محبة النبي صلى الله عليه وسلم

محبة النبي صلى الله عليه وسلم: معناها وعلاماتها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الإيمان، وليست مجرد عاطفة عابرة أو كلمات تقال في مناسبة. فهي محبة قلبية صادقة يظهر أثرها في تعظيم أمره، وتصديق خبره، وطاعة سنته، وتقديم هديه على الهوى والعادة، مع توقيره من غير غلو واتباعه من غير ابتداع.

والمسلم يحب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رسول الله وخاتم النبيين، ولأن الله هداه به إلى الإسلام، وبلغه على يديه القرآن والسنة، ولما اتصف به من الرحمة والصدق والأمانة وكمال العبودية لله.

ما معنى محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟
قسم

ما معنى محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟

محبة النبي صلى الله عليه وسلم هي ميل القلب إليه محبة دينية شرعية تثمر تعظيمه وتوقيره، والرضا بما جاء به، والاقتداء به، ونصرة سنته، ومحبة ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله.

وليست المحبة الصادقة دعوى منفصلة عن العمل؛ فمن أحب شخصا حرص على معرفة طريقه واتباعه، فكيف بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل الله طاعته من طاعته؟

قال الله تعالى:

{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80].

وقال سبحانه:

{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ} [الحشر: 7].

ما حكم محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟
قسم

ما حكم محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟

محبته صلى الله عليه وسلم واجبة، ولا يكمل الإيمان الواجب حتى يكون أحب إلى المسلم من والده وولده ونفسه والناس أجمعين، بعد محبة الله تعالى التي هي أصل كل محبة شرعية وأعظمها.

قال الله تعالى:

{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا، كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب: 6].

وقال سبحانه:

{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} [التوبة: 24].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

متفق عليه.

وعن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال:

"كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ، وَاللَّهِ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ".

رواه البخاري.

ومعنى تقديم محبته على محبة النفس أن يقدم المؤمن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه إذا تعارضا مع هوى النفس ورغبتها، لا أن الإنسان لا يشعر بمحبة نفسه الطبيعية.

محبة النبي صلى الله عليه وسلم من حلاوة الإيمان
قسم

محبة النبي صلى الله عليه وسلم من حلاوة الإيمان

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ".

متفق عليه.

فكلما ازداد العبد معرفة بالله ورسوله، وصدق في الاتباع، وجد في قلبه من طمأنينة الإيمان وحلاوة الطاعة بقدر ما معه من الإخلاص والاستقامة.

لماذا نحب النبي صلى الله عليه وسلم؟
قسم

لماذا نحب النبي صلى الله عليه وسلم؟

أولا: لأن الله اختاره لهداية الناس

من أعظم نعم الله أن بعث في هذه الأمة رسولا يعلمها الكتاب والحكمة ويزكيها.

قال الله تعالى:

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].

فكل علم صحيح وعبادة مشروعة وخير عرفته الأمة إنما وصل إليها بعد فضل الله عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: لما اتصف به من الرحمة والحرص على أمته

قال الله تعالى:

{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].

فكان صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية الناس، رحيما بالمؤمنين، يعلم الجاهل، ويصبر على الأذى، ويدعو أمته إلى كل خير ويحذرها من كل شر.

ثالثا: لأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة

بلغ النبي صلى الله عليه وسلم دين الله بيانا كاملا، وعاش داعيا ومعلما وقدوة حتى ترك الأمة على طريق واضح. ولم يكتم من الوحي شيئا، ولم يطلب على دعوته أجرا من الناس.

قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} [المائدة: 67].

رابعا: لما كمله الله به من الخلق والعبودية

قال الله تعالى:

{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

وكان صلى الله عليه وسلم أكمل الناس عبودية لله، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأحسنهم معاملة لأهله وأصحابه والضعفاء والخلق جميعا.

ما علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟
قسم

ما علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟

العلامة الأولى: اتباعه وطاعته

أوضح علامة للمحبة اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات.

