الطلاق والعدة

حقوق المطلقة وأحكام العدة في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

جعل الله الزواج ميثاقا غليظا، وأمر الزوجين بالمعاشرة بالمعروف، وجعل الطلاق علاجا أخيرا عندما يتعذر استمرار الحياة الزوجية. وإذا وقع الطلاق لم تبح الخصومة ظلم أحد الطرفين للآخر؛ فللمطلقة حقوق ثابتة، وعليها أحكام تتعلق بالعدة والبيت والرجعة والزواج الجديد.

قال الله تعالى:

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231].

فكما أمر الشرع بالإمساك بالمعروف، أمر عند الفراق بالتسريح بالمعروف، ونهى أن تستعمل الرجعة أو النفقة أو الأولاد وسيلة للإضرار والانتقام.

تنبيه مهم قبل قراءة الأحكام
قسم

تنبيه مهم قبل قراءة الأحكام

هذا المقال يشرح القواعد العامة، ولا يحكم على واقعة طلاق بعينها. فالطلاق في الغضب الشديد، أو الحيض، أو النفاس، أو الطهر الذي حصل فيه جماع، والطلاق الثلاث، والطلاق المعلق، والكنايات، والخلع، مسائل قد يختلف حكمها باختلاف اللفظ والنية والحال والأدلة والنظام القضائي.

ومن وقع منه طلاق أو شك في وقوعه، فعليه أن يعرض الواقعة كاملة على عالم موثوق أو محكمة شرعية، وألا يعتمد على مقال عام أو جواب مختصر في إبقاء النكاح أو إنهائه.

ما معنى العدة؟ وما حكمتها؟
قسم

ما معنى العدة؟ وما حكمتها؟

العدة مدة شرعية تنتظرها المرأة بعد الطلاق قبل أن يحل لها عقد زواج جديد. ومن حكمها:

  1. التحقق من براءة الرحم وحفظ الأنساب.
  2. إعطاء فرصة للمراجعة وإصلاح الأسرة في الطلاق الرجعي.
  3. تعظيم شأن عقد الزواج، ومنع الانتقال المتعجل من عقد إلى آخر.
  4. حفظ حقوق الزوجين والولد، ومعرفة ما يترتب على الحمل أو الوفاة أثناء العدة.

وتبدأ عدة المطلقة من وقت وقوع الطلاق الصحيح، لا من تاريخ استخراج الورقة أو تسجيلها. فإن وقع نزاع في تاريخ الطلاق أو صحته رجع إلى القضاء الشرعي.

أولا: معرفة نوع الطلاق قبل تحديد الحقوق
قسم

أولا: معرفة نوع الطلاق قبل تحديد الحقوق

لا يمكن تحديد حقوق المطلقة من غير معرفة نوع الفرقة؛ لأن أحكام الرجعية تختلف عن البائن.

الطلاق الرجعي

هو الطلقة الأولى أو الثانية بعد الدخول، إذا لم تكن على عوض ولم تكن الفرقة من أسباب البينونة. أما الطلاق بعد الخلوة الصحيحة من غير جماع، فقد اختلف أهل العلم فيه: فالحنابلة ومن وافقهم يلحقون الخلوة بالدخول ويجعلونه رجعيا، بينما يجعله جمهور الفقهاء بائنا. لذلك لا يحكم فيه من غير معرفة الواقعة والمذهب القضائي المعمول به.

وفي الطلاق الرجعي يملك الزوج مراجعة زوجته خلال العدة من غير عقد جديد، بشرط أن تكون الرجعة للإصلاح لا للإضرار.

والمطلقة الرجعية في حكم الزوجة ما دامت في العدة؛ فلها السكن والنفقة، وتبقى في بيت الزوجية، ويثبت التوارث بينهما إذا مات أحدهما أثناء العدة.

البينونة الصغرى

تكون في صور منها: انتهاء عدة المطلقة من طلقة أولى أو ثانية من غير رجعة، والطلاق قبل الدخول، والخلع والفسخ في الجملة. ولا يملك الرجل إرجاعها بمجرد الرجعة، لكن يمكن أن يتزوجها بعقد جديد ومهر جديد وبرضاها ووليها إذا لم تكن الطلقة الثالثة.

