الحكم العامهل يشرع صيام عشر ذي الحجة؟
المقصود بصيام عشر ذي الحجة: صيام التسع الأول منها، لأن اليوم العاشر هو يوم عيد الأضحى، وصيامه محرم.
وقد ثبت أن العمل الصالح في هذه الأيام أحب إلى الله، والصيام من العمل الصالح. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ.
قالوا: ولا الجهاد؟ قال:
وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ.
رواه البخاري.
فمن صام بعض هذه الأيام أو كلها سوى يوم العيد فقد عمل عملا صالحا في أيام عظيمة.
ثبوت واستحبابهل ورد صيام التسع عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف؟
ورد في صيام التسع من ذي الحجة حديث خاص، فعن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر.
رواه أبو داود والنسائي وأحمد، وقد حسنه أو صححه بعض أهل العلم، وفي إسناده كلام عند آخرين.
لكن استحباب صيام التسع لا يتوقف على هذا الحديث وحده؛ لأنه داخل في عموم العمل الصالح الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام، والصيام من أجل الأعمال الصالحة.
وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط.
رواه مسلم.
وقد أجاب أهل العلم عن ذلك بأن نفيها رضي الله عنها محمول على أنها لم تره، أو أنه تركه أحيانا لعارض، أو أنها لم تقصد نفي مشروعية صيامها، لأن ثبوت فضل العمل الصالح في هذه الأيام كاف في استحباب الصيام لمن قدر عليه.
ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله في صيام هذه الأيام: هي مستحبة استحبابا شديدا، لا سيما التاسع منها، والمراد بالتاسع: يوم عرفة.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كلامه على صيام هذه الأيام: وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وذكر عن الحسن وابن سيرين وقتادة فضل صيامها، وأن ذلك قول أكثر العلماء أو كثير منهم.
ونقل في مصنف ابن أبي شيبة آثارا عن بعض السلف في صيامها، منها ما روي عن محمد بن سيرين، ومجاهد، وعطاء، وعيسى بن علي بن عبد الله بن عباس أنهم كانوا يعتنون بصيام هذه الأيام. وروي فيه عن ليث بن أبي سليم أنه ذكر صيام مجاهد للعشر، وأن عطاء كان يعتني بها ويتكلف صيامها.
وينبغي التنبيه إلى أن قول بعض السلف: صيام العشر، يراد به صيام الأيام التي يجوز صومها من العشر، وهي التسع الأولى فقط، لأن اليوم العاشر يوم عيد الأضحى، وصيامه محرم. ولذلك كره ابن سيرين أن يقال: صام العشر، وقال: إنما يقال صام التسع، حتى لا يتوهم دخول يوم النحر في الصيام.
اليوم التاسعفضل صيام يوم عرفة
يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وصيامه لغير الحاج من أفضل الصيام. سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عرفة فقال:
يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ.
رواه مسلم.
وهذا فضل عظيم يدل على رحمة الله بعباده، وأنه يفتح لهم أبواب المغفرة بأعمال يسيرة على من يسرها الله عليه.