حديث جبريلالإيمان بالقدر خيره وشره
جاء بيان ذلك صريحا في حديث جبريل. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
«بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا. قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».
رواه مسلم.
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالقدر خيره وشره واحدا من أركان الإيمان الستة. ويمكن مراجعة المقال الجامع أركان الإيمان الستة ومعانيها باختصار.
ما معنى القضاء والقدر؟
القدر هو تقدير الله للأشياء قبل وقوعها على وفق علمه السابق وحكمته، وكتابته لها، ومشيئته النافذة، وخلقه لها عند وقوعها.
ويذكر بعض أهل العلم عند الجمع بين اللفظين أن القدر هو التقدير السابق، وأن القضاء هو وقوع المقدور وإنفاذه. وقد يستعمل أحد اللفظين بمعنى الآخر. وليس المقصود أن يتكلف المسلم حفظ الفروق الاصطلاحية، وإنما أن يعتقد ما دلت عليه النصوص من علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه.
مراتب القدر الأربع
جمع أهل السنة أدلة القرآن والسنة في أربع مراتب مترابطة، لا يتم الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بها جميعا: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق.
ومن السهل تذكرها بهذه العبارة: علم الله كل شيء، وكتب كل شيء، وشاء ما يقع، وخلق كل شيء.
١
المرتبة الأولى: العلم
نؤمن بأن الله علم كل شيء علما أزليا أبديا: علم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. يعلم أعمال العباد قبل أن يعملوها، وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ولم يكتسب الله علما بعد جهل، تعالى الله عن ذلك، بل لم يزل بكل شيء عليما.
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70].
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59].
وعلم الله السابق لا يجبر العبد على المعصية. فالله علم ما سيختاره العبد بعلمه الكامل، والعبد يعمل بإرادته التي أعطاه الله إياها، ولذلك يستحق الثواب أو العقاب.
٢
المرتبة الثانية: الكتابة
نؤمن بأن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض.
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22-23].
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ». رواه مسلم.
وهذه الكتابة تابعة لعلم الله، وليست سببا أجبر العباد على أفعالهم. كتب الله ما علم أنهم سيعملونه باختيارهم، فلا يقع شيء مخالف لعلمه وكتابه.
٣
المرتبة الثالثة: المشيئة
نؤمن بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. فلا يقع في ملكه شيء خارج عن مشيئته، ومع ذلك فقد أثبت للعبد مشيئة حقيقية تابعة لمشيئة الله.
{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ} [التكوير: 28-29].
فأثبت للعبد مشيئة في قوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ}، وبين أنها لا تستقل عن مشيئة الله في قوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}.
٤
المرتبة الرابعة: الخلق
نؤمن بأن الله خالق كل شيء: خالق الذوات والصفات والقدرات، وخالق العباد وأعمالهم. وليس معنى ذلك أن العبد لا يفعل حقيقة، بل العبد هو المصلي والصائم والمتصدق، وهو الكاذب أو الظالم إذا اختار ذلك، والله خلقه وخلق قدرته وإرادته وعمله.
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62].
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96].
فلا خالق مع الله، ولا يخرج فعل من أفعال العباد عن خلقه سبحانه، وفي الوقت نفسه تنسب الأفعال إلى العباد لأنهم باشروها بإرادتهم وقدرتهم، ولهذا جاءت الأوامر والنواهي والثواب والعقاب.
هل الإنسان مسير أم مخير؟
هذه العبارة المجملة قد توقع في الخطأ. والصواب أن يقال: للإنسان مشيئة وقدرة واختيار حقيقي في الأفعال التي يحاسبه الله عليها، لكنه ليس مستقلا عن ربه؛ فمشيئته وقدرته مخلوقتان لله وتابعتان لمشيئته.