قال الله تعالى:

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ} [آل عمران: 31-32].

فجعل الله برهان المحبة اتباع الرسول، وجعل ثمرة هذا الاتباع محبة الله ومغفرة الذنوب.

العلامة الثانية: تقديم حكمه على الهوى والعادة

المحب الصادق لا يرد السنة الصحيحة لأنها تخالف عادته أو رغبة نفسه أو رأي من يعظمه، بل يسلم لله ورسوله مع طلب الفهم والعلم.

قال الله تعالى:

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

وقال سبحانه:

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

ولا يعني هذا أن كل خلاف فقهي سببه ضعف المحبة؛ فقد يختلف العلماء في ثبوت الحديث أو دلالته. والواجب على غير المتخصص أن يسأل أهل العلم الموثوقين، وألا يجعل هواه حكما على النصوص.

العلامة الثالثة: التمسك بسنته والحذر من الابتداع

عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال:

"وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".

رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.

فلا يتقرب المسلم إلى الله بعبادة محدثة يظن أنها تعبر عن المحبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دل أمته على أبواب الخير، والمحبة الصادقة تقف عند هديه.

العلامة الرابعة: توقيره وتعظيمه من غير غلو

من حقه صلى الله عليه وسلم توقيره، والأدب عند ذكره، وعدم الاستهزاء بشيء من سنته، والصلاة والسلام عليه. لكن التعظيم المشروع لا يرفعه فوق مقام العبودية والرسالة، ولا يصرف له شيئا من خصائص الله أو العبادة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ".

رواه البخاري.

فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم وأفضل البشر. وقد قال:

"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ".

رواه مسلم.

وهو في الوقت نفسه عبد الله ورسوله، لا يعبد ولا يدعى من دون الله، ولا ينسب إليه من علم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، ولا شيء من خصائص الربوبية أو التصرف في الكون.

قال الله تعالى:

{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].

العلامة الخامسة: محبة أصحابه وآل بيته وأزواجه بالحق

من محبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة أصحابه الذين آمنوا به ونصروه ونقلوا سنته، ومحبة آل بيته المؤمنين وأزواجه أمهات المؤمنين، مع حفظ حقوق الجميع من غير غلو ولا جفاء.

ومن محبته صلى الله عليه وسلم توقير جميع أزواجه رضي الله عنهن، وصيانة أعراضهن، والامتناع عن سبهن أو انتقاصهن أو الخوض فيهن بغير حق؛ فقد سماهن الله أمهات المؤمنين. والطعن في واحدة منهن أذية للنبي صلى الله عليه وسلم ومناف لما يجب له ولأهل بيته من المحبة والتوقير.

ولأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها منزلة عظيمة، وقد أنزل الله براءتها من الإفك في قرآن يتلى، فقال سبحانه:

{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 11].

وقال تعالى:

{الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ، أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".

متفق عليه.

فالوقيعة في أمهات المؤمنين أو سبهن أو انتقاصهن منكر عظيم وأذى للنبي صلى الله عليه وسلم، وليست أمرا هينا أو مجرد نقص يسير في المحبة. وأما قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة التي برأها الله منها فهو كفر؛ لأنه تكذيب لصريح القرآن، وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك. وأما تنزيل حكم الكفر على شخص معين فتراعى فيه الشروط وتنتفي الموانع، ويرجع فيه إلى العلماء والقضاء الشرعي، وليس إلى عامة الناس. والواجب على المسلم الذب عن أمهات المؤمنين، وبيان فضلهن وبراءتهن بالحجة الشرعية، مع لزوم العدل وحدود الشرع؛ فلا يرد منكرا بمنكر، ولا ينصر الحق بمعصية الله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ".

متفق عليه.

ولا تكون نصرة آل البيت بالطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كما لا تكون محبة الصحابة بجفاء آل البيت؛ بل أهل السنة يحبون الجميع ويعطون كل ذي حق حقه.

