الاحتضار وبعد الوفاة

ماذا يفعل المسلم عند الاحتضار وبعد الوفاة؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الاحتضار ساعة عظيمة ينتقل فيها العبد من الدنيا إلى الآخرة، ويحتاج فيها المحتضر وأهله إلى الهدوء، وحسن الظن بالله، والتمسك بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والبعد عن الجزع والبدع والعادات التي لا دليل عليها.

وهذا المقال دليل مرتب يبين ما يفعله المسلم إذا دنا أجله، وما يفعله الحاضرون عنده، ثم الخطوات المشروعة بعد ثبوت الوفاة. أما غسل الميت وتكفينه وصفة صلاة الجنازة والدفن فلها أحكام تفصيلية مستقلة.

أولا: ماذا يفعل المسلم إذا شعر بدنو أجله؟
قسم

أولا: ماذا يفعل المسلم إذا شعر بدنو أجله؟

1. يبادر إلى التوبة الصادقة

يبادر المسلم إلى التوبة من جميع الذنوب، فيندم على ما مضى، ويقلع عن المعصية، ويعزم على ألا يعود إليها. وإن تعلق الذنب بحق آدمي، رد الحق إلى صاحبه أو طلب منه المسامحة بحسب استطاعته.

ولا يجوز أن يؤخر التوبة إلى أن تبلغ الروح الحلقوم؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ".

رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه أهل العلم.

2. يحسن الظن بالله ويجمع بين الرجاء والخوف

يرجو المحتضر رحمة الله ومغفرته، ويتذكر سعة فضله، من غير اغترار ولا أمن من مكره. قال جابر رضي الله عنه:

سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ يَقُولُ: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ".

رواه مسلم.

فيذكره أهله برحمة الله، وبما قدم من توحيد وخير، ولا يقنطونه، ولا يجزمون له بالجنة؛ فالحكم لله وحده.

3. يؤدي الحقوق ويبين الديون والأمانات

إن استطاع، قضى ديونه، ورد الأمانات والمظالم، وبين لأهله ما له وما عليه، وأين توجد الوثائق والأموال المتعلقة بحقوق الناس. ولا يجوز إخفاء دين أو أمانة؛ لأن حقوق العباد عظيمة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ".

رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه أهل العلم.

4. يكتب وصيته المشروعة

من كان عنده حق يجب بيانه، أو دين، أو أمانة، أو مال لغيره، وجب عليه أن يوضحه. ويشرع أن يكتب وصيته المباحة من غير ظلم للورثة ولا مخالفة للشرع.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ".

متفق عليه.

ولا تنفذ الوصية لوارث إلا برضا بقية الورثة البالغين الرشداء بعد الوفاة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ".

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من أهل الحديث.

والوصية لغير الوارث لا تتجاوز ثلث التركة إلا بإجازة الورثة بعد الوفاة؛ لما ثبت في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل غاية الوصية الثلث، وبين أن الثلث كثير. والمسائل المركبة تعرض على عالم موثوق ومتخصص في الأنظمة المعمول بها.

5. يحافظ على الصلاة والذكر بحسب استطاعته

لا تسقط الصلاة عن المريض ما دام عقله ثابتا، بل يصلي بحسب استطاعته قائما أو قاعدا أو على جنبه، ويعينه أهله على الطهارة والصلاة من غير مشقة زائدة. ويمكن الرجوع إلى مقال كيف يصلي المريض؟ أحكام الصلاة قائما وقاعدا وعلى الجنب.

ثانيا: ماذا يفعل الحاضرون عند المحتضر؟
قسم

ثانيا: ماذا يفعل الحاضرون عند المحتضر؟

الخطوة الأولى: الرفق به وتهدئة المكان

يخفض الحاضرون أصواتهم، ويبعدون الجدال والفزع، ويحسنون معاملته، ويقولون خيرا، ويدعون له بالثبات والرحمة والعافية.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ أَوِ المَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ".

رواه مسلم.

فلا يرفعون أصواتهم بالبكاء، ولا يتلفظون بكلمات اليأس أو الاعتراض، ولا يتنازعون أمامه في العلاج أو الميراث أو شؤون الجنازة.

الخطوة الثانية: تلقينه كلمة التوحيد برفق

يسن أن يذكره أحد الحاضرين بقول: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، من غير إزعاج ولا إلحاح شديد. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

رواه مسلم. والمقصود بـ"موتاكم" هنا: من حضرته الوفاة.

