبه من الاعتداء عليه أو أن يبقى في موضع خطر، وإنما فيه الحث على ألا يقابل الإساءة المعتادة بالقطيعة والإساءة.

الرحم متعلقة بالعرش
قسم المقال

الرحم متعلقة بالعرش

من أعظم ما ورد في شأن الرحم أن لها شأنا عظيما عند الله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ" رواه مسلم.

ونؤمن بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كما جاء، ونثبت لله ما أثبته له رسوله من الوصل والقطع على الوجه اللائق به، من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل. وهو يدل على أن صلة الرحم ليست أمرا بسيطا، بل هي من الحقوق العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يتفقد نفسه فيها، وألا يستهين بقطيعة قريب أو إهماله بلا عذر.

كيف تكون صلة الرحم؟
قسم المقال

كيف تكون صلة الرحم؟

صلة الرحم تكون بحسب القدرة والحاجة، ومن صورها:

  1. زيارة الأقارب، وخاصة الوالدين والأجداد والإخوة والأخوات.
  2. الاتصال والسؤال عن الحال.
  3. إرسال رسالة طيبة أو تهنئة مباحة في مناسبة مشروعة.
  4. مساعدة القريب المحتاج بالمال أو الخدمة أو الشفاعة الحسنة.
  5. عيادة المريض منهم.
  6. تعزية المصاب ومواساة الحزين.
  7. حضور المناسبات المباحة التي تقوي المحبة.
  8. الإصلاح بين الأقارب إذا وقع خلاف.
  9. كف الأذى عنهم، وحفظ اللسان من الغيبة والسب.
  10. الدعاء لهم بالهداية والصلاح والبركة.

وقد تكون رسالة صادقة أو اتصال قصير صلة نافعة، إذا كان هذا هو الممكن، خاصة مع البعد أو المشاغل أو وجود خلاف يحتاج إلى تدرج وحكمة.

ومن أفضل صور الصلة إعانة القريب المحتاج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ" رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني.

هل صلة الرحم تعني السكوت عن الظلم؟
قسم المقال

هل صلة الرحم تعني السكوت عن الظلم؟

لا. صلة الرحم لا تعني أن يرضى المسلم بالظلم، أو يقر المعصية، أو يسمح للناس أن يعتدوا عليه أو على أهله. الإسلام أمر بالصلة، وأمر كذلك بالعدل ورفع الضرر.

فإذا كان بعض الأقارب يؤذي أذى حقيقيا، أو يتعدى، أو يفسد البيت، أو يجر إلى معصية، فليس معنى الصلة أن يفتح المسلم له الباب بلا ضابط، بل يشرع تقليل المخالطة، ووضع حدود واضحة، ودفع الضرر، مع بقاء أصل الصلة الممكنة التي لا تضر، مثل السلام، أو الرسالة، أو السؤال، أو الدعاء، أو الإحسان عند الحاجة.

قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [التغابن: 16].

فالمسلم يجمع بين أمرين: لا يقطع رحمه ظلما وهو قادر على الصلة، ولا يعرض نفسه وأهله للضرر باسم الصلة. وإذا كان التواصل المباشر يوقع ضررا محققا، جاز أن تكون الصلة بطريق آمن، أو بواسطة شخص موثوق، أو أن تقتصر مؤقتا على ما يمكن من غير ضرر. أما عند الخوف من عنف أو اعتداء، فتقدم السلامة، ويستعان بأهل الخبرة والجهات المختصة، ولا يلزم لقاء القريب المؤذي أو تمكينه من البيت.

هل يجب طاعة الأقارب في المعصية؟
قسم المقال

هل يجب طاعة الأقارب في المعصية؟

لا تجوز طاعة أحد في معصية الله، سواء كان قريبا أو بعيدا. فصلة الرحم لا تعني طاعة القريب في الحرام، أو مشاركته في ظلم، أو ترك واجب شرعي لأجله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ" متفق عليه.

فإذا طلب القريب أمرا محرما، اعتذر المسلم بأدب، وبقي محسنا بقدر استطاعته في غير المعصية.

كيف يصل المسلم رحمه مع وجود خلافات؟
قسم المقال

كيف يصل المسلم رحمه مع وجود خلافات؟

كثير من القطيعة تبدأ بخلاف صغير، ثم يكبر بسبب الكبر، أو سوء الظن، أو نقل الكلام، أو تأخر الاعتذار. ومن أراد رضا الله فليبدأ بما يقدر عليه:

  1. يسلم إذا لقي قريبه.
  2. يرسل رسالة طيبة بلا جدال.
  3. يدعو له بظهر الغيب.
  4. يعتذر إذا أخطأ.
  5. يقبل الاعتذار إذا كان صادقا.
  6. يترك فتح الملفات القديمة بلا مصلحة.
  7. يستعين بشخص عاقل للإصلاح إذا احتاج.
  8. لا ينقل الكلام بين الأقارب.
  9. يجعل الصلة لله لا للانتصار للنفس.

وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10].

صلة الرحم مع القريب غير المسلم
قسم المقال

صلة الرحم مع القريب غير المسلم

اختلاف الدين لا يسقط حق القرابة في البر والصلة المباحة. قال الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ" متفق عليه.

فيصل المسلم قريبه غير المسلم بالزيارة المباحة، والهدية، والمساعدة، والكلمة الطيبة، مع دعوته إلى الإسلام بالحكمة، من غير موالاة دينية على الباطل ولا مشاركة في عبادة محرمة ولا طاعة في معصية.

صلة الرحم وضوابط المحارم
قسم المقال

صلة الرحم وضوابط المحارم

صلة الرحم لا تغير أحكام المحرمية؛ فابن العم وابن الخال وبنت العم وبنت الخال ليسوا من المحارم لمجرد القرابة. ولذلك تكون الصلة معهم من غير خلوة، ولا مصافحة محرمة، ولا كشف لما يجب ستره، ولا حديث يفضي إلى فتنة. ويمكن تحقيق الصلة بالسؤال العام، والمساعدة، والهدية، واللقاء العائلي المنضبط، وغير ذلك من الوسائل المباحة.

صلة الرحم بعد وفاة الوالدين
قسم المقال

صلة الرحم بعد وفاة الوالدين

لا تنتهي صلة أقارب الأب والأم بوفاتهما؛ فهم من رحم الإنسان من جهة النسب. ومن تمام البر بالوالدين بعد موتهما الدعاء لهما والاستغفار لهما إن ماتا على الإسلام، وصلة أقاربهما، وإكرام من كانا يحبانه من أهل الخير.

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ لَقِيَهُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ كَانَ يَرْكَبُهُ، وَأَعْطَاهُ عِمَامَةً كَانَتْ عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ ابْنُ دِينَارٍ: فَقُلْنَا لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّهُمُ الأَعْرَابُ، وَإِنَّهُمْ يَرْضَوْنَ بِاليَسِيرِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَبَا هَذَا كَانَ وُدًّا لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أَبَرَّ البِرِّ صِلَةُ الوَلَدِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ" رواه مسلم.

فمن أراد دوام البر بعد وفاة والديه فليتفقد أقاربهما، وليدع لهما، وليحسن إلى من كانا يحبانه من أهل الخير.

أخطاء شائعة في صلة الرحم
قسم المقال

أخطاء شائعة في صلة الرحم

  1. صلة من يصل فقط وترك من يقصر.
  2. قطع الرحم بسبب خلاف مالي أو موقف قديم.
  3. جعل وسائل التواصل بديلا كاملا عن السؤال والزيارة عند القدرة.
  4. الدخول في مجالس الغيبة والنميمة باسم العائلة.
  5. تحميل النفس فوق طاقتها حتى تمل وتنقطع.
  6. ترك الحدود الشرعية مع القريب المؤذي.
  7. طاعة الأقارب في المعصية أو الظلم.
  8. إهمال الأقارب المحتاجين مع القدرة على مساعدتهم.
  9. منع الزوج أو الزوجة من صلة الوالدين والأقارب بالمعروف.
  10. تأخير الاعتذار والإصلاح حتى تكبر القطيعة.
برنامج عملي لصلة الرحم
قسم المقال

برنامج عملي لصلة الرحم

يمكن للمسلم أن يجعل لنفسه برنامجا سهلا:

  1. يتصل بوالديه أو يزورهما بانتظام إن كانا أحياء.
  2. يخصص يوما في الأسبوع أو الشهر للسؤال عن بعض الأقارب.
  3. يكتب أسماء الأقارب الذين قصر في حقهم ويبدأ بالأقرب فالأقرب.
  4. يصل القريب المحتاج بما يستطيع.
  5. يرسل رسالة طيبة لمن بينه وبينه فتور.
  6. يدعو لأقاربه في سجوده ووقت دعائه.
  7. يبتعد عن نقل الكلام الذي يفسد القلوب.
  8. يبدأ بالسلام إذا لقي قريبه، ولو كان بينهما شيء.

والقليل الدائم خير من الحماس المؤقت الذي ينقطع.

