البيت والذكر والتحصينكيف يحفظ المسلم بيته من الشيطان؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
البيت نعمة عظيمة جعله الله موضعا للسكن والستر وتربية الأبناء، والشيطان حريص على إفساد الإنسان وأهله، وإشعال النزاع بينهم، وصرفهم عن ذكر الله والصلاة. وقد دل القرآن والسنة على طرق تحصين البيت من الشيطان وأسباب شرعية يحفظ الله بها المسلم وأهل بيته من كيده، وهي أسباب قائمة على التوحيد والطاعة والذكر، لا على الخوف والخرافة.
قال الله تعالى:
{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99-100].
فالتحصين الحقيقي يبدأ بتحقيق التوحيد، وإخلاص العبادة لله، والتوكل عليه، والمحافظة على الفرائض، واجتناب الشرك والمعاصي. والأذكار والقراءة ليست طقوسا منفصلة عن الاستقامة، بل عبادات تنفع بإذن الله مع صدق القلب واتباع السنة.
أولا: أصلح البيت بطاعة الله
قسمأولا: أصلح البيت بطاعة الله
أقوى ما يحفظ البيت أن يكون أهله قائمين بأمر الله: يحافظون على الصلوات، ويتوبون من الذنوب، ويتعلمون دينهم، ويأمر بعضهم بعضا بالخير برفق.
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
وقال سبحانه:
{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132].
ولا يعني وقوع مشكلة أو مرض في البيت أن أهله بعيدون عن الله؛ فالمؤمنون يبتلون. لكن الطاعة والذكر من أعظم أسباب الثبات والسكينة ودفع كيد الشيطان.
ثانيا: اذكر الله عند دخول البيت وعند الطعام والخروج منه
قسمثانيا: اذكر الله عند دخول البيت وعند الطعام والخروج منه
إذا دخل المسلم بيته سمى الله وسلم على أهله، وإذا بدأ الطعام سمى الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشَاءَ". رواه مسلم.
ويكفي عند الدخول أن يقول: "بِسْمِ اللَّهِ"، ثم يسلم قائلا: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ".
قال الله تعالى:
{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61].
ومن نسي التسمية في أول الطعام ثم تذكر قال: "بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ"، كما ثبت في السنة.
وإذا خرج المسلم من بيته قال:
"بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ".
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟". رواه أبو داود، وصححه أهل العلم.
قسمذكر النزول في منزل
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ". رواه مسلم.
وهذا ذكر عام يقال عند النزول في منزل أو مكان إقامة، في سفر أو غيره، ويشرع قوله عند السكن في بيت جديد. وليس معه طقس مخصوص، ولا رش لمواد، ولا أذان في زوايا المنزل.
ثالثا: اقرأ سورة البقرة في البيت
قسمثالثا: اقرأ سورة البقرة في البيت
قراءة سورة البقرة في البيت من أوضح السنن الثابتة في طرد الشيطان منه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ". رواه مسلم.
فيقرأها المسلم أو أحد أهل البيت، ويمكن أن تقرأ على أجزاء بحسب الاستطاعة؛ إذ لا يثبت اشتراط قراءتها في مجلس واحد. ولا يثبت في الحديث الصحيح وجوب قراءتها كل يوم أو كل ثلاثة أيام، فلا يحدد المسلم عددا أو موعدا على أنه سنة لازمة من غير دليل، بل يكثر من قراءتها في بيته.
وقراءة أهل البيت بأنفسهم هي الأصل والأكمل؛ لأنها تجمع التلاوة والتدبر والعبادة. أما تشغيل تسجيل لسورة البقرة، فقد اختلف أهل العلم المعاصرون في دخوله في معنى الحديث؛ فمنهم من رجا حصول المقصود به، ومنهم من رأى أن النص متعلق بالقراءة التي يفعلها أهل البيت. لذلك لا يجعل التسجيل بديلا عن تلاوتهم، وإن كان سماع القرآن خيرا نافعا في نفسه.
وفرار الشيطان عند القراءة لا يعني أنه لا يعود أبدا بعد انتهائها، ولذلك يحتاج البيت إلى دوام الذكر والطاعة، لا إلى تشغيل السورة مرة ثم هجر القرآن.
رابعا: اجعل للنافلة نصيبا في البيت
قسمرابعا: اجعل للنافلة نصيبا في البيت
يستحب للمسلم أن يصلي السنن والنوافل في بيته، أما الصلوات المكتوبة فيحافظ الرجال على جماعتها حيث ينادى بها مع القدرة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا". متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:
"فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ". متفق عليه.
فصلاة السنن الرواتب والضحى والوتر وقيام الليل في البيت تحييه بالطاعة، وتكون قدوة عملية للأبناء.
خامسا: حافظوا على أذكار الصباح والمساء والليل والنوم
قسمخامسا: حافظوا على أذكار الصباح والمساء والليل والنوم
أذكار الصباح والمساء والليل والنوم حصن للمسلم، وإذا حافظ عليها أفراد الأسرة كان كل واحد منهم آخذا بأسباب الحفظ المشروعة. ومن أهم ما ثبت في الليل وعند النوم، كل ذكر في موضعه الوارد:
قسمآية الكرسي
قال الله تعالى:
{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [البقرة: 255].