وقال صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ".

رواه أبو داود وأحمد، وصححه أهل العلم.

والأفضل أن يقول الحاضر الكلمة أمامه بهدوء حتى يتذكرها، بدلا من أن يأمره بخشونة: "قل". فإذا قالها المحتضر سكتوا، ولا يكررونها عليه ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر، فيذكرونه بها من جديد بلطف. وإذا عجز عن النطق فلا يضغط عليه؛ فالله يعلم ما في قلبه ولا يكلف نفسا إلا وسعها.

الخطوة الثالثة: الدعاء له وعدم قول إلا الخير

يدعى للمحتضر بالثبات، والرحمة، وحسن الخاتمة، ويذكر بالله برفق إذا كان ذلك ينفعه. ولا يشرع اجتماع الحاضرين على صيغة جماعية محددة، ولا رفع الأصوات حوله.

ولا يجبر المحتضر على شرب الماء أو الطعام، ولا يوضع شيء في فمه إذا كان عاجزا عن البلع؛ لأن ذلك قد يضره. أما إذا طلب الماء وكان يستطيع البلع بأمان، فيعطى منه برفق بحسب حاجته وإرشاد الفريق الطبي. ويتبع أهله إرشادات المختصين في الأدوية والسوائل وتخفيف الألم.

هل يوجه المحتضر إلى القبلة؟

لم يثبت حديث صحيح صريح يجعل توجيه المحتضر إلى القبلة سنة لازمة. وقد استحبه بعض أهل العلم إذا تيسر من غير مشقة، ولم يره آخرون سنة لعدم ثبوت الدليل.

فلا ينكر في هذه المسألة الاجتهادية، ولا يحرك المريض أو يغير وضعه على وجه يؤلمه أو يعرضه للخطر. والأولى تقديم راحته وحاجته الطبية، ولا يعتقد أن صحة خاتمته تتوقف على اتجاه جسده.

هل تقرأ سورة يس عند المحتضر؟

ورد حديث: "اقْرَؤُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ"، وقد اختلف أهل الحديث في تصحيحه، وضعفه جماعة من المحققين، بينما حسنه أو صححه آخرون؛ ولذلك اختلف الفقهاء في استحباب قراءتها عند المحتضر.

فمن قرأ القرآن عند المريض من غير اعتقاد أن سورة يس سنة ثابتة لازمة فلا ينكر عليه، ومن ترك تخصيصها اعتمادا على ضعف الحديث فلا ينكر عليه. ولا يصح إلزام الأسرة بها، ولا الادعاء بأن خروج الروح يتعذر من دونها. أما بعد الوفاة فلا يثبت تخصيص سورة يس أو غيرها بقراءة جماعية عند الجثمان.

تنبيه ضروري: لا تتعجلوا الحكم بوقوع الوفاة
قسم

تنبيه ضروري: لا تتعجلوا الحكم بوقوع الوفاة

إذا كان الشخص غير مستجيب ولا يتنفس بصورة طبيعية، وكانت الوفاة غير متوقعة أو لم يثبتها مختص، فيجب الاتصال بخدمات الطوارئ فورا، واستعمال جهاز إزالة الرجفان إن توفر، والبدء بالإنعاش بحسب تدريب الحاضر أو تعليمات موظف الطوارئ. لا يكفي ظن الأسرة أو ملاحظة علامات ظاهرية لإعلان الوفاة أو إيقاف الرعاية.

ولا تبدأ إجراءات ما بعد الوفاة حتى تثبت الوفاة بالطريقة الطبية والنظامية المعتمدة في البلد. أما من كان تحت رعاية احتضار منزلية أو تلطيفية، فتتبع أسرته الخطة التي وضعها الفريق الطبي وأرقام الاتصال المخصصة للحالة.

ثالثا: ماذا يفعل بعد ثبوت الوفاة؟ خطوة بخطوة
قسم

ثالثا: ماذا يفعل بعد ثبوت الوفاة؟ خطوة بخطوة

الخطوة الأولى: إغماض العينين والدعاء بخير

يستحب أن يغمض من حضر عيني الميت برفق. فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة رضي الله عنه وقد مات، وفي الحديث:

"دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ. فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ".

رواه مسلم.

فيشرع الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة، ولا يلزم أن يذكر اسمه أو يلتزم الدعاء السابق بلفظه.