العلامة السادسة: كثرة الصلاة والسلام عليه

أمر الله المؤمنين بالصلاة والسلام عليه فقال:

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

والصلاة عليه من أجل العبادات وعلامات توقيره، ولا سيما عند ذكره وفي المواطن الثابتة. وللتوسع يراجع مقال: فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأفضل صيغها.

العلامة السابعة: تعلم سيرته وسنته الصحيحة

لا تكتمل المحبة مع الجهل بالمحبوب. فمن أراد زيادة محبته للنبي صلى الله عليه وسلم فليتعلم سيرته من المصادر الموثوقة، وليقرأ أحاديثه الصحيحة، ويتأمل عبادته ورحمته وصبره وشجاعته وعدله ومعاملته لأهله وأصحابه.

والتعلم المقصود ليس جمع القصص المؤثرة فقط، بل معرفة هديه للعمل به، مع التثبت من الروايات وعدم نشر الحديث الضعيف أو المكذوب بحجة محبته.

العلامة الثامنة: الاقتداء بأخلاقه وعبادته

قال الله تعالى:

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

فيقتدي به المسلم في صدقه وأمانته ورحمته وتواضعه وصبره، وفي صلاته وذكره وحقوق أهله وجيرانه والناس. ولا يصح أن يعتني ببعض الهيئات الظاهرة ثم يضيع الفرائض أو يظلم الخلق؛ فهديه صلى الله عليه وسلم شامل للظاهر والباطن.

العلامة التاسعة: نصرة سنته بالحكمة والعدل

نصرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته تكون بالإيمان به، وتعلم سنته وتعليمها، والرد على الكذب والشبهات بعلم وعدل، والدعوة إلى هديه بالحكمة، لا بالظلم أو السب أو الاعتداء المحرم.

فمن سنته صلى الله عليه وسلم الرفق والعدل، ولا تنصر السنة بطريقة تخالف السنة.

العلامة العاشرة: الشوق إلى لقائه ورجاء صحبته في الآخرة

من دلائل المحبة أن يشتاق المؤمن إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ولقائه، وأن يرجو صحبته في الجنة، مع صدق الاتباع والعمل الصالح.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ".

رواه مسلم.

وهذا الشوق معنى إيماني محمود، لكنه لا يقاس بمجرد الدموع أو المنامات، بل يصدقه الحرص على طاعته والاقتداء به والاستعداد للقائه على الإسلام والسنة.

هل المعصية تعني أن صاحبها لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم؟
قسم

هل المعصية تعني أن صاحبها لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم؟

المعصية تناقض كمال المحبة الواجبة وتضعفها بقدرها، لكنها لا تدل وحدها على زوال أصل المحبة من قلب كل عاص. وقد يجتمع في المسلم أصل المحبة مع ضعف يغلبه فيقع في الذنب، وعليه أن يتوب ويجاهد نفسه ولا يتخذ المحبة عذرا للاستمرار في المعصية.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

"أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ".

رواه البخاري.

فالحديث لا يهون المعصية؛ فقد أقيم على الرجل ما شرعه الله، لكنه يمنع التسرع في نفي الإيمان والمحبة عن المسلم العاصي، ويدعو إلى إعانته على التوبة بدل دفعه إلى اليأس.

