أفضل صلاة التطوع بعد الفريضة
قيام الليل سنة مؤكدة، وليس فرضا على المسلمين. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم منزلته حين جعله أفضل الصلاة بعد المكتوبة:
رواه مسلم (1163).
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قيام الليل من أجل العبادات، وهو أفضل صلاة التطوع بعد الفرائض. وليس من شرطه أن يطيل المسلم أو يكثر الركعات؛ فقد يبدأ بركعتين قبل نومه، وقد يقوم في آخر الليل فيصلي ما تيسر ثم يوتر. والقليل الذي يحافظ عليه بخشوع خير من كثير يشق عليه فينقطع عنه.
قيام الليل سنة مؤكدة، وليس فرضا على المسلمين. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم منزلته حين جعله أفضل الصلاة بعد المكتوبة:
رواه مسلم (1163).
المقصود بقيام الليل في هذا المقال صلاة التطوع التي تؤدى بعد العشاء، سواء كانت قبل النوم أو بعده. وقد يستعمل اللفظ عند بعض أهل العلم بمعنى أوسع، فيشمل ما يكون في الليل من قراءة وذكر ودعاء. ويطلق التهجد على صلاة الليل أيضا، ويخصه بعضهم بالصلاة بعد نوم.
فمن صلى ركعتين بعد العشاء بنية قيام الليل فقد قام من الليل، ولو لم ينم قبلهما. ومن نام ثم استيقظ وصلى فقد صلى قيام الليل والتهجد. ولا يترتب على هذا الفرق اللفظي اختلاف في صفة الصلاة والأحكام المذكورة في هذا المقال.
التراويح هي قيام الليل في رمضان، سميت بهذا الاسم لاجتماع الناس عليها واستراحتهم بين ركعاتها قديما. وأحكام عدد ركعات قيام الليل ووقته تشمل رمضان وغيره، مع فضل خاص لقيام رمضان.
يبدأ وقت صلاة الليل المقصودة هنا بعد أداء صلاة العشاء، وينتهي بطلوع الفجر الصادق.
قالت عائشة رضي الله عنها:
رواه مسلم (736).
والليل كله وقت للصلاة بعد العشاء. فمن خشي ألا يستيقظ صلى وأوتر قبل نومه، ومن وثق بالاستيقاظ فالأفضل أن يجعل صلاته ووتره في آخر الليل.
أفضل الوقت الثلث الأخير من الليل؛ ففيه قال النبي صلى الله عليه وسلم:
متفق عليه: البخاري (1145)، ومسلم (758).
ونثبت لله تعالى صفة النزول كما جاءت في الحديث، نزولا حقيقيا يليق بجلاله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، كما قال سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11].
وصلى النبي صلى الله عليه وسلم في أول الليل ووسطه وآخره، ثم كان أكثر صلاته في آخره. فمن تيسر له الاستيقاظ صلى في الثلث الأخير، ومن شق عليه ذلك صلى قبل نومه ولم يترك القيام.
يحسب الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، لا من العشاء إلى الفجر. ثم تقسم مدته على ثلاثة، ويكون الجزء الأخير هو الثلث الأخير.
ويتغير هذا الوقت باختلاف البلد والفصل، ولذلك يعتمد المسلم مواقيت المغرب والفجر الصحيحة في مكانه.
ليس لقيام الليل عدد واجب ولا حد أعلى يمنع تجاوزه. يصلي المسلم ركعتين ركعتين، ثم يختم بوتر. وإن اقتصر على ركعتين فقد قام من الليل، وإن لم يستطع إلا ركعة الوتر أجزأته عن الوتر ونال أجر ما صلى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
متفق عليه: البخاري (990)، ومسلم (749).
ومعنى «مثنى مثنى» أن يسلم من كل ركعتين. ولم يحدد النبي صلى الله عليه وسلم للسائل عددا لا يتجاوزه، فدل ذلك على سعة الأمر.