الخطوة الثانية: تغطية الجسد وصيانة حرمته

يغطى جسد الميت بثوب مناسب، وتصان عورته وخصوصيته. قالت عائشة رضي الله عنها:

"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ".

متفق عليه.

ومن مات وهو محرم بحج أو عمرة فله أحكام خاصة في التجهيز؛ فلا يطيب، ولا يغطى رأس الرجل المحرم في كفنه. فعن ابن عباس رضي الله عنهما:

"بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا".

متفق عليه.

لذلك ينبغي إبلاغ من يتولى الغسل والتكفين بأنه مات محرما، وترك تفاصيل تجهيزه لمن يعرف أحكام هذا الباب.

ولا يعبث بجسده، ولا يصور، ولا تنشر صورته أو تفاصيل حاله. ويتولى تحريك الجسد وإزالة الأجهزة وتجهيزه من كان مؤهلا لذلك، وفقا للأحكام الشرعية والإجراءات الطبية والنظامية.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا".

رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وصححه أهل العلم.

وهذا يدل على وجوب احترام بدن الميت، والرفق به، وتحريم الاعتداء عليه.

الخطوة الثالثة: جواز كشف الوجه وتقبيل الميت بضوابطه

يجوز لأهله أن يكشفوا وجهه للنظر إليه وتوديعه، وأن يقبله من يجوز له تقبيله من الزوج أو المحارم وأفراد جنسه، من غير تبرك ولا مخالفة شرعية.

فقد دخل أبو بكر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فكشف عن وجهه وقبله وبكى. رواه البخاري.

ولا يجعل ذلك مراسم طويلة تؤخر التجهيز، ولا يسمح بازدحام يضر بحرمة الميت أو يكشف عورته.

الخطوة الرابعة: إخبار من يلزم وتجهيز الجنازة

يتصل أهل الميت بالجهة الطبية أو النظامية المختصة، ثم بمغسل موثوق أو مسجد أو جهة جنازة مسلمة تعرف أحكام التغسيل والتكفين والصلاة والدفن. ويخبرون الأقارب ومن يرجى حضوره للصلاة والدعاء من غير نياحة ولا مبالغة في إعلان محاسن الميت.

وأصل الإخبار بالوفاة لترتيب الحقوق والصلاة جائز؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بوفاة النجاشي في اليوم الذي مات فيه، ثم خرج بهم فصلى عليه. متفق عليه.

أما النعي المنهي عنه فهو ما شابه نعي الجاهلية من رفع الأصوات، والمفاخرة، والمبالغة، وإثارة الجزع.

الخطوة الخامسة: تعجيل التجهيز والدفن من غير إخلال

السنة المبادرة إلى غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وعدم تأخيره بلا حاجة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"أَسْرِعُوا بِالجَنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ".

متفق عليه.

ولا تعني المبادرة تجاوز التحقق الطبي، أو مخالفة الأنظمة المشروعة، أو إهمال الغسل والتكفين والصلاة. ويجوز التأخير بقدر الحاجة لإجراء لازم أو مصلحة معتبرة، لكن لا يؤخر الدفن أياما لمجرد انتظار جميع الأقارب أو إقامة مراسم لا أصل لها.

وغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه من فروض الكفاية، فينبغي أن تتولاها جهة تعرف أحكامها وتحفظ كرامته.

الخطوة السادسة: حصر الديون والأمانات وتنفيذ الوصية الشرعية

على الأسرة أن تبحث عن ديون الميت وأماناته وحقوق الناس، وأن تحفظ تركته ووثائقه، فلا تقسم الأموال ولا تتصرف فيها تصرف المالك قبل حصر الحقوق. وتخرج نفقات التجهيز المشروعة، ثم تقضى الديون، ثم تنفذ الوصية الصحيحة في حدودها الشرعية، ثم يقسم الباقي على الورثة وفق حكم الله.

وقد قدم الله الوصية والدين على قسمة الميراث في آيات المواريث [النساء: 11-12]، والدين مقدم في التنفيذ على الوصية عند أهل العلم. وإذا تنازع الورثة أو تعقدت التركة، وجب الرجوع إلى عالم موثوق ومتخصص قانوني يعرف أحكام البلد.

رابعا: ماذا يقول أهل الميت؟
قسم

رابعا: ماذا يقول أهل الميت؟

يشرع لهم الصبر والاحتساب والاسترجاع. قال الله تعالى:

{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ} [البقرة: 156-157].