البينونة الكبرى

تكون بعد الطلقة الثالثة المعتبرة شرعا. فلا تحل المطلقة لمطلقها حتى تتزوج زوجا آخر زواجا صحيحا مقصودا، ويدخل بها، ثم ينتهي الزواج الثاني من غير تحايل، وتنقضي عدتها منه.

قال الله تعالى:

{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229].

الحقوق العامة للمطلقة
قسم

الحقوق العامة للمطلقة

الحق الأول: المعاملة بالمعروف ومنع الضرر

لا يجوز سب المطلقة، أو تشويه سمعتها، أو نشر أسرارها، أو تهديدها، أو حبس أوراقها وحقوقها، أو استعمال الأولاد لإيذائها. كما لا يجوز لها ظلم مطلقها أو الكذب عليه أو منعه من حقوقه المشروعة المتعلقة بالأولاد.

والواجب أن يكون الفراق بإحسان، وأن تفصل المنازعات المالية والأسرية بالصلح العادل أو القضاء، لا بالانتقام.

الحق الثاني: المهر المؤخر والحقوق المالية الثابتة

إذا دخل الزوج بزوجته أو حصلت خلوة صحيحة عند من يلحقها بالدخول، استقر لها المهر كاملا، ومنه المؤخر المتفق عليه، ما لم تكن الفرقة خلعا أو صلحا تنازلت فيه عن شيء برضا صحيح.

أما إذا طلقها قبل الدخول وقبل الخلوة الصحيحة، وكان المهر مسمى، فلها نصفه. قال الله تعالى:

{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237].

وإذا لم يسم لها مهر وطلقت قبل الدخول فلها المتعة بالمعروف بحسب حال الزوج.

الحق الثالث: متعة الطلاق

متعة الطلاق مال أو كسوة أو نفع يقدمه الزوج جبرا لخاطر المطلقة بحسب سعته وحالها. قال الله تعالى:

{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى المُتَّقِينَ} [البقرة: 241].

وقد اختلف أهل العلم في وجوب المتعة في جميع صور الطلاق، واتفقوا على مشروعيتها، وتتأكد أو تجب في صور بينها القرآن، ومنها من طلقت قبل الدخول ولم يسم لها مهر. ومقدارها يرجع إلى المعروف وحال الزوجين وحكم القضاء عند النزاع.

الحق الرابع: الاحتفاظ بمالها وممتلكاتها

مال المرأة وراتبها ومدخراتها وميراثها وممتلكاتها الخاصة لها، ولا يملك الزوج أخذها بسبب الطلاق. وما كان مشتركا بينهما يوزع بحسب الملك المثبت أو الاتفاق الصحيح، لا بمجرد كون أحدهما الزوج أو الزوجة.

أما الهدايا، والأثاث، والذهب، وما دفع لأجل الزواج، فقد تختلف أحكامه بحسب كونه مهرا أو هبة أو عارية وبحسب العرف والإثبات؛ فيرجع عند التنازع إلى القضاء.

حقوق المطلقة طلاقا رجعيا أثناء العدة
قسم

حقوق المطلقة طلاقا رجعيا أثناء العدة

السكن وعدم إخراجها من بيتها

يجب أن تبقى المطلقة الرجعية في بيت الزوجية أثناء العدة، ولا يجوز للزوج إخراجها، ولا لها أن تخرج لمجرد وقوع الطلاق. قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1].

والحكمة ظاهرة في ختام الآية: لعل الله يحدث بعد ذلك رغبة في الإصلاح والرجعة. أما إذا وجد عنف أو تهديد أو خوف معتبر، فلها الانتقال إلى مكان آمن والاستعانة بأهلها والجهات المختصة، ولا تلزم بالبقاء في موضع يهدد سلامتها.

النفقة الكاملة بالمعروف

للمطلقة الرجعية أثناء العدة نفقتها المعتادة من الطعام والكسوة والسكن بحسب قدرة الزوج والعرف؛ لأنها لا تزال زوجة من جهة الأحكام. ولا يجوز إسقاط نفقتها عقوبة لها أو وسيلة لإجبارها على التنازل.