فالإنسان يفرق بالضرورة بين من نزل من الدرج باختياره ومن دفع فسقط، وبين حركة يده حين يرفعها باختياره وحركتها عند الارتعاش الذي لا يملكه. ولهذا لم يكلفه الله بما لا يستطيع، ولم يؤاخذه على ما أكره عليه أو وقع منه بغير قصد على الوجه الذي قررته الشريعة.
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [البقرة: 286].
وأهل السنة وسط بين طرفين ضالين: طرف يسلب العبد اختياره ويجعله مجبرا، وطرف يجعل أفعال العباد خارجة عن مشيئة الله وخلقه. والحق إثبات القدر كله وإثبات مسؤولية العبد كلها كما جاءت بهما النصوص.
الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية
من أهم ما يمنع سوء فهم القدر أن الإرادة الواردة في النصوص تأتي على نوعين، أما المشيئة فتتعلق بما يقع كونا:
- الإرادة الكونية القدرية: وهي بمعنى المشيئة، وتتعلق بكل ما يقع في الكون؛ فما شاءه الله كونا وقع، سواء أحبه وأمر به أم لم يحبه ولم يأمر به.
- الإرادة الشرعية الدينية: تتعلق بما يحبه الله ويرضاه وأمر به، كالإيمان والتوبة والطاعة. وقد يفعله بعض الناس ويتركه آخرون.
{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27].
فالكفر والمعصية يقعان بمشيئة الله وإرادته الكونية، إذ لا يقع في ملكه ما لا يشاء، لكنه لا يحبهما ولا يرضاهما ولا يأمر بهما.
{إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الزمر: 7].
فليس كل ما قدره الله وأذن بوقوعه كونا محبوبا له شرعا، ومن سوى بين الأمرين فتح بابا لتبرير الشرك والظلم والمعصية.
ما معنى الإيمان بالقدر خيره وشره؟
معناه أن كل ما يقع من محبوب أو مكروه داخل في علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه. فالنعمة والصحة والطاعة من القدر، والمرض والفقر والموت والمصائب من القدر، ووقوع المعاصي من العباد داخل في القدر الكوني مع كونها محرمة مبغوضة لله شرعا.
والقدر من جهة نسبته إلى الله علم وكتابة ومشيئة وخلق قائم على الحكمة والعدل، فلا ينسب إلى الله شر محض. أما المقدور فقد يكون شرا أو ألما بالنسبة إلى عبد أو من وجه معين، وتكون وراءه حكم ومصالح قد يعلم العباد بعضها ويخفى عليهم كثير منها.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40].
فالله سبحانه حكيم عليم عدل، لا يخلق شيئا عبثا ولا يظلم أحدا. وقد يظهر من البلاء تكفير السيئات، ورفع الدرجات، ورد العبد إلى ربه، وإظهار الصبر والصدق، ورحمة آخرين وإنذارهم، وحكم أخرى لا نحيط بها.
ولا يجوز أن يجزم الإنسان بالحكمة الخاصة في مصيبة معينة بلا دليل، فيقول عن شخص بعينه: أصابه هذا عقوبة لذنب كذا. قد تكون المصيبة عقوبة، وقد تكون ابتلاء ورفعة وتكفيرا، وقد تجتمع فيها حكم متعددة، والله أعلم.
الإيمان بالقدر لا يعني ترك العمل
لما سأل الصحابة عن الكتاب السابق لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بترك العمل، بل أمرهم به. عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ». فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ».
ثم قرأ:
{فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5-10]. متفق عليه.
فالمؤمن لا يعرف ما كتب له، وإنما يعرف أمر الله ونهيه، فيعمل بطاعته، ويسأل ربه الثبات وحسن الخاتمة، ويرجو أن ييسره الله لليسرى.
الأخذ بالأسباب من الإيمان بالقدر
الطعام سبب للشبع، والدواء سبب للعلاج، والعمل سبب للرزق، والتعلم سبب للعلم، والطاعة سبب للفلاح. والله هو خالق الأسباب ونتائجها، وقد تتخلف النتيجة لحكمة يعلمها.
«المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ». رواه مسلم.
فجمع الحديث بين الحرص والعمل والاستعانة قبل وقوع الأمر، وبين التسليم للقدر بعد وقوع ما لا يمكن رده. وترك الأسباب مع القدرة عليها ليس توكلا، بل قد يكون عجزا أو تفريطا.
هل الدعاء والعلاج يغيران القدر؟
الدعاء والعلاج وسائر الأسباب المشروعة كلها من قدر الله. فقد يقدر الله البلاء، ويقدر أن يندفع بدعاء أو دواء أو سبب مشروع آخر. فلا يخرج شيء من ذلك عن علمه وكتابته ومشيئته.
وما في أم الكتاب عند الله لا يتبدل ولا يستجد فيه ما لم يكن الله يعلمه. وقد اختلف أهل التفسير في تفصيل المحو والإثبات المذكور في الآية؛ ومن الأقوال المشهورة أن المحو والإثبات يقعان فيما بأيدي الملائكة من الصحف على وفق ما سبق في أم الكتاب. وقيل: يدخل فيه نسخ ما يشاء الله من الأحكام، ومحو السيئات بالتوبة والعفو، وغير ذلك. وهذه الأقوال لا تعني بحال أن علم الله يتغير أو يظهر له ما لم يكن يعلمه.
{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ} [الرعد: 39].
فلا يقل المسلم: إن كان الأمر مقدرا فلا فائدة من الدعاء أو العلاج. بل يدعو لأن الله أمره بالدعاء، ويتداوى لأن التداوي سبب مشروع، ويعلم أن السبب والمسبب كلاهما بقدر الله.
لا يجوز الاحتجاج بالقدر على الذنوب
لا يجوز لمن ترك الصلاة أو ظلم الناس أو ارتكب محرما أن يقول: هذا قدر الله علي، فلا لوم علي. فالقدر سر غائب لم يكن يعرفه قبل فعله، وقد عرف الأمر والنهي، وكانت له قدرة واختيار.
وقد أبطل الله حجة المشركين حين احتجوا بالمشيئة على شركهم وتحريمهم ما لم يأذن به، فقال سبحانه:
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 148-149].
والتصرف الصحيح عند الذنب هو الاعتراف به والتوبة والاستغفار ورد الحقوق، لا استعمال القدر لتعطيل الشرع. فمن تاب من ذنبه ثم تذكر ما وقع، علم أنه لم يكن ليخرج عن قدر الله، لكنه لا يجعل ذلك عذرا للعودة إلى المعصية.
كيف يفهم حديث احتجاج آدم وموسى؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى». متفق عليه.
لا يدل الحديث على جواز الاحتجاج بالقدر لتبرير المعصية؛ فآدم عليه السلام تاب من ذنبه واعترف به، كما قال الله تعالى:
{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].
وإنما كان اللوم في المحاجة على المصيبة التي ترتبت بعد التوبة، وهي الخروج من الجنة، لا على الإصرار على الذنب. فالقدر يحتج به في المصائب بعد وقوعها، ولا يحتج به لإبطال الأمر والنهي أو الاستمرار في المعصية.
كيف يتعامل المسلم مع المصيبة؟
إذا نزلت المصيبة، فالمشروع للمسلم أن:
- يعلم أنها لم تقع خارج علم الله وكتابه ومشيئته.
- يصبر، فلا يعترض على الله ولا يقول ما يسخطه.
- يأخذ بالأسباب المشروعة لدفع الضرر أو علاجه.
- يحاسب نفسه ويتوب من ذنوبه من غير أن يجزم أن المصيبة عقوبة على ذنب معين.
- يحسن الظن بالله ويرجو الأجر والفرج.
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11].
«عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». رواه مسلم.