ويقول المصاب:

"إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا".

رواه مسلم.

والبكاء الهادئ ودمع العين لا ينافيان الصبر؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم:

"إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ".

متفق عليه.

والمحرم هو النياحة، والصراخ، ولطم الخدود، وشق الثياب، وقول ما يدل على التسخط على قدر الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ".

متفق عليه.

قائمة عملية مختصرة بعد الوفاة
قسم

قائمة عملية مختصرة بعد الوفاة

  1. لا تعلن الوفاة ولا توقف الإسعاف حتى تتحقق الجهة الطبية المختصة منها.
  2. أغمض عيني الميت برفق وادع له بخير.
  3. غط جسده واحفظ عورته وخصوصيته.
  4. اتصل بالجهات النظامية وبجهة جنازة مسلمة موثوقة.
  5. أخبر من يلزم من الأقارب ومن يصلي عليه من غير نياحة أو تكلف.
  6. بادر إلى الغسل والتكفين والصلاة والدفن من غير تأخير غير ضروري.
  7. اجمع معلومات الديون والأمانات والوصية، واحفظ التركة حتى توزع شرعا.
  8. الزم الصبر والاسترجاع والدعاء، وتجنب البدع والمراسم المحدثة.
أخطاء شائعة عند الاحتضار وبعد الوفاة
قسم

أخطاء شائعة عند الاحتضار وبعد الوفاة

  1. الضغط على المحتضر ليكرر الشهادة بصوت مرتفع أو بصورة ترهقه.
  2. تحريك المحتضر نحو القبلة مع إيذائه، أو اعتقاد وجوب ذلك مع عدم ثبوت دليل صحيح صريح.
  3. اعتقاد أن قراءة سورة يس لازمة، أو الإنكار الشديد في مسألة اختلف أهل العلم في حديثها.
  4. إيقاف الرعاية أو إعلان الوفاة قبل التحقق الطبي والنظامي.
  5. رفع الصوت بالصراخ والنياحة أو التلفظ بما فيه اعتراض على قدر الله.
  6. تصوير الميت أو كشف عورته أو نشر تفاصيله الخاصة.
  7. تأخير الجنازة بلا حاجة من أجل مراسم أو انتظار أشخاص بعيدين.
  8. تقسيم التركة قبل سداد الديون وتنفيذ الوصية الصحيحة.
  9. إقامة قراءة جماعية أو مراسم مخصوصة في اليوم الثالث أو السابع أو الأربعين واعتقاد أنها من السنة.
  10. الجزم للميت بالجنة أو النار من غير دليل خاص؛ بل يرجى للمحسن ويخاف على المسيء ويدعى للمسلم بالمغفرة.
أسئلة شائعة
سؤال

ما أفضل ما يقال للمحتضر؟

يذكر برفق بقول: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، ويدعى له بالثبات والرحمة وحسن الخاتمة. ولا يكثر عليه الكلام ولا يزعج بالتكرار.

سؤال

هل يجب أن يقول المحتضر الشهادتين كاملتين؟

ورد النص بتلقينه "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وهي كلمة التوحيد، ومن قال الشهادتين كاملتين فحسن. والمقصود أن يختم له بالتوحيد، ولا يكلف النطق إذا عجز عنه.

سؤال

هل يكرر التلقين بعد أن يقول المحتضر لا إله إلا الله؟

إذا قالها سكت الحاضرون، ولا يلحون عليه. فإن تكلم بعدها بكلام آخر، ذكروه بها مرة أخرى برفق حتى تكون آخر كلامه، مع مراعاة حاله وعدم إيذائه.

سؤال

هل يلقن الميت الشهادة بعد خروج الروح؟

التلقين الوارد في السنة يكون لمن حضرته الوفاة قبل خروج روحه؛ فالمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" المحتضرون. أما بعد ثبوت الوفاة فلا يطلب من الجثمان أن يقول الشهادة، بل يشرع إغماض عينيه، وتغطيته، والدعاء له، والمبادرة إلى تجهيزه.

سؤال

هل يجوز للمرأة الحائض أو الجنب حضور المحتضر وتلقينه؟

نعم، لا يشترط الوضوء أو الطهارة لتلقين المحتضر، أو الدعاء له، أو إغماض عينيه بعد الوفاة. وللمرأة الحائض والجنب أن يقولا الذكر والدعاء، وأن يقوما بما يحتاجه القريب ضمن الضوابط الشرعية.