أسئلة شائعة عن صلة الرحم
سؤال وجواب

هل صلة الرحم واجبة؟

نعم، صلة الرحم واجبة في الجملة، وقطعها من كبائر الذنوب. ويتأكد الوجوب بحسب قرب الرحم وحاجته وقدرة الإنسان. ولا يلزم أن تكون الصلة بصورة واحدة، بل تكون بما يحقق المقصود شرعا وعرفا من غير ضرر ولا معصية.

سؤال وجواب

هل يجب أن أزور كل الأقارب دائما؟

لا يلزم أن تكون الصلة بزيارة دائمة لكل قريب، خاصة مع البعد وكثرة المشاغل، لكن لا يجوز أن يهجر المسلم رحمه بلا سبب. والصلة تكون بالزيارة أو الاتصال أو الرسالة أو المساعدة أو السلام أو الدعاء، بحسب الحال.

سؤال وجواب

هل يكفي الاتصال والرسائل عن الزيارة؟

إذا كانت الزيارة ممكنة ومطلوبة عرفا للقريب القريب، فهي أكمل وأقوى في الصلة. أما إذا كان هناك بعد أو عذر أو مشقة أو مفسدة، فقد تكون الرسالة أو الاتصال صلة معتبرة. والمقصود أن لا يترك المسلم رحمه بلا سؤال ولا إحسان.

سؤال وجواب

هل أصل قريبا يؤذيني؟

نعم، يحافظ المسلم على أصل الصلة بقدر لا يضره. فإن كان القريب مؤذيا، جاز تقليل المخالطة ووضع حدود، مع بقاء ما يمكن من الصلة الآمنة: سلام، رسالة، دعاء، سؤال عند الحاجة، أو إحسان عند الضرورة. وليس من الشرع أن يعرض الإنسان نفسه أو أهله للضرر المستمر.

سؤال وجواب

هل صلة الرحم تكون بالمال فقط؟

لا. المال صورة من صور الصلة إذا كان القريب محتاجا وكان الإنسان قادرا، لكن الصلة تكون أيضا بالكلمة الطيبة، والزيارة، والاتصال، والدعاء، والشفاعة الحسنة، وقضاء الحاجة، وكف الأذى.

سؤال وجواب

هل يجب أن أصل من قطعني؟

نعم، الصلة الكاملة أن تصل من قطعك ابتغاء وجه الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا" رواه البخاري. لكن يكون ذلك بحكمة وبما لا يسبب ضررا أو فتنة.

سؤال وجواب

هل يجوز قطع الرحم إذا كان القريب عاصيا؟

الأصل أن يعامل القريب العاصي بالنصيحة والرحمة والدعاء، ولا تقطع الرحم لمجرد وجود المعصية. لكن إذا كانت مخالطته تجر إلى الحرام أو تفسد الدين أو البيت، فيشرع تقليل المخالطة مع بقاء أصل الصلة الممكنة والنصيحة بالحكمة.

سؤال وجواب

كم يجوز هجر القريب بسبب خلاف؟

لا يجوز هجر المسلم لأجل حظوظ النفس وخصومات الدنيا أكثر من ثلاث ليال. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ" متفق عليه.

أما تجنب ضرر محقق، أو تقليل مخالطة من يفسد الدين أو البيت، فليس من الهجر المذموم إذا اقتصر على قدر الحاجة وبقي ما أمكن من الصلة الآمنة. ولا يتخذ هذا الاستثناء ذريعة لإطالة الخصومات الشخصية.

سؤال وجواب

هل صلة الرحم واجبة بعد الزواج؟

نعم، صلة الرحم مطلوبة من الرجل والمرأة، ولا يسقط حق الرحم بالزواج. فلا يجوز للزوج أن يحمل زوجته على قطيعة والديها وأرحامها، ولا للزوجة أن تمنع زوجها من صلة والديه وأرحامه. وتنظم الزيارات والاتصالات بالتشاور والمعروف، مع مراعاة الحقوق الواجبة وضوابط الخروج ودفع الضرر إن وجد؛ فلا يتخذ حق الرحم ذريعة لتضييع حق الزوج أو الزوجة أو الأولاد، ولا تتخذ الحقوق الزوجية ذريعة لقطيعة الرحم.

سؤال وجواب

هل أقارب الزوج أو الزوجة من الرحم؟

أقارب الزوج أو الزوجة ليسوا من الرحم من جهة النسب إلا إذا كان بينهم وبين الإنسان قرابة نسبية أيضا، لكن لهم حق الإحسان وحسن المعاشرة بسبب المصاهرة، ولا سيما إذا كان ذلك يعين على الألفة وحسن الحياة الزوجية. فالإحسان إليهم من مكارم الأخلاق، لكنه لا يأخذ نفس حكم الأرحام النسبية من كل وجه.