كان غالب هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي إحدى عشرة ركعة مع الوتر. قالت عائشة رضي الله عنها:
متفق عليه: البخاري (1147)، ومسلم (738).
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى ثلاث عشرة ركعة في بعض الروايات. فإحدى عشرة أو ثلاث عشرة من أفضل الصفات لمن استطاع أن يصليها بخشوع وطمأنينة.
لكن هذا لا يجعل إحدى عشرة حدا أعلى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن صلاة الليل مثنى مثنى ولم يحدد أكثرها. فمن صلى ركعتين أو أربعا أو ستا أو ثمانيا ثم أوتر فقد أحسن، ومن زاد فلا حرج. وإطالة الصلاة مع حسن القراءة والخشوع أفضل من الاستعجال لتحصيل عدد كبير.
لا تختلف صفة قيام الليل عن سائر الصلوات، وهذه صورتها المختصرة:
ومن احتاج إلى مراجعة أركان الصلاة وأذكارها فليراجع مقال كيف تصلي الصلاة الصحيحة خطوة بخطوة.
لم يحدد الشرع سورا معينة لقيام الليل. يقرأ المصلي بعد الفاتحة ما تيسر، وله أن يقرأ من قصار السور أو طوالها بحسب قدرته.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة والركوع والسجود، وقد قال:
رواه مسلم (756)، والمراد بالقنوت هنا طول القيام.
لكن الإطالة سنة لمن قدر عليها، وليست شرطا لصحة القيام. ومن كانت إطالته تؤدي إلى الملل أو ترك الصلاة فليقرأ ما يستطيع، مع الطمأنينة وتدبر ما يقرأ. ويمكنه أن يكرر السورة التي يحفظها، ولا يلزمه أن يحفظ سورا طويلة حتى يبدأ قيام الليل.
وله أن يجهر أو يسر بالقراءة إذا كان يصلي وحده، ويفعل ما هو أخشع لقلبه، بشرط ألا يؤذي نائما أو مصليا أو قارئا.
يدعو المسلم في سجوده، وبين السجدتين بما ورد، وبعد التشهد وقبل السلام. ويكثر في آخر الليل من الاستغفار وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة.
ولا يوجد دعاء واحد يجب قوله في كل تهجد. والمشروع أن يدعو بالأدعية الثابتة وبما يحتاج إليه من خير، من غير اعتداء في الدعاء ولا التزام صيغة لم تثبت على أنها سنة خاصة بقيام الليل.
والخشوع أهم من تنويع الأدعية وإطالتها، ويمكن مراجعة مقال ما هو الخشوع في الصلاة وكيف تحققه؟.
الوتر هو ختام صلاة الليل، وليس اسما لجميع قيام الليل. فالصورة الأسهل أن يصلي المسلم ركعتين ركعتين، ثم يختم بركعة واحدة توتر له ما صلى.
ومن خشي ألا يقوم آخر الليل أوتر قبل أن ينام، ومن طمع أن يقوم آخره أخر الوتر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
رواه مسلم (755).
وتفاصيل عدد الوتر وصفاته والقنوت فيه موجودة في مقال السنن الرواتب وصلاة الوتر: عددها وأوقاتها وأحكامها.
من أوتر قبل نومه ثم استيقظ، جاز له أن يصلي ركعتين ركعتين، ولا يعيد الوتر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
رواه أبو داود (1439)، والترمذي (470)، والنسائي (1679)، وصححه الألباني.
والأفضل لمن يثق بأنه سيستيقظ أن يؤخر وتره ليكون آخر صلاته، لكن من أوتر أولا ثم نشط للصلاة لا يمنع نفسه من القيام.
الأصل خارج رمضان أن يصلي المسلم قيام الليل منفردا، ويجوز أن يصليه أحيانا مع غيره؛ فقد صلى ابن عباس رضي الله عنهما مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين، وصلى معه حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما كما في صحيح مسلم.