إمكان الرجعة من غير عقد جديد

للزوج أن يراجعها ما دامت في العدة إذا كان الطلاق طلقة أولى أو ثانية، ولم يكن على عوض، وكانت الرجعة بقصد الإصلاح. قال الله تعالى:

{وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228].

ولا تحتاج الرجعة الصحيحة إلى عقد ومهر جديدين. ويشرع الإشهاد عليها، وقد اختلف أهل العلم في وجوبه، بينما ذهب جمهورهم إلى استحبابه. وينبغي توثيق الرجعة رسميا، ويجب الالتزام بإجراءات التوثيق الملزمة في البلد؛ حفظا للحقوق ومنعا للنزاع. ويحرم أن يراجعها بقصد إطالة الضرر أو منعها من الزواج بعد العدة.

التوارث أثناء العدة

إذا مات أحد الزوجين والمطلقة الرجعية ما زالت في عدتها، ورثه الآخر؛ لأنها ما زالت في حكم الزوجة. وإذا مات الزوج، انتقلت إلى عدة الوفاة: فإن لم تكن حاملا اعتدت أربعة أشهر وعشرة أيام من وقت وفاته، وإن كانت حاملا فعدتها إلى وضع الحمل.

حقوق المطلقة طلاقا بائنا
قسم

حقوق المطلقة طلاقا بائنا

البائن الحامل

للمطلقة الحامل النفقة والسكن حتى تضع حملها، سواء كانت الفرقة رجعية أو بائنة. قال الله تعالى:

{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6].

وبعد الولادة تكون نفقة الطفل على أبيه، وللأم أجرة الرضاع إذا استحقتها واتفقا عليها أو حكم بها القضاء.

البائن غير الحامل

اختلف أهل العلم في نفقتها وسكناها. فذهب جماعة إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى، واستدلوا بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، قالت:

"طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً".

رواه مسلم.

وذهب آخرون إلى ثبوت السكنى لها، وذهب فريق إلى ثبوت السكن والنفقة، مستدلين بعموم آيات السكن، وقد نقل الخلاف عن بعض الصحابة والفقهاء. والقول الذي يعتمده هذا المقال أن البائن غير الحامل لا نفقة لها ولا سكنى على مطلقها، عملا بحديث فاطمة رضي الله عنها، لكن المسألة خلافية، وما حكم به القضاء في البلد يلزم طرفي النزاع.

ولا يجوز أن يستعمل هذا الخلاف لطرد امرأة فورا إلى مكان غير آمن أو منعها من أخذ متاعها ووثائقها، بل يفصل الأمر بالمعروف والقضاء.

حقوق الأولاد بعد الطلاق
قسم

حقوق الأولاد بعد الطلاق

الطلاق ينهي العلاقة الزوجية أو يغيرها، لكنه لا ينهي الأبوة والأمومة. ومن أهم حقوق الأولاد:

  1. النفقة على الأب بحسب استطاعته وحاجة أولاده، وتشمل الطعام والكسوة والسكن والعلاج والتعليم بالمعروف.
  2. الحضانة حق يتعلق بمصلحة الطفل قبل أن تكون مكسبا لأحد الأبوين، والأم أحق بالصغير في الأصل ما لم يوجد مانع معتبر، وتفاصيل السن والانتقال والزواج تختلف باختلاف الحال والقضاء.
  3. تمكين الطفل من صلة أبيه وأمه ومنع التحريض والكذب عليهما.
  4. عدم استعمال النفقة أو الزيارة أو الحضانة للانتقام من الطرف الآخر.
  5. الاتفاق على الرضاع والنفقات والزيارة كتابة، والرجوع إلى القضاء عند النزاع.

ولا يجوز للأم إسقاط نفقة الطفل بما يضره؛ لأنها حق للولد، كما لا يجوز للأب حبس النفقة للضغط على الأم.