سؤال وجواب

هل يصل المسلم قريبه غير المسلم؟

نعم، يبقى له حق القرابة، فيصل بالبر والإحسان المباحين، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء رضي الله عنها أن تصل أمها المشركة. لكن لا يطاع في معصية، ولا يشارك في شعيرة باطلة، ويدعى إلى الإسلام بالحكمة وحسن الخلق.

سؤال وجواب

هل يجوز دفع الزكاة إلى القريب؟

يجوز دفع الزكاة إلى القريب المسلم المستحق الذي لا تلزم المزكي نفقته، وقد يجتمع للمزكي بذلك أجر الصدقة والصلة. أما من تلزمه نفقته، فلا يعطيه من الزكاة ما يسقط به النفقة الواجبة عليه. وتفاصيل النفقة والديون تختلف باختلاف القرابة والحال؛ لذلك تسأل جهة علمية موثوقة عند الاشتباه.

سؤال وجواب

متى تجب النفقة على الأقارب؟

تجب نفقة الوالدين المحتاجين والأولاد المحتاجين على القادر بحسب المعروف، ولنفقة بقية الأقارب تفاصيل وخلاف بين أهل العلم يتعلق بدرجة القرابة والإرث وحال المنفق والمحتاج. فلا يجوز للقادر أن يهمل والديه أو أولاده المحتاجين، وتسأل جهة علمية موثوقة في الحالات الأخرى لتحديد الواجب بدقة.

سؤال وجواب

هل تجوز صلة الرحم في مجلس فيه منكر؟

صلة الرحم لا تبيح حضور مجلس يشتمل على منكر لا يستطيع المسلم إنكاره أو مفارقته. يعتذر بأدب، وينصح بالحكمة، ويصل أقاربه بوسيلة مباحة أخرى. وإذا كان أصل اللقاء مباحا ثم ظهر فيه منكر، أنكره بحسب قدرته، فإن لم يزل ولم يستطع مفارقة موضعه مع بقائه في المجلس، وجب عليه الانصراف.

سؤال وجواب

هل فوات اتصال أو تأخر الرد يعد قطيعة؟

لا. فوات اتصال أو تأخر عارض في الرد لا يعد وحده قطيعة. العبرة باستمرار المعروف وعدم تعمد الهجر، وبما يعد صلة بحسب القرب والحاجة والعرف الصحيح. لكن تكرار الإهمال من غير عذر، ولا سيما مع الوالدين أو القريب المحتاج، قد ينتهي إلى القطيعة المحرمة.

سؤال وجواب

هل يجوز حظر وسيلة اتصال قريب مؤذ؟

إذا كان يستعمل الاتصال للسب أو التهديد أو الإفساد، جاز منع هذه الوسيلة دفعا للضرر. ولا يلزم أن يكون ذلك قطيعة تامة إذا أبقى المسلم وسيلة آمنة بقدر استطاعته، كالتواصل بواسطة شخص موثوق أو السؤال عند الحاجة. أما إذا خيف عنف أو اعتداء، فتقدم السلامة ويستعان بالجهات المختصة.

خلاصة عملية
قسم المقال

خلاصة عملية

اكتب أسماء أقرب الناس رحما ممن قصرت في حقهم، ثم ابدأ بخطوة ممكنة: اتصال، أو زيارة، أو رسالة، أو مساعدة، أو اعتذار صادق. واجعل الصلة لله لا لمجرد انتظار المكافأة، واستمر على القليل النافع بدلا من حماس مؤقت ينقطع.

خاتمة
الخلاصة

خاتمة

صلة الرحم من دلائل الإيمان وحسن الخلق، وهي باب من أبواب البركة والرحمة. فمن وصل رحمه ابتغاء وجه الله، وصبر على تقصير الناس، وحفظ حدود الشرع، وأصلح ما استطاع، رجي له الخير العظيم. وهي لا تعني طاعة في معصية، ولا قبول الظلم، ولا ترك أحكام المحارم، بل تعني بذل الإحسان المشروع بحسب الاستطاعة.

فليتفقد كل واحد منا رحمه: من الذي قصرنا في حقه؟ من الذي يحتاج إلى سؤال أو زيارة أو مساعدة؟ ومن الذي بيننا وبينه قطيعة تحتاج إلى خطوة إصلاح؟ فإن العمر قصير، ورضا الله أعظم من حظوظ النفس، ومن وصل ما أمر الله به أن يوصل، وصله الله بفضله ورحمته.