فقه الأسرةالطلاق في الغضب: الأحكام العامة ومتى يجب سؤال أهل العلم؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الطلاق حكم شرعي عظيم تترتب عليه آثار في بقاء النكاح، والعدة، والرجعة، والسكن، والنفقة، والأولاد. ولهذا لا يجوز أن يجعل كلمة تهديد، أو وسيلة ضغط، أو سلاحا يستعمل عند كل خلاف.
ويكثر السؤال: هل يقع الطلاق إذا نطق به الزوج وهو غاضب؟ والجواب المختصر أن الغضب ليس درجة واحدة، وأن مجرد الغضب أو الندم بعد هدوء النفس لا يمنع وقوع الطلاق. وأكثر حالات الطلاق يصاحبها شيء من الغضب، وإنما ينظر في شدته وأثره في عقل الزوج وقصده واختياره، مع مراعاة لفظه وسائر أحوال الواقعة.
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1].
فسمى الله أحكام الطلاق حدوده، وأمر فيه بالتقوى، ومنع التسرع الذي يضيع الحقوق ويغلق أبواب الإصلاح.
تنبيه ضروري قبل قراءة الأحكام
قسم المقالتنبيه ضروري قبل قراءة الأحكام
هذا المقال يبين قواعد عامة، ولا يصدر حكما نهائيا على واقعة بعينها. فإذا تلفظ الزوج بالطلاق فعلا، فلا يجوز له أن يفتي نفسه بعدم وقوعه لمجرد قوله: كنت غاضبا، كما لا يجوز للزوجة أو أهلها أن يحكموا بانتهاء النكاح من غير عرض التفاصيل على عالم موثوق أو جهة شرعية مختصة.
والفتوى في الواقعة تحتاج إلى سماع اللفظ كما قيل، ودرجة الغضب، وقصد المتكلم، وحال الزوجة، وعدد الطلقات السابقة، وما إذا كان الكلام منجزا أو معلقا أو مكتوبا. وقد تحتاج الجهة الشرعية إلى سماع الزوجة أو الشهود والاطلاع على الرسائل والوثائق.
القاعدة الأساسية: ليس كل غضب مانعا من وقوع الطلاق
قسم المقالالقاعدة الأساسية: ليس كل غضب مانعا من وقوع الطلاق
الغضب في نفسه لا يبطل الطلاق؛ لأن كثيرا من المطلقين لا ينطقون به إلا عند غضب. وإنما يكون الغضب مؤثرا إذا بلغ حدا أزال الإدراك، أو أغلق على صاحبه قصده واختياره إغلاقا شديدا على التفصيل الآتي.
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ".
رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وحسنه جمع من أهل العلم.
والإغلاق هو انغلاق القصد والإرادة على الإنسان، وفسره جماعة من أهل العلم بالإكراه والغضب الشديد ونحوهما. أما مجرد الانفعال المعتاد مع فهم الكلام والقدرة على الاختيار فليس إغلاقا.
درجات الغضب عند الطلاق
قسم المقالدرجات الغضب عند الطلاق
الدرجة الأولى: غضب معتاد لا يزيل العقل ولا الاختيار
وهو أن يكون الزوج منفعلا أو مرتفع الصوت، لكنه يعرف زوجته، ويفهم كلامه، ويقصد لفظ الطلاق، ويستطيع أن يمسك نفسه وإن كان ذلك شاقا عليه.
هذا الغضب لا يمنع وقوع الطلاق باتفاق أهل العلم. ولا ينفع بعد ذلك مجرد الندم أو القول: لم أكن مرتاحا، أو لم أتوقع النتائج؛ لأن العبرة بحاله وقت التلفظ.
الدرجة الثانية: غضب أزال العقل والإدراك
وهو أن يبلغ الغضب بالإنسان حدا لا يدري معه ما يقول، أو يغيب وعيه غيابا حقيقيا، فيصدر الكلام منه من غير عقل لمعناه ولا إدراك له.
هذا لا يقع معه الطلاق؛ لأن صاحبه في تلك اللحظة لا يعقل كلامه، وهو ملحق بمن زال عقله. لكن دعوى زوال الإدراك لا تقبل لمجرد الندم، بل ينظر في القرائن وشهادة من حضر ووصف ما وقع قبل اللفظ وبعده.