وثبت في صحيح البخاري في قصة أبي هريرة رضي الله عنه أن الشيطان قال له عن آية الكرسي: "إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟" قال: لا، قال: "ذَاكَ شَيْطَانٌ".
قسمآخر آيتين من سورة البقرة
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ". متفق عليه.
وهما قول الله تعالى:
{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [البقرة: 285-286].
وقد ذكر أهل العلم معاني متعددة لقوله "كَفَتَاهُ"، منها أنهما تكفيانه من قيام الليل أو من الشر والآفات، واللفظ يحتمل هذا الخير كله، فلا يحصر في معنى واحد بلا دليل.
قسمالإخلاص والمعوذتان
عن عائشة رضي الله عنها:
"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ". رواه البخاري.
قسمالتهليل مائة مرة في اليوم
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ". متفق عليه.
وهذا تحصين ثابت للفرد، فيحرص عليه أهل البيت كل بحسب استطاعته، ولا يظن أن قول شخص واحد يغني عن ذكر بقية أفراد الأسرة.
سادسا: عوّذ أبناءك وعلّمهم الأذكار
قسمسادسا: عوّذ أبناءك وعلّمهم الأذكار
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
"كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ". رواه البخاري.
وجاء في الروايات لفظ "أُعِيذُكُمَا". فيقول الوالد لطفل واحد: "أُعِيذُكَ"، ولطفلين: "أُعِيذُكُمَا"، وللجماعة: "أُعِيذُكُمْ"، ويعلم أبناءه التسمية عند الطعام، وأذكار الدخول والخروج، وآية الكرسي والمعوذات بحسب أعمارهم.
سابعا: اعمل بآداب الليل النبوية
قسمسابعا: اعمل بآداب الليل النبوية
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ، أَوْ أَمْسَيْتُمْ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرُضُوا عَلَيْهَا شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ". متفق عليه.
وجنح الليل هو أوله بعد غروب الشمس. فيضم الوالدان الأطفال عند أول الليل، ثم لا حرج في تركهم بعد مضي جزء من أوله؛ فلفظ "سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ" هنا لا يلزم أن يراد به ستون دقيقة بالمقياس المعاصر. ويغلق أهل البيت الأبواب مع التسمية، ويغطون الطعام والشراب، ويطفئون النار والمصابيح أو الأجهزة التي قد تسبب خطرا. وليس المقصود وجوب إطفاء الإنارة الكهربائية الآمنة لمجرد دخول الليل، وإنما العمل بمعنى السنة في الذكر والحفظ والسلامة.
ثامنا: قل الذكر المشروع عند الجماع
قسمثامنا: قل الذكر المشروع عند الجماع
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا". متفق عليه.
وهذا ذكر يقوله الزوج قبل الجماع، وفيه سؤال الله أن يجنب الزوجين وذريتهما الشيطان. وقد ذكر شراح الحديث أن نفي الضرر لا يعني عصمة الولد من كل وسوسة أو معصية أو مرض، وإنما هو حفظ مخصوص من أذى الشيطان على الوجه الذي أراده الله ورسوله.
تاسعا: أبعد ما يمنع ملائكة الرحمة وما يغذي المعصية
قسمتاسعا: أبعد ما يمنع ملائكة الرحمة وما يغذي المعصية
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ". متفق عليه.
والمقصود ملائكة الرحمة، أما الملائكة الكتبة فلا تفارق العبد. فينبغي إزالة التماثيل والصور المحرمة المعروضة على الجدران والستور ونحوها، وعدم اقتناء الكلاب من غير حاجة مأذون بها شرعا. أما التصوير الفوتوغرافي المعاصر ففي حكمه وتفاصيله خلاف معروف، فلا يطلق عليه حكم واحد في هذا المقال، مع وجوب اجتناب الصور الفاحشة وما يثير الشهوات أو يعظم أهل الباطل.
كما يحفظ المسلم بيته من المواد المحرمة التي تفسد القلوب والأخلاق، ومن المجاهرة بالمعصية والسباب والظلم وقطيعة الرحم. وليس معنى ذلك أن كل معصية تثبت وجود شيطان في مكان معين، لكن المعاصي من مداخل الشيطان، والطاعة والذكر من أسباب طرده وإضعاف وساوسه.
عاشرا: أغلق أبواب النزاع داخل الأسرة
قسمعاشرا: أغلق أبواب النزاع داخل الأسرة
من أعظم مقاصد الشيطان التفريق بين الزوجين وإفساد العلاقات. قال الله تعالى:
{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53].
فعلى أهل البيت أن يخفضوا أصواتهم، ويجتنبوا السباب، ويتثبتوا قبل الاتهام، ويعالجوا الخلاف بالعدل والحوار والاستعاذة بالله. ولا ينسب كل خلاف إلى السحر أو العين أو الجن؛ فقد يكون سببه الظلم أو سوء التواصل أو ضغوط الحياة، وعلاجه يكون بالتوبة وإصلاح السبب والاستعانة بأهل الخبرة عند الحاجة.
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا اشتد غضبه فقال:
"إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". متفق عليه.
فالاستعاذة عبادة نافعة عند الغضب، لكنها لا تغني عن