والصبر لا يعني ألا يحزن الإنسان أو يتألم أو يبكي؛ فهذه أمور جبلية. الممنوع هو التسخط المحرم، والاعتراض على الله، والكلام أو الفعل الذي لا يرضيه. والصبر واجب، والرضا القلبي بالمصيبة منزلة عالية زائدة عند كثير من أهل العلم، أما الرضا بالمعصية والظلم فليس مشروعا.
وصية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة في القدر والتوكل
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فقال:
«يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
فالحديث يربي المسلم على توحيد الله، وسؤاله والاستعانة به، وحفظ أوامره، والثقة بأن الخلق لا يستقلون بنفع ولا ضر. ولا يعني ذلك ترك الأسباب المباحة أو عدم طلب المساعدة فيما يقدر عليه الناس، بل يعني أن القلب يعتمد على الله وحده ويعلم أن الأسباب لا تنفع إلا بإذنه.
إذا كان كل شيء مكتوبا، فلماذا نعمل؟
لأن الله أمرنا بالعمل ولم يطلعنا على ما كتب لنا، وجعل الأعمال أسبابا توصل إلى نتائجها. وقد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال بقوله: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». فالواجب أن تعمل بالطاعة، وتترك المعصية، وتسأل الله أن ييسرك لليسرى.
هل علم الله السابق يجبر الإنسان على فعله؟
لا. العلم يكشف المعلوم على حقيقته ولا يجبره. علم الله أن العبد سيختار فعلا معينا، والعبد يفعله باختياره، فلا يتخلف علم الله ولا تزول مسؤولية العبد. والله هو الذي خلق العبد وقدرته وإرادته.
هل كل ما يقع يحبه الله؟
لا. كل ما يقع فقد شاء الله وقوعه كونا، لكن لا يلزم أن يكون محبوبا له شرعا. فالله لا يحب الكفر والفساد والظلم، وقد نهى عنها وتوعد فاعليها، مع أنها لا تقع خارج ملكه ومشيئته الكونية.
هل يجوز أن أقول: شاءت الأقدار؟
الأولى والأصح أن يقال: شاء الله، أو قدر الله ذلك؛ لأن المشيئة صفة لله، أما الأقدار فلا مشيئة لها. ويجوز الإخبار بأن هذا من قدر الله من غير نسبة الفعل والإرادة إلى القدر نفسه.
هل الدعاء يرد القدر؟
الدعاء سبب شرعي يدفع الله به ما شاء من البلاء ويجلب به ما شاء من الخير، وهو نفسه مكتوب ومقدر. فلا تعارض بين الدعاء والقدر؛ بل الدعاء من القدر، كما أن الدواء من القدر والشفاء من القدر.
هل التداوي ينافي التوكل والرضا بالقدر؟
لا. التداوي سبب مباح أو مستحب، وقد يجب في بعض الأحوال إذا ترتب على تركه ضرر محقق أو ضياع حق. يأخذ المسلم بالسبب وقلبه متعلق بالله، فلا يعتمد على الدواء استقلالا ولا يتركه باسم التوكل.
هل يجوز قول لو؟
قول لو ليس ممنوعا في كل موضع. الممنوع أن يقولها بعد المصيبة على وجه الاعتراض والتحسر الذي يفتح باب وسوسة الشيطان، مثل: لو فعلت كذا لما وقع قدر الله. أما استعمالها في التعليم، أو التخطيط النافع للمستقبل، أو بيان أمر مشروع، فلا حرج فيه بحسب السياق.
هل المصيبة دليل على غضب الله؟
لا يلزم. قد تكون المصيبة عقوبة، أو تكفيرا للسيئات، أو رفعا للدرجات، أو اختبارا للصبر، أو تجمع أكثر من حكمة. فلا يحكم على معين بأن الله غضب عليه لمجرد مرض أو فقر أو فقد، ولا يحكم له بالرضا لمجرد السعة.