كم مدة عدة المطلقة؟
قسم

كم مدة عدة المطلقة؟

عدة من تحيض

عدتها ثلاثة قروء. وقد اختلف أهل العلم في معنى القرء، والقول الذي يعتمده هذا المقال أنه الحيض. فتعِد ثلاث حيضات كاملة بعد الطلاق. فإذا انقطع دم الحيضة الثالثة وتحقق الطهر، فقد اختلف أهل العلم هل تنتهي العدة بمجرد الطهر أم لا تنتهي حتى تغتسل؛ ولذلك يرجع عند تعلق الرجعة أو عقد زواج جديد بهذه المدة الدقيقة إلى عالم موثوق أو قضاء شرعي.

ولا يجوز لها أن تكتم الحيض أو الحمل لتقصير العدة أو إطالتها؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228].

عدة من لا تحيض

من بلغت سن اليأس، ومن لا تحيض، فعدتها ثلاثة أشهر قمرية. قال الله تعالى:

{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4].

أما من انقطع حيضها لسبب عارض كالرضاع أو الدواء أو المرض، أو اضطرب اضطرابا شديدا، فلا تجعل لنفسها مدة من غير علم؛ لأن الحكم يختلف بحسب معرفة السبب والعادة واحتمال عودة الحيض، فتسأل عالما موثوقا مع الاستعانة بالطبيبة عند الحاجة.

عدة الحامل

عدة الحامل تنتهي بوضع جميع الحمل، ولو وضعت بعد الطلاق بوقت قصير، ولو طالت مدة الحمل. وإذا كان الحمل توأما لم تنته العدة حتى يولد آخرهما.

أما السقط، فلا تنتهي به عدة الحامل إلا إذا تبين أنه حمل قد ظهرت فيه خلقة إنسان على التفصيل المعروف عند أهل العلم. وهذه مسألة تحتاج إلى تقرير طبي وسؤال شرعي، ولا يحكم فيها بمجرد نزول الدم.

المطلقة قبل الدخول

إذا وقع الطلاق قبل الدخول وقبل الخلوة الصحيحة فلا عدة عليها. قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49].

أما إذا حصلت خلوة صحيحة من غير جماع، فقد ألحقها جمهور من أهل العلم بالدخول في وجوب العدة واستقرار المهر، وقضى بذلك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. لكنهم اختلفوا هل يكون الطلاق بعدها رجعيا أم بائنا؛ فالحنابلة يجعلونه رجعيا، والجمهور يجعله بائنا إذا لم يحصل دخول. وتفصيل الخلوة يختلف باختلاف الحال؛ فيرجع فيه إلى القضاء.

عدة المختلعة

اختلف أهل العلم في عدة المختلعة: فذهب الجمهور إلى أن عدتها عدة المطلقة، وذهب جماعة من الصحابة وأهل الحديث إلى أن عدتها حيضة واحدة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما:

"أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ".

رواه الترمذي وصححه جماعة من أهل الحديث.

والقول الذي يرجحه هذا المقال أن عدة المختلعة حيضة واحدة لهذا الحديث. ومن اعتدت ثلاث حيض خروجا من الخلاف فقد أخذت بالأحوط. ولأن آثار الخلع تتصل بحل الزواج والنسب، فينبغي توثيقه والعمل بحكم القضاء أو فتوى عالم اطلع على الواقعة.

ماذا يجب على المطلقة أثناء العدة؟
قسم

ماذا يجب على المطلقة أثناء العدة؟

  1. حساب العدة من وقت وقوع الطلاق الصحيح وتوثيق تاريخها.
  2. عدم عقد الزواج حتى تنتهي العدة يقينا.
  3. عدم كتمان الحمل أو الحيض.
  4. بقاء الرجعية في بيت الزوجية ما لم يوجد خوف أو ضرر معتبر.
  5. حفظ حدود الله والبعد عن الخلوة المحرمة؛ فالبائن ليست زوجة لمطلقها.
  6. الرجوع إلى أهل العلم عند اضطراب الدم أو توقف الحيض أو الاشتباه في السقط.
  7. المحافظة على حقوق الأولاد وعدم إدخالهم في النزاع.