الدرجة الثالثة: غضب شديد لم يزل معه العقل تماما لكنه أغلق القصد والاختيار
وهو أن يعرف الرجل ما يقول في الجملة، لكن يشتد به الغضب شدة غير معتادة حتى يملكه ويغلق عليه، فلا يكاد يملك دفع الكلمة عن نفسه، ثم يزول ذلك عنه سريعا ويظهر أن حاله وقتها لم تكن حال الاختيار المعتاد.
هذه الدرجة محل خلاف بين أهل العلم. فذهب بعضهم إلى وقوع الطلاق ما دام الزوج يعقل اللفظ، وذهب جمع من المحققين، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ عبد العزيز بن باز رحمهم الله، إلى عدم وقوعه إذا ثبت أنه بلغ حد الإغلاق؛ استدلالا بحديث "لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ".
ولا يحدد الزوج هذه الدرجة لنفسه، ولا يكفي أن يصف غضبه بأنه شديد؛ بل تعرض الواقعة كاملة على عالم راسخ أو قاض شرعي، لأن التفريق بين الغضب المعتاد والغضب الملجئ يحتاج إلى فقه بالقرائن وسماع التفاصيل.
كيف يوصف الغضب وصفا دقيقا؟
قسم المقالكيف يوصف الغضب وصفا دقيقا؟
لا يكفي عند السؤال أن يقال: كنت غاضبا جدا. بل يذكر ما يوضح الحال وقت اللفظ، مثل:
- هل كان الزوج يعرف أين هو ومن يخاطب؟
- هل فهم معنى الكلمة التي قالها؟
- هل تعمد اختيار لفظ الطلاق أم خرج منه بلا وعي؟
- هل كان يستطيع التوقف أو تغيير كلامه؟
- هل يتذكر اللفظ وما وقع قبله وبعده؟
- هل كان كلامه مترابطا، أم ظهرت عليه علامات اضطراب شديد وفقد إدراك؟
- كم استمرت الحالة، وكيف كان حاله بعد زوالها؟
- هل شهد الواقعة شخص يمكنه وصف ما رأى من غير مبالغة أو محاباة؟
والصراخ، أو احمرار الوجه، أو البكاء، أو رمي الأشياء، أو الندم الشديد بعد ذلك لا يثبت وحده زوال العقل أو الإغلاق، وإن كان قد يدخل مع غيره في وصف الواقعة.
الفرق بين صريح الطلاق وكنايته
قسم المقالالفرق بين صريح الطلاق وكنايته
اللفظ الصريح
هو اللفظ الموضوع للطلاق، مثل أن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق. والأصل أن الصريح يقع من الزوج العاقل المختار إذا لم يوجد مانع معتبر، ولا يكفي بعده أن يقول: لم أقصد النتيجة، أو كنت أخوفها فقط.
ولهذا يجب الحذر من استعمال اللفظ الصريح في المزاح أو التهديد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ".
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وحسنه الترمذي وجماعة من أهل العلم.
الكناية أو اللفظ المحتمل
هي عبارة تحتمل الطلاق وغيره، مثل: اذهبي إلى أهلك، أو لا أريدك، أو انتهت علاقتنا، بحسب اللغة والعرف والسياق. وهذه لا يعطى فيها حكم واحد؛ بل ينظر في نية الزوج وقت الكلام ودلالة الحال واللفظ المستعمل.
وقد تكون بعض الألفاظ صريحة في بلد أو عرف، ومحتملة في غيره، ولهذا يجب نقل العبارة حرفيا إلى المفتي، بلغتها الأصلية، من غير اختصار أو تبديل.
الطلاق المعلق والحلف بالطلاق
قسم المقالالطلاق المعلق والحلف بالطلاق
من صور ذلك أن يقول الزوج: إن فعلت كذا فأنت طالق، أو يقول: علي الطلاق لأفعلن كذا. ولا يجوز اتخاذ الطلاق يمينا أو أداة لمنع الزوجة أو حملها على فعل شيء؛ لما يترتب على ذلك من تعريض الأسرة للفرقة.