كيف تزيد محبتك للنبي صلى الله عليه وسلم؟
قسم

كيف تزيد محبتك للنبي صلى الله عليه وسلم؟

  1. اقرأ القرآن وتدبر الآيات التي تعرف بمقام الرسالة وحقوق الرسول صلى الله عليه وسلم.
  2. تعلم سيرته الصحيحة على مراحل، من بعثته ودعوته وصبره وهجرته إلى عبادته وأخلاقه ومعاملاته.
  3. اقرأ كل يوم شيئا من الحديث الصحيح مع شرح موثوق، ثم اختر سنة عملية تطبقها.
  4. قدم أوامره عند تعارضها مع الهوى، وتب إلى الله من مخالفة سنته.
  5. أكثر من الصلاة والسلام عليه بالصيغ الثابتة من غير تخصيص عدد أو هيئة بفضل لم يثبت.
  6. صاحب من يعينك على العلم والعمل والاقتداء، وابتعد عن الغلو والجفاء.
  7. ادع الله أن يرزقك صدق الإيمان والمحبة والاتباع والثبات.
  8. علم أهلك وأبناءك سيرته وسنته بلغة رحيمة وعمل يقتدون به.
أخطاء تنافي كمال المحبة أو تفسد معناها
قسم

أخطاء تنافي كمال المحبة أو تفسد معناها

  1. الاكتفاء بالمدائح والشعارات مع ترك الفرائض أو مخالفة السنة.
  2. الغلو فيه صلى الله عليه وسلم بدعائه أو الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله.
  3. اختراع عبادة أو احتفال ديني ثم جعل المشاركة فيه مقياسا وحيدا للمحبة.
  4. نشر أحاديث وقصص غير ثابتة بدافع التأثير العاطفي.
  5. اختزال الاقتداء في بعض المظاهر مع إهمال الصدق والعدل والرحمة وحقوق الناس.
  6. الطعن في أصحابه أو أزواجه أو آل بيته، أو الغلو في بعضهم على حساب بعض.
  7. الدفاع عنه بالظلم أو الفحش أو الاعتداء؛ فالمقصد الشريف لا يبيح الوسيلة المحرمة.
  8. اليأس من زيادة المحبة؛ فالمحبة تزيد بالعلم والطاعة وتنقص بالغفلة والمعصية.
أسئلة شائعة
سؤال

هل محبة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة؟

نعم، هي من واجبات الإيمان، ولا يكمل إيمان العبد الواجب حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين. ويظهر صدقها في الاتباع والطاعة والتوقير.

سؤال

هل يجب أن أحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسي؟

نعم، كما دل حديث عمر رضي الله عنه. ومعناه أن يقدم المسلم حكم النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته على هوى نفسه، وأن يرضى بهديه ولو خالف رغبة النفس.

سؤال

هل معنى الحديث أن محبة النبي مثل محبة الله؟

لا. محبة الله هي أعظم المحاب وأصل العبادة، ولا يساويه فيها أحد. ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة شرعية تابعة لمحبة الله؛ فنحبه لأن الله أحبه واصطفاه وأمرنا باتباعه. وجمع الله ورسوله في بعض النصوص لا يعني المساواة بين الخالق والمخلوق.

سؤال

هل يكفي أن أقول إنني أحب النبي من غير اتباع؟

لا يكفي الادعاء وحده. أصل المحبة في القلب، وبرهان صدقها اتباع السنة والقيام بالفرائض وترك ما نهى عنه. وقد يقصر المحب أو يذنب، لكنه لا يجعل تقصيره منهجا ولا يرفض الرجوع إلى الحق.

سؤال

هل كل عاص لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم؟

لا يحكم على كل عاص بزوال المحبة؛ فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم المحبة للرجل الذي تكرر منه شرب الخمر، مع إنكار معصيته وإقامة العقوبة عليه. لكن المعاصي تضعف كمال المحبة، والواجب التوبة وعدم الاغترار بمجرد الدعوى.

سؤال

هل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام شرط لصدق المحبة؟

لا. رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ليست شرطا للإيمان أو المحبة أو الولاية، وعدم رؤيته لا يدل على نقص مخصوص في دين المسلم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي".

متفق عليه.

ولا يصح الجزم بأن من رآه النائم هو النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا وافقت صفته ما ثبت في السنة من صفته؛ لأن الشيطان لا يتمثل بصورته الحقيقية، لكنه قد يأتي في صورة أخرى ويدعي ما ليس له.