ولا يجب الإحداد على المطلقة الرجعية باتفاق أهل العلم؛ لأنها ما زالت في حكم الزوجة، ولها أن تتزين لمطلقها إذا رجت الإصلاح. أما المطلقة البائن فقد اختلف أهل العلم في إحدادها، وذهب جمهورهم إلى أنه لا يجب عليها الإحداد الذي يجب على المتوفى عنها زوجها، وهو القول المختار هنا.

هل يجوز للمعتدة الخروج للعمل أو الحاجة؟
قسم

هل يجوز للمعتدة الخروج للعمل أو الحاجة؟

تفصيل الخروج يختلف باختلاف نوع الطلاق. فالمطلقة الرجعية في حكم الزوجة، والأصل أن تقيم في بيت الزوجية وألا تنتقل منه أثناء العدة، ويكون خروجها بإذن زوجها إلا عند الضرورة أو خوف الضرر. أما المطلقة البائن فلها أن تخرج في النهار لحاجتها، كالعلاج والعمل والمحكمة وشراء ما تحتاج إليه، مع مراعاة الضوابط الشرعية وأمن الفتنة.

وقد طلقت خالة جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، فأرادت أن تجد نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:

"بَلَى، فَجُدِّي نَخْلَكِ؛ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا".

رواه مسلم.

وهذا الحديث أصل في جواز خروج المعتدة من طلاق بائن للحاجة. أما الانتقال من المسكن بسبب العنف أو الخوف أو انعدام الأمان فضرورة معتبرة، ولا يكلف الشرع المرأة أن تبقى في موضع تتعرض فيه للأذى. وينبغي عند الحاجة إلى سفر أو انتقال طويل أثناء العدة سؤال عالم موثوق واتباع حكم القضاء؛ لاختلاف التفاصيل باختلاف نوع الفرقة والحاجة.

كيف تكون الرجعة الصحيحة؟
قسم

كيف تكون الرجعة الصحيحة؟

إذا كان الطلاق رجعيا، فللزوج مراجعة زوجته قبل انتهاء عدتها بقول صريح مثل: "راجعت زوجتي". ويشرع الإشهاد والتوثيق الرسمي حتى لا تضيع الحقوق.

وقد اختلف أهل العلم في حصول الرجعة بالجماع وحده، فلا ينبغي الاعتماد عليه من غير تصريح وتوثيق. وإذا انتهت العدة قبل الرجعة، فلا تعود المرأة إليه إلا بعقد جديد وولي ومهر ورضا منها، ما لم تكن الطلقة الثالثة.

أخطاء شائعة بعد الطلاق
قسم

أخطاء شائعة بعد الطلاق

  1. إخراج المطلقة الرجعية من بيتها فور التلفظ بالطلاق.
  2. اعتقاد أن كل مطلقة لها الحقوق المالية نفسها من غير تمييز بين الرجعية والبائن والحامل.
  3. إسقاط المهر المؤخر أو نفقة الأولاد بالقوة أو التهديد.
  4. استعمال الرجعة لإطالة الضرر لا للإصلاح.
  5. زواج المرأة قبل انتهاء عدتها يقينا.
  6. حساب العدة من يوم صدور الوثيقة مع أن الطلاق وقع قبلها.
  7. اعتبار كل نزيف حيضا من غير تمييز بين الحيض والاستحاضة.
  8. إخفاء الحمل أو تاريخ الحيض للتأثير في الرجعة أو النسب.
  9. منع الأب أو الأم من الأولاد انتقاما من الخلاف الزوجي.
  10. نشر أسرار الحياة الزوجية والتشهير في وسائل التواصل.
  11. إصدار حكم ذاتي بأن طلاق الغضب أو الطلاق الثلاث وقع أو لم يقع من غير سؤال أهل العلم.
أسئلة شائعة
سؤال

هل لكل مطلقة نفقة وسكن؟

لا يكون الحكم واحدا. فالرجعية لها النفقة والسكن أثناء العدة، والبائن الحامل لها النفقة والسكن حتى تضع. أما البائن غير الحامل ففيها خلاف، والقول المختار هنا أنه لا نفقة لها ولا سكنى على مطلقها، مع وجوب الرجوع إلى القضاء عند النزاع.