سؤال

هل يجوز البكاء على الميت؟

نعم، يجوز بكاء الرحمة من غير صراخ ولا نياحة ولا قول محرم. وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ابنه إبراهيم، وبين أن العين تدمع والقلب يحزن، لكن اللسان لا يقول إلا ما يرضي الله.

سؤال

هل يجوز تقبيل الميت أو كشف وجهه؟

نعم، يجوز لأهله كشف وجهه وتقبيله ضمن حدود المحرمية والستر، من غير تبرك ولا إطالة تؤخر تجهيزه؛ فقد قبل أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته.

سؤال

هل يجوز إعلان الوفاة؟

يجوز إخبار الأقارب والمسلمين بالوفاة ليصلوا على الميت، ويدعوا له، ويقوموا بحقوقه. الممنوع هو نعي الجاهلية القائم على الصياح والمفاخرة والمبالغة وإثارة الجزع.

سؤال

هل يجوز تأخير الدفن حتى يصل قريب؟

الأصل تعجيل الجنازة. فإن كان انتظار القريب يسيرا ولا يضر بالميت ولا يعطل التجهيز، فلا حرج. أما التأخير الطويل من غير حاجة معتبرة فيخالف المبادرة المشروعة. وتراعى الإجراءات الطبية والنظامية الضرورية.

سؤال

هل يجوز للأسرة إيقاف أجهزة الإنعاش؟

لا يجوز لأفراد الأسرة أن يقرروا ذلك بأنفسهم اعتمادا على الظن أو شدة الحزن. تحديد الوفاة أو عدم جدوى الإنعاش مسألة طبية وشرعية ونظامية دقيقة، يرجع فيها إلى الأطباء الاختصاصيين والجهة الشرعية المعتبرة، مع الالتزام بأنظمة البلد ووثائق الرعاية الصحيحة. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن أحكام الوفاة لا تترتب إلا بعد تحقق العلامات الطبية المعتبرة وحكم الأطباء المختصين بعدم إمكان الرجوع؛ فلا تستعمل هذه الفقرة لاتخاذ قرار فردي بنزع الأجهزة.

سؤال

ماذا يفعل أهل الميت إذا كانت عليه ديون؟

يثبتون الديون، ويتواصلون مع أصحابها، ويسددونها من تركة الميت قبل توزيع الميراث. فإن لم يترك مالا، استحب لأهله أو غيرهم قضاء دينه، لكن لا يلزم وارثا أن يدفع من ماله الخاص إلا إذا كان قد ضمن الدين أو التزم بسداده.

سؤال

هل تقرأ سورة أو أذكار مخصوصة بعد خروج الروح؟

لا يثبت تخصيص سورة أو ذكر جماعي عند الجثمان بعد الوفاة. المشروع إغماض العينين، وتغطية الجسد، والدعاء للميت بخير، والمبادرة إلى تجهيزه. ولا تتخذ قراءة القرآن حول الجثمان مراسم ثابتة تنسب إلى السنة.

سؤال

هل يجوز تصوير الميت لتوديعه أو نشر صورته؟

الأصل حفظ حرمة الميت وخصوصيته، فلا يصور ولا تنشر صورته، ولا سيما إن ظهر شيء من بدنه أو حاله الخاصة. ويستثنى ما تدعو إليه حاجة طبية أو نظامية معتبرة يتولاها المختصون مع حفظ الخصوصية. ولا تجعل لحظة الوفاة مادة للنشر؛ فحق الميت في الستر والكرامة باق بعد وفاته.

الخاتمة
خاتمة

الخاتمة

هدي الإسلام عند الاحتضار والوفاة قائم على التوحيد، والرحمة، والسكينة، وحفظ الحقوق والكرامة. فيلقن المحتضر كلمة التوحيد برفق، ويقال عنده الخير، ثم تغمض عيناه ويغطى جسده بعد ثبوت الوفاة، ويبادر إلى تجهيزه وقضاء ديونه والدعاء له، من غير نياحة ولا تكلف ولا بدع.

ولمعرفة ما يقال في الصلاة على الميت، راجع مقال صفة صلاة الجنازة وما يقال فيها. ولمعرفة أحكام المواساة وما بعد الدفن، راجع مقال آداب التعزية وأحكام زيارة القبور.