ولا تتخذ صلاة الليل خارج رمضان جماعة راتبة بموعد وهيئة ثابتين؛ إذ لم ينقل ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم ولا من عمل أصحابه. أما في رمضان فتشرع صلاة التراويح جماعة، ومن قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة.
وصلاة النافلة في البيت أفضل في الأصل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ». متفق عليه: البخاري (731)، ومسلم (781). ويستثنى من ذلك ما شرعت له الجماعة، كصلاة التراويح في رمضان.
قيام الليل نافلة، فمن فاته فلا إثم عليه. ومن كان له ورد معتاد فغلبه نوم أو مرض، شرع له أن يقضيه نهارا شفعا، بعد ارتفاع الشمس وقبل الظهر.
قالت عائشة رضي الله عنها:
رواه مسلم (746).
فمن كان يصلي إحدى عشرة مع الوتر ثم قضى ورده نهارا صلاه اثنتي عشرة ركعة؛ لأن وتر النهار لا يشرع.
النوم ليس شرطا لصحة صلاة الليل. من صلى بعد العشاء وقبل النوم فقد صلى قيام الليل. ويسمي بعض أهل العلم ما كان بعد نوم تهجدا على وجه الخصوص، لكن العبادة صحيحة في الحالين.
نعم. حكمه للمرأة كالرجل من حيث الاستحباب والوقت والصفة، وتصليه في بيتها بما تيسر لها.
نعم. قيام الليل والوتر مشروعان في السفر والحضر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ على الوتر في سفره.
يجوز أداء النافلة جالسا، ولو كان المصلي قادرا على القيام، لكن صلاة القائم أفضل، وأجر صلاة القاعد القادر على القيام على النصف من أجر صلاة القائم. أما العاجز فلا حرج عليه، ويرجى أن يكتب له ما كان يعمله قائما إذا منعه المرض أو غيره من الأعذار.
إذا اشتد النعاس حتى لا يدري المصلي ما يقول، فالسنة أن ينام حتى يزول عنه النعاس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
متفق عليه: البخاري (212)، ومسلم (786).
ولا يجعل قيام الليل سببا لإضاعة صلاة الفجر أو التقصير في واجب لا يحتمل التأخير.
أقرب طريق إلى المداومة أن يبدأ المسلم بما يطيق. يختار ركعتين ووقتا يناسب حاله، ثم يزيد حين يجد من نفسه نشاطا من غير أن يحملها ما لا تدوم عليه.
ويعينه على ذلك أن ينام مبكرا، ويترك ما لا حاجة إليه من السهر، ويضبط وقتا واقعيا يستطيع الوفاء به. فإن كان لا يثق باستيقاظه صلى ما تيسر وأوتر قبل النوم، ولا يؤجل الوتر اعتمادا على عزم قد لا يفي به.
ولا يربط هذه العبادة بعدد كبير أو قراءة طويلة. ركعتان بخشوع يحافظ عليهما خير من نشاط أيام قليلة يعقبه انقطاع.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
متفق عليه: البخاري (6465)، ومسلم (783).
لا يشترط لصحة صلاة الليل أن يسبقها نوم، كما أن إحدى عشرة ركعة ليست حدا لا تجوز الزيادة عليه. والمقصود من الصلاة التعبد لله بخشوع وطمأنينة، لا الإسراع لإكمال عدد كبير.
ومن أوتر أول الليل ثم قام آخره فلا يعيد الوتر. ولا يخص القيام بسور أو أدعية لم تثبت معتقدا أن لها فضلا خاصا فيه. كذلك لا يسهر المرء للنافلة حتى يضيع صلاة الفجر أو يخل بواجب، ولا يترك القيام كله لأنه لا يستطيع الإطالة.
البداية التي يقدر عليها أكثر الناس ركعتان بعد العشاء بطمأنينة، ثم الوتر قبل النوم لمن لا يثق باستيقاظه.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.