سؤال

هل يجوز للزوج إخراج المطلقة الرجعية من البيت؟

لا يجوز في الأصل؛ فقد نهى الله عن إخراجها ونهاها عن الخروج، رجاء حصول الإصلاح. ويستثنى وجود خطر أو عنف أو ضرورة معتبرة، فتنتقل إلى مكان آمن.

سؤال

هل تبدأ العدة عند النطق بالطلاق أم عند تسجيله؟

تبدأ من وقت وقوع الطلاق الصحيح شرعا، ولو تأخر توثيقه. وإذا اختلف الزوجان في التاريخ أو في وقوع الطلاق، فالحكم للقضاء بعد سماع الطرفين والأدلة.

سؤال

هل تجب العدة إذا عاش الزوجان منفصلين مدة طويلة قبل الطلاق؟

نعم، إذا كان الزواج قائما وحصل دخول أو خلوة صحيحة، تبدأ العدة عند الطلاق ولو طالت مدة الانفصال ولم يقع جماع خلالها.

سؤال

هل رضا المرأة شرط لصحة الرجعة؟

في الطلاق الرجعي لا يشترط عقد جديد ولا رضا جديد ما دامت في العدة، لكن الرجعة شرعت للإصلاح لا للإضرار. ويشرع الإشهاد عليها، وينبغي توثيقها رسميا، ويجب اتباع إجراءات التوثيق الملزمة في البلد. وللمرأة طلب رفع الضرر أو الخلع أو الفسخ إذا تعذرت الحياة الزوجية.

سؤال

هل يجوز للمطلقة أن تتزوج أثناء العدة؟

لا يجوز عقد النكاح عليها حتى تنقضي العدة يقينا، والعقد أثناء العدة محرم وتترتب عليه أحكام خطيرة. كما لا يجوز التصريح بخطبتها في العدة، وتفصيل التعريض بالخطبة يختلف بحسب نوع العدة.

سؤال

هل الرضاعة تطيل عدة المطلقة؟

لا. الرضاعة وحدها لا تجعل العدة إلى الفطام. إن كانت تحيض فعدتها بالحيض، وإن كانت لا تحيض فلحالتها حكمها، وإن كانت حاملا فعدتها وضع الحمل.

سؤال

هل الطلاق أثناء الحيض يقع؟

طلاق الحائض محرم وطلاق بدعي. واختلف أهل العلم في وقوعه: فالجمهور يرون وقوعه مع الإثم، وذهب جماعة من المحققين إلى عدم وقوعه. لذلك لا يجوز للزوجين أن يحكما لأنفسهما، بل يعرضان الواقعة فورا على عالم موثوق أو محكمة شرعية.

سؤال

هل طلاق الغضبان يقع؟

الغضب العادي لا يمنع وقوع الطلاق. وإذا زال عقل الغضبان وإدراكه فلا يقع. وبينهما حالة الغضب الشديد التي لا يزول معها العقل تماما، وفيها خلاف وتحتاج إلى معرفة الأسباب والقرائن وسؤال الطرفين؛ فلا يحكم عليها من وصف مختصر.

سؤال

ماذا لو قال الزوج: أنت طالق ثلاثا؟

اختلف أهل العلم في جمع الثلاث بلفظ واحد: هل تقع ثلاثا أم واحدة، كما تختلف الأحكام بحسب التكرار والنية والقضاء المعمول به. وهذه من أخطر المسائل، فلا تحل المرأة نفسها لزوجها ولا تتزوج غيره حتى يصدر حكم موثوق في الواقعة.

سؤال

هل للمطلقة حق في حضانة أطفالها؟

الأم أحق بالصغير في الأصل إذا كانت صالحة للحضانة ولم يوجد مانع معتبر، لكن الحضانة مبناها على مصلحة الطفل، وتفاصيلها تختلف باختلاف العمر والحال والقضاء. ولا تسقط نفقة الأب عن أولاده بسبب كونهم في حضانة أمهم.