والرؤيا الصالحة بشارة، لكنها لا تنشئ حكما شرعيا، ولا تجعل الحرام حلالا أو البدعة سنة، ولا يقدم ما يراه النائم على القرآن والسنة الصحيحة.

سؤال

هل الاحتفال بالمولد هو المقياس على محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟

لا. مقياس المحبة الذي جاء به القرآن هو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يتخذ النبي ولا أصحابه يوم مولده احتفالا دينيا سنويا، مع أنهم أشد الأمة محبة له وأعلمها بحقه. والعبادات مبناها على الدليل، فلا يجعل فعل لم يشرعه مقياسا لمحبة الناس أو بغضهم.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ".

متفق عليه.

وسيأتي بيان هذه المسألة بأدلتها وتفاصيلها في مقال مستقل.

سؤال

هل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من علامات محبته؟

نعم، هي من حقوقه وعلامات توقيره، وقد أمر الله بها. لكن المحبة لا تختزل فيها وحدها؛ بل تجمع بين الصلاة والسلام عليه، وتصديق خبره، وطاعة أمره، واجتناب نهيه، واتباع سنته.

سؤال

هل الطعن في أمهات المؤمنين ينافي محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟

نعم. سب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو انتقاصهن محرم ومنكر عظيم وأذى له؛ فهن أمهات المؤمنين، ومن توقيره صيانة أعراضهن ومعرفة فضلهن. ويشمل هذا الحكم جميع أزواجه رضي الله عنهن.

ويشتد الأمر في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ فمن قذفها بالفاحشة التي برأها الله منها في سورة النور فقد كذب صريح القرآن، ولذلك حكم أهل العلم بكفر من قذفها بذلك، وحكى غير واحد منهم الإجماع عليه. وهذا حكم عام، أما الحكم على شخص معين فتراعى فيه الشروط والموانع ويرجع فيه إلى أهل العلم والقضاء الشرعي، ولا يجوز للأفراد الاعتداء على أحد أو استباحة دمه أو ماله.

سؤال

هل يجوز دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أو طلب الحاجات منه بعد وفاته؟

لا. محبته وتعظيمه لا يجيزان صرف الدعاء له؛ فالدعاء عبادة لله وحده. كان الصحابة في حياته يطلبون منه أن يدعو الله لهم فيما يقدر عليه، أما بعد وفاته فيدعو المسلم ربه مباشرة، ويصلي ويسلم على نبيه وفق السنة، ولا يدعوه لكشف الكرب أو شفاء المرض أو مغفرة الذنب.

قال الله تعالى:

{وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].

سؤال

كيف أعرف أن العمل موافق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟

يرجع إلى القرآن والحديث الصحيح، مع فهم الصحابة رضي الله عنهم وشرح العلماء المعتبرين، ويتأكد من ثبوت الحديث وصحة دلالته. ولا يعتمد في العبادات على مجرد الانتشار أو العاطفة أو الرؤى والمنامات.

سؤال

هل محبة النبي صلى الله عليه وسلم تنفع مع قلة العمل؟

المحبة الصادقة من أعظم أسباب الخير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي ذكر أنه يحب الله ورسوله:

"أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ".

متفق عليه.

وفرح الصحابة رضي الله عنهم بهذا الحديث فرحا عظيما. لكنه ليس دعوة إلى ترك العمل؛ فالمحب الصادق يجتهد في الاقتداء بمحبوبه، ويرجو رحمة الله، ولا يتكل على الدعوى مع الإصرار على المخالفة.

خاتمة
خاتمة

خاتمة

فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم محبة صادقة تجمع بين توقيره واتباع سنته، من غير جفاء ولا غلو. وكلما ازداد المسلم علما بهديه وعملا بسنته، ازداد حبه له وظهر أثر ذلك في عبادته وأخلاقه وحياته. نسأل الله أن يرزقنا صدق محبته، وحسن اتباع سنته، وأن يحشرنا في زمرته. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.