قسمما علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟
العلامة الأولى: اتباعه وطاعته
أوضح علامة للمحبة اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات.
قال الله تعالى:
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ} [آل عمران: 31-32].
فجعل الله برهان المحبة اتباع الرسول، وجعل ثمرة هذا الاتباع محبة الله ومغفرة الذنوب.
العلامة الثانية: تقديم حكمه على الهوى والعادة
المحب الصادق لا يرد السنة الصحيحة لأنها تخالف عادته أو رغبة نفسه أو رأي من يعظمه، بل يسلم لله ورسوله مع طلب الفهم والعلم.
قال الله تعالى:
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
وقال سبحانه:
{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
ولا يعني هذا أن كل خلاف فقهي سببه ضعف المحبة؛ فقد يختلف العلماء في ثبوت الحديث أو دلالته. والواجب على غير المتخصص أن يسأل أهل العلم الموثوقين، وألا يجعل هواه حكما على النصوص.
العلامة الثالثة: التمسك بسنته والحذر من الابتداع
عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال:
"وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.
فلا يتقرب المسلم إلى الله بعبادة محدثة يظن أنها تعبر عن المحبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دل أمته على أبواب الخير، والمحبة الصادقة تقف عند هديه.
العلامة الرابعة: توقيره وتعظيمه من غير غلو
من حقه صلى الله عليه وسلم توقيره، والأدب عند ذكره، وعدم الاستهزاء بشيء من سنته، والصلاة والسلام عليه. لكن التعظيم المشروع لا يرفعه فوق مقام العبودية والرسالة، ولا يصرف له شيئا من خصائص الله أو العبادة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".
رواه البخاري.
فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم وأفضل البشر. وقد قال:
"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ".
رواه مسلم.
وهو في الوقت نفسه عبد الله ورسوله، لا يعبد ولا يدعى من دون الله، ولا ينسب إليه من علم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، ولا شيء من خصائص الربوبية أو التصرف في الكون.
قال الله تعالى:
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].
العلامة الخامسة: محبة أصحابه وآل بيته وأزواجه بالحق
من محبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة أصحابه الذين آمنوا به ونصروه ونقلوا سنته، ومحبة آل بيته المؤمنين وأزواجه أمهات المؤمنين، مع حفظ حقوق الجميع من غير غلو ولا جفاء.
ومن محبته صلى الله عليه وسلم توقير جميع أزواجه رضي الله عنهن، وصيانة أعراضهن، والامتناع عن سبهن أو انتقاصهن أو الخوض فيهن بغير حق؛ فقد سماهن الله أمهات المؤمنين. والطعن في واحدة منهن أذية للنبي صلى الله عليه وسلم ومناف لما يجب له ولأهل بيته من المحبة والتوقير.
ولأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها منزلة عظيمة، وقد أنزل الله براءتها من الإفك في قرآن يتلى، فقال سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11].
وقال تعالى:
{الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ، أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".
متفق عليه.
فالوقيعة في أمهات المؤمنين أو سبهن أو انتقاصهن منكر عظيم وأذى للنبي صلى الله عليه وسلم، وليست أمرا هينا أو مجرد نقص يسير في المحبة. وأما قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة التي برأها الله منها فهو كفر؛ لأنه تكذيب لصريح القرآن، وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك. وأما تنزيل حكم الكفر على شخص معين فتراعى فيه الشروط وتنتفي الموانع، ويرجع فيه إلى العلماء والقضاء الشرعي، وليس إلى عامة الناس. والواجب على المسلم الذب عن أمهات المؤمنين، وبيان فضلهن وبراءتهن بالحجة الشرعية، مع لزوم العدل وحدود الشرع؛ فلا يرد منكرا بمنكر، ولا ينصر الحق بمعصية الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ".
متفق عليه.
ولا تكون نصرة آل البيت بالطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما لا تكون محبة الصحابة بجفاء آل البيت؛ بل أهل السنة يحبون الجميع ويعطون كل ذي حق حقه.
العلامة السادسة: كثرة الصلاة والسلام عليه
أمر الله المؤمنين بالصلاة والسلام عليه فقال:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
والصلاة عليه من أجل العبادات وعلامات توقيره، ولا سيما عند ذكره وفي المواطن الثابتة. وللتوسع يراجع مقال: فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأفضل صيغها.
العلامة السابعة: تعلم سيرته وسنته الصحيحة
لا تكتمل المحبة مع الجهل بالمحبوب. فمن أراد زيادة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم فليتعلم سيرته من المصادر الموثوقة، وليقرأ أحاديثه الصحيحة، ويتأمل عبادته ورحمته وصبره وشجاعته وعدله ومعاملته لأهله وأصحابه.
والتعلم المقصود ليس جمع القصص المؤثرة فقط، بل معرفة هديه للعمل به، مع التثبت من الروايات وعدم نشر الحديث الضعيف أو المكذوب بحجة محبته.
العلامة الثامنة: الاقتداء بأخلاقه وعبادته
قال الله تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
فيقتدي به المسلم في صدقه وأمانته ورحمته وتواضعه وصبره، وفي صلاته وذكره وحقوق أهله وجيرانه والناس. ولا يصح أن يعتني ببعض الهيئات الظاهرة ثم يضيع الفرائض أو يظلم الخلق؛ فهديه صلى الله عليه وسلم شامل للظاهر والباطن.
العلامة التاسعة: نصرة سنته بالحكمة والعدل
نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته تكون بالإيمان به، وتعلم سنته وتعليمها، والرد على الكذب والشبهات بعلم وعدل، والدعوة إلى هديه بالحكمة، لا بالظلم أو السب أو الاعتداء المحرم.
فمن سنته صلى الله عليه وسلم الرفق والعدل، ولا تنصر السنة بطريقة تخالف السنة.
العلامة العاشرة: الشوق إلى لقائه ورجاء صحبته في الآخرة
من دلائل المحبة أن يشتاق المؤمن إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ولقائه، وأن يرجو صحبته في الجنة، مع صدق الاتباع والعمل الصالح.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ".
رواه مسلم.
وهذا الشوق معنى إيماني محمود، لكنه لا يقاس بمجرد الدموع أو المنامات، بل يصدقه الحرص على طاعته والاقتداء به والاستعداد للقائه على الإسلام والسنة.