سؤال

هل يجب على المطلقة لبس السواد أو ترك الطيب والزينة؟

لا يجب على المطلقة الرجعية الإحداد، بل هي في حكم الزوجة، ولها أن تتزين لمطلقها رجاء الإصلاح. أما البائن ففي إحدادها خلاف، وقول الجمهور أنه لا يجب عليها؛ فلا يلزمها لبس السواد ولا ترك الزينة والطيب كالمتوفى عنها زوجها. ومع ذلك يجب عليها اجتناب التبرج والمحرمات كغيرها من المسلمات.

سؤال

هل خروج المطلقة من بيت العدة يبطل عدتها؟

لا يبطل خروجها العدة ولا يعيد حسابها من البداية، لكنها تأثم إن خالفت ما يجب عليها من غير عذر. فالرجعية لا تنتقل من بيت الزوجية أثناء العدة إلا لعذر معتبر، والبائن يجوز لها الخروج لحاجتها على التفصيل المتقدم. وإذا كان في المسكن خوف أو عنف انتقلت إلى مكان آمن.

سؤال

هل يجوز للمطلقة البائن أن تخلو بمطلقها؟

لا؛ فالمطلقة البائن ليست زوجة لمطلقها، فلا تجوز الخلوة ولا اللمس ولا الاستمتاع بينهما. فإن كانت البينونة صغرى وأرادا العودة، فلا بد من عقد جديد وولي ومهر ورضاها. أما الرجعية فهي زوجة ما دامت في العدة، مع وجوب تجنب الضرر والنزاع وتوثيق الرجعة إذا حصلت.

سؤال

هل يجوز إجبار المطلقة على التنازل عن حقوقها لترى أولادها؟

لا يجوز استعمال الأولاد أو الزيارة لإجبار أحد الأبوين على التنازل عن حق مالي ثابت. وإذا وقع نزاع في النفقة أو الحضانة أو الزيارة فصل فيه القضاء بما يحقق مصلحة الطفل ويرفع الظلم.

سؤال

متى تنتهي عدة الحامل إذا أسقطت الحمل؟

لا يكفي مجرد نزول الدم. ينظر هل ثبت الحمل، وهل ظهر في السقط خلق إنسان على الوجه الذي يعتبره أهل العلم. لذلك تحتاج المسألة إلى تقرير طبي وسؤال شرعي موثوق.

سؤال

ماذا تفعل من اضطرب حيضها أثناء العدة؟

لا تعتمد على التخمين أو تطبيق مدة امرأة أخرى على نفسها. تجمع تاريخ عادتها، ومدة الدم وصفاته، وأسباب انقطاعه أو اضطرابه، وتراجع طبيبة عند الحاجة، ثم تسأل عالما موثوقا لتحديد عدتها.

سؤال

هل ترث المطلقة مطلقها إذا مات؟

ترث المطلقة الرجعية إذا مات زوجها وهي في العدة، وتنتقل إلى عدة الوفاة. أما البائن فلا ترثه في الأصل، إلا أن بعض صور الطلاق في مرض الموت بقصد حرمانها من الإرث فيها خلاف وتحتاج إلى حكم قضائي.

خلاصة حقوق المطلقة وأحكام العدة
خلاصة

خلاصة حقوق المطلقة وأحكام العدة

تبدأ معرفة الحقوق بتحديد نوع الطلاق. فالرجعية زوجة أثناء العدة، لها السكن والنفقة، وتبقى في بيتها، ولزوجها مراجعتها للإصلاح. والحامل لها النفقة والسكن حتى تضع. أما البائن غير الحامل ففي نفقتها وسكناها خلاف، والقول المختار هنا عدم وجوبهما لمطلقها.

وتعتد من تحيض بثلاث حيض، ومن لا تحيض بثلاثة أشهر، والحامل بوضع الحمل، ولا عدة على المطلقة قبل الدخول والخلوة الصحيحة. وتبقى الحقوق المالية الثابتة، وحقوق الأولاد، وحرمة الظلم والتشهير والإضرار قائمة بعد الطلاق.

والواجب في الوقائع الفردية، ولا سيما طلاق الغضب والحيض والثلاث والخلع والسقط واضطراب الدم، الرجوع إلى عالم موثوق أو محكمة شرعية؛ لأن حفظ الزواج والأنساب والحقوق لا يبنى على الظن.