هل الرضا بالقدر يعني السكوت عن الظلم؟
لا. يؤمن المسلم بأن الظلم وقع بقدر الله الكوني، لكنه يبغض الظلم لأن الله حرمه، ويدفعه بالطرق المشروعة، وينصر المظلوم، ويطالب بالحق، ويحاسب الظالم حيث يملك ذلك. الإيمان بالقدر لا يلغي الشرع ولا الحقوق.
إذا أذنبت، فهل أقول: هذا مكتوب علي؟
لا تجعل الكتابة عذرا. قل: ظلمت نفسي، وأتوب إلى الله. وبعد التوبة تعلم أن ما وقع لم يخرج عن قدر الله، فتسأل الله المغفرة والثبات ولا تيأس، لكنك لا تستعمل القدر لتبرير الذنب أو تكراره.
لماذا يهدي الله بعض الناس ويضل آخرين؟
الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله وحكمته، ولا يظلم أحدا. وقد أرسل الرسل وأنزل الكتب وأعطى العباد عقولا وقدرا من الاختيار، وبين طريق الخير والشر. فعلينا طلب الهداية والأخذ بأسبابها، ولا نخوض في أسرار أعيان الخلق بغير علم.
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17].
هل يمكن لأحد أن يعرف ما قدر له قبل وقوعه؟
لا يعلم الغيب إلا الله، إلا ما أطلع عليه من ارتضى من رسله. فلا تعرف الأقدار بالأبراج ولا قراءة الكف ولا الكهانة ولا الطيرة ولا المنامات التي يدعي بها أصحابها كشف المستقبل. يعمل المسلم بما شرعه الله، ويستخيره ويستشير أهل الخبرة، ثم يمضي في المباح.
{عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26-27].
كيف تزيد صلة الرحم في العمر والرزق مع أن كل شيء مكتوب؟
«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». متفق عليه.
لا تعارض بين الحديث والقدر؛ فصلة الرحم سبب، وزيادة الرزق والعمر المترتبة عليها مقدرة كذلك. وذكر أهل العلم أن الزيادة قد تكون فيما تكتبه الملائكة على وجه معلق بسبب، مع ثبوت ما في أم الكتاب، وفسرها آخرون بالبركة في العمر والتوفيق لعمارة الوقت بالطاعة والنفع. وفي الحالين لم يتغير علم الله، بل سبق علمه بالسبب ونتيجته جميعا.
هل إنكار القدر أمر يسير؟
لا. الإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان، وجحد هذا الأصل بعد قيام الحجة يناقض الإيمان به. لكن الحكم على شخص معين له شروط وموانع، وليس بابا لعامة الناس أو أهل الوسواس؛ فيرجع فيه إلى أهل العلم الراسخين.
ماذا يفعل من أتعبته وساوس القدر؟
يتعلم الأصول الواضحة من مصدر موثوق، ويؤمن بالنصوص كلها، ثم يكف عن محاكمة كل خاطر وإعادة الأسئلة نفسها. فإذا تحولت الأسئلة إلى وساوس قهرية متكررة تعطل عبادته أو حياته، فليستفد من مقال الوساوس والأفكار القهرية في العقيدة والعبادة، وليطلب مساعدة عالم حكيم ومختص نفسي مؤهل عند الحاجة.
عمل واستعانة وتسليم
الإيمان بالقدر خيره وشره هو الإيمان بأن الله علم كل شيء، وكتب كل شيء، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء. ومع ذلك فللعبد مشيئة وقدرة حقيقيتان، وباختياره يعمل ويحاسب، ومشيئته تحت مشيئة الله.
فلا يجعل المسلم القدر بابا للعجز أو تبرير المعصية، بل يجعله بابا للعمل والاستعانة بالله، والتوبة عند الخطأ، والشكر عند النعمة، والصبر عند المصيبة. ويبقى قلبه بين أمرين عظيمين: بذل السبب قبل وقوع الأمر، والتسليم لله بعد وقوع ما لا يستطيع رده.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.