وحكم هذه العبارات يتأثر بصيغتها، وبقصد الزوج: هل أراد وقوع الطلاق حقيقة عند حصول الشرط، أم أراد مجرد الحث أو المنع أو التهديد أو تأكيد الخبر؟ ويتأثر أيضا بوقوع الشرط من عدمه. وقد اختلف أهل العلم في بعض صورها؛ فذهب جمهورهم إلى وقوع الطلاق عند تحقق الشرط، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن وافقهما إلى أن ما قصد به معنى اليمين لا يقع به الطلاق عند الحنث، وإنما تلزم فيه كفارة يمين، أما إن قصد وقوع الطلاق عند تحقق الشرط وقع.
ولهذا لا يجوز تطبيق حكم عام على عبارة معلقة من غير سماعها كاملة ومعرفة قصد قائلها وملابساتها.
تكرار لفظ الطلاق أو جمع الثلاث
قسم المقالتكرار لفظ الطلاق أو جمع الثلاث
تكرار لفظ الطلاق في مجلس واحد أو قوله: أنت طالق بالثلاث، أمر خطير، ولا يجوز للزوج أن يبني حكمه على عد الكلمات وحده. فقد يقصد بالتكرار إنشاء طلقات متعددة، وقد يقصد التأكيد أو إفهام الزوجة، كما أن جمع الثلاث بلفظ واحد محل خلاف مشهور.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
"كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ".
رواه مسلم.
وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الثلاث المجموعة تقع ثلاثا، وذهب جمع من أهل العلم إلى أنها تقع واحدة، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز رحمهم الله. أما تكرار الجمل، وما إذا كان للتأسيس أو التأكيد، فتفصيله يحتاج إلى معرفة الصيغة والنية وعدد الطلقات السابقة؛ فلا يحكم فيه الزوجان لأنفسهما.
مسائل أخرى قد تغير حكم الواقعة
قسم المقالمسائل أخرى قد تغير حكم الواقعة
لا يقتصر السؤال على الغضب وحده؛ فقد توجد أمور أخرى مؤثرة، منها:
- أن تكون هذه الطلقة الأولى أو الثانية أو الثالثة.
- أن يقع اللفظ قبل الدخول أو بعده.
- أن تكون الزوجة حائضا أو نفساء، أو في طهر جامعها الزوج فيه، أو حاملا.
- أن يكون الكلام صريحا أو كناية، منجزا أو معلقا.
- أن يكون شفهيا أو مكتوبا في رسالة أو ورقة.
- أن يكون الزوج مكرها إكراها معتبرا، أو فاقد العقل بسبب مرض أو دواء أو غيره.
- أن يكون قد حصلت رجعة صحيحة بعد طلاق سابق، أو انتهت العدة من غير رجعة.
- أن يكون في الواقعة حكم قضائي سابق؛ فإن حكم القاضي في مسألة اجتهادية لزم حكمه ورفع النزاع.
ومن المسائل التي وقع فيها خلاف مشهور طلاق الحائض والنفساء والطلاق في طهر حصل فيه جماع. فهو طلاق محرم مخالف للسنة، وذهب جمهور أهل العلم إلى وقوعه مع الإثم، وذهب جمع من أهل العلم، واختاره ابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز، إلى عدم وقوعه. ولهذا يجب ذكر حال الزوجة وقت الطلاق للجهة الشرعية، ولا يجوز إخفاؤها أو بناء الحكم على مقال عام.
ماذا يفعل الزوجان مباشرة بعد صدور لفظ الطلاق؟
قسم المقالماذا يفعل الزوجان مباشرة بعد صدور لفظ الطلاق؟
- يتوقف الزوج عن تكرار اللفظ أو استعماله للتهديد.
- يكتب كل طرف ما وقع فور هدوء الموقف: العبارة بالحروف نفسها، والوقت، وما سبقها ولحقها، وحال الزوج، وحال الزوجة، ومن حضر.
- تجمع الرسائل أو التسجيلات أو الوثائق المتعلقة بالواقعة من غير نشرها بين الناس.
- يحصى عدد الطلقات السابقة وتواريخها، وهل حصلت رجعة أو عقد جديد بعدها.
- يتواصل الزوجان سريعا مع عالم موثوق مؤهل في أحكام الأسرة، أو محكمة شرعية عند وجودها، ويجيب الزوج بصدق من غير تهوين ولا مبالغة.
- لا يحكم الزوج لنفسه بأن الطلاق لم يقع، ولا تحكم الزوجة لنفسها بأنها بانت، ولا يبنيان أمر المعاشرة أو العدة أو الرجعة على تخمين.
- إذا ثبت وقوع طلقة رجعية، فلا يخرج الزوج زوجته من بيتها ولا تخرج لمجرد الطلاق، عملا بقوله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ} ضمن آية سورة الطلاق السابقة، إلا عند وجود ضرر أو خطر معتبر.
- إذا وجد عنف أو تهديد أو خوف على النفس أو الأطفال، فتقدم السلامة، ويستعان فورا بالأسرة المأمونة والجهات المختصة، ثم يعرض الحكم الشرعي على أهله.
ما المعلومات التي تعرض على العالم أو القاضي؟
قسم المقالما المعلومات التي تعرض على العالم أو القاضي؟
حتى تكون الفتوى أقرب إلى الصواب، ينبغي تقديم المعلومات الآتية بوضوح:
- العبارة الدقيقة التي قالها الزوج، واللغة التي قالها بها.
- هل وجه الكلام إلى زوجته، أم كان يحكي كلاما أو يكتب مسودة؟
- نيته وقت استعمال العبارة إن كانت كناية أو تعليقا أو تكرارا.
- وصف غضبه وإدراكه وقدرته على الاختيار، لا مجرد تسميته شديدا.
- عدد مرات التلفظ في الواقعة نفسها، وكيف فصل بينها.
- جميع الطلقات السابقة، ولو ظن الزوج أنها لم تقع.
- حال الزوجة من الحيض والنفاس والحمل، وهل حصل جماع في ذلك الطهر.
- وجود إكراه أو مرض أو دواء أثر في العقل.
- ما إذا كان الطلاق مكتوبا أو مرسلا إلكترونيا، وهل كتبه الزوج وأرسله قاصدا.
- وجود شهود أو رسائل أو حكم قضائي أو وثيقة رسمية.
ولا ينبغي للطرفين أن يتفقا على إخفاء بعض الوقائع طلبا لفتوى توافق رغبتهما؛ فبقاء النكاح أو انتهاؤه حكم لله، والكذب فيه يزيد المشكلة ولا يحلها.
متى يجب سؤال أهل العلم؟
قسم المقالمتى يجب سؤال أهل العلم؟
يجب سؤال عالم موثوق أو جهة شرعية مختصة كلما صدر من الزوج لفظ طلاق حقيقي وترتب عليه شك في بقاء النكاح، ويتأكد ذلك في الحالات الآتية:
- ادعاء الغضب الشديد أو فقد الإدراك.
- اختلاف الزوجين في اللفظ أو درجة الغضب.
- استعمال كناية أو عبارة محتملة.
- تعليق الطلاق على شرط أو الحلف به.
- تكرار لفظ الطلاق أو جمع الثلاث.
- وجود طلقات سابقة أو شك في عددها.
- وقوع الطلاق في الحيض أو النفاس أو طهر حصل فيه جماع.
- وقوعه برسالة أو كتابة أو تسجيل.
- وجود إكراه أو مرض أو دواء أو اضطراب أثر في الإدراك.
- الحاجة إلى معرفة العدة أو الرجعة أو السكن أو النفقة أو جواز عقد جديد.
والقضايا القضائية والحقوق المالية وتوثيق الطلاق والرجعة تراجع فيها المحكمة أو الجهة الرسمية المختصة في البلد، إلى جانب السؤال عن الحكم الشرعي؛ حفظا للحقوق ومنعا للنزاع.
كيف يحمي الزوجان بيتهما من كلمة الطلاق وقت الغضب؟
قسم المقالكيف يحمي الزوجان بيتهما من كلمة الطلاق وقت الغضب؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ".
متفق عليه.
ومن الأسباب العملية:
- الاتفاق مسبقا على منع لفظ الطلاق في المشاجرات والرسائل والتهديدات.
- إيقاف النقاش عند ارتفاع الصوت حتى تهدأ النفوس.
- ألا يتخذ أحد الزوجين طلب الطلاق أو الاستفزاز وسيلة لكسب الخلاف.
- عدم الحلف بالطلاق، واستعمال اليمين بالله عند الحاجة مع حفظ اليمين.
- الاستعانة بمصلح حكيم أو مستشار أسري أمين قبل تراكم النزاع.
- معالجة العنف أو الإدمان أو الاضطراب النفسي لدى المختصين، وعدم الاكتفاء بالوعود.
- قراءة مقال الخلافات الزوجية وكيف تعالج بالشرع للاستفادة من خطوات الإصلاح قبل وصول الخلاف إلى الطلاق.
أخطاء شائعة في طلاق الغضبان
قسم المقالأخطاء شائعة في طلاق الغضبان
- الاعتقاد أن كل طلاق صدر في غضب لا يقع.
- الاعتقاد أن مجرد الندم دليل على زوال العقل وقت الطلاق.
- مطالبة الزوج بإعادة اللفظ أمام الناس لإثبات ما قال.
- إخفاء الطلقات السابقة أو تغيير العبارة عند سؤال المفتي.
- عد الكلمات وحدها من غير معرفة النية والصيغة والفواصل.
- الاعتماد على فتوى في مقطع قصير لا تطابق تفاصيل الواقعة.
- سؤال جهات متعددة مع إخفاء بعض المعلومات حتى يحصل السائل على الجواب الذي يريده.
- خروج المطلقة الرجعية من البيت تلقائيا مع عدم وجود خطر أو عذر معتبر.
- إهمال توثيق الطلاق أو الرجعة بما يحفظ الحقوق.
- نشر أسرار الزوجين أو التسجيلات في وسائل التواصل طلبا للتحكيم الشعبي.
أسئلة شائعة
سؤال وجوابقلت لزوجتي: أنت طالق، وكنت غاضبا، فهل وقع الطلاق؟
إن كان غضبك معتادا وأنت تعقل كلامك وتملكه، فالأصل وقوع الطلاق. وإن زال عقلك حقيقة فلا يقع. أما الغضب الشديد الذي لم يزل معه العقل لكنه أغلق القصد والاختيار فهو محل خلاف، ويجب عرض الواقعة بتفاصيلها على عالم موثوق أو جهة شرعية؛ ولا يكفي أن تحكم لنفسك بأنه لم يقع.
سؤال وجوابهل كل غضب شديد يمنع وقوع الطلاق؟
لا. وصف الغضب بالشدة لا يكفي، وقد يكون شديدا في نظر صاحبه لكنه ما زال يفهم ويختار. العبرة بأثر الغضب الحقيقي في الإدراك والقصد والقدرة على منع النفس، وهذا يقدر بعد سماع الوقائع والقرائن.
سؤال وجوابلا أتذكر أنني تلفظت بالطلاق، فماذا أفعل؟
إن كان مجرد شك ولم يثبت صدور الطلاق، فالأصل بقاء النكاح؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. أما إذا شهدت الزوجة أو غيرها بسماع لفظ صريح، أو وجدت رسالة أو تسجيل، أو كنت تتذكر بعض الواقعة، فلا تهمل الأمر، واعرض الأدلة والتفاصيل على جهة شرعية للفصل فيها.
سؤال وجوابهل قول الزوج بعد هدوئه: لم أقصد الطلاق، يمنع وقوعه؟
لا يمنع ذلك بمجرده إذا استعمل لفظا صريحا وهو عاقل مختار؛ فربما قصد اللفظ ثم ندم على أثره. أما العبارة المحتملة فتعتبر فيها النية والسياق، والغضب المؤثر له ضوابطه السابقة.
سؤال وجوابهل يقع الطلاق الذي قيل على سبيل المزاح؟
الأصل أن صريح الطلاق يقع ولو قال صاحبه إنه كان مازحا؛ لحديث: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ". فلا يجوز المزاح بهذه الألفاظ.
سؤال وجوابهل رسالة الطلاق في الهاتف تقع؟
الكتابة قد يقع بها الطلاق إذا كتبها الزوج قاصدا إيقاعه، وقد تكون حكاية أو مسودة أو تهديدا أو صادرة من غيره. لذلك يتحقق من صاحب الرسالة ونيته وصيغتها ووقت إرسالها، ولا يحكم عليها من صورة الشاشة وحدها.
سؤال وجوابما حكم قول: علي الطلاق، أو إن فعلت كذا فأنت طالق؟
هذا من الطلاق المعلق أو الحلف بالطلاق، وحكمه يتوقف على العبارة والنية ووقوع الشرط، وفي بعض صوره خلاف بين أهل العلم. فلا يقال تلقائيا إنه طلاق واقع، ولا إنه مجرد يمين؛ بل تعرض الصيغة كاملة على عالم موثوق.
سؤال وجوابإذا كرر الزوج كلمة الطلاق ثلاث مرات في الغضب، فهل تحسب ثلاثا؟
لا يحكم عليها بعدد الكلمات وحده. ينظر هل جمع الثلاث في لفظ واحد، أم كرر جملا مستقلة، وهل قصد بكل لفظ إنشاء طلقة جديدة أم قصد التأكيد، وما عدد الطلقات السابقة، وما درجة غضبه. وجمع الثلاث نفسه محل خلاف؛ ولذلك يجب عرض الواقعة فورا على جهة شرعية.
سؤال وجوابهل طلاق الحائض يقع؟
طلاق الحائض محرم ومخالف للسنة. وذهب جمهور أهل العلم إلى وقوعه مع الإثم، وذهب جمع من أهل العلم إلى عدم وقوعه، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز رحمهم الله. فلا يجوز للزوجين أن يختارا لأنفسهما أحد القولين، بل يعرضان الواقعة على عالم موثوق أو قاض شرعي.
سؤال وجوابهل يجب على الزوجة أن تغادر البيت فور سماع الطلاق؟
لا. إذا ثبتت طلقة رجعية، فالأصل أن تبقى الزوجة في بيتها مدة العدة، ولا يجوز إخراجها ولا خروجها لمجرد وقوع الطلاق، كما دلت آية سورة الطلاق. لكن إن وجد عنف أو تهديد أو خطر معتبر، انتقلت إلى مكان آمن واستعانت بالجهات المختصة. أما إذا كان نوع الفرقة أو وقوع الطلاق نفسه محل نزاع، فتسأل الجهة الشرعية فورا.
سؤال وجوابهل يكفي سؤال شيخ بالهاتف من غير ذكر التفاصيل؟
لا يكفي جواب بني على وصف ناقص. يجب ذكر العبارة الدقيقة، ودرجات الغضب، والطلقات السابقة، وحال الزوجة، والنية حيث تعتبر، وسائر القرائن. وإذا طلب المفتي سماع الطرفين أو الشهود فلا يكتفى برواية طرف واحد.
سؤال وجوابمن الذي يفصل عند اختلاف الزوجين في وقوع الطلاق؟
إذا لم يحسم العالم الموثوق الواقعة باتفاق الطرفين، أو ترتبت عليها خصومة في الحقوق أو الإنكار والإثبات، فالمرجع إلى القضاء الشرعي أو الجهة القضائية المختصة التي تسمع الطرفين والبينات وتصدر حكما ملزما.
سؤال وجوابأين أقرأ عن حقوق المطلقة والعدة إذا ثبت الطلاق؟
يمكن الرجوع إلى مقال حقوق المطلقة وأحكام العدة في الإسلام، وإلى مقال النفقة وحضانة الأبناء بعد الطلاق. وتبقى الواقعة المعينة محتاجة إلى فتوى أو حكم قضائي بحسب حالها.
القاعدة التي ينبغي حفظها
الخلاصةالقاعدة التي ينبغي حفظها
الغضب المعتاد لا يمنع وقوع الطلاق، والغضب الذي يزيل العقل لا يقع معه الطلاق، والغضب الشديد الذي يغلق القصد والاختيار مع بقاء أصل الإدراك محل خلاف، والراجح عند جمع من المحققين عدم وقوعه إذا ثبت بلوغه حد الإغلاق.
لكن إثبات درجة الغضب لا يكون بمجرد الدعوى أو الندم. وكل واقعة صدر فيها لفظ الطلاق يجب أن تعرض بصدق وتفصيل على عالم موثوق أو جهة شرعية، ولا يجوز استعمال مقال عام لإبقاء نكاح أو إنهائه. والواجب قبل ذلك كله أن يصون الزوج لسانه، وأن يتقي الزوجان الله في بيتهما، وألا يجعلا حدود الله مجالا للتهديد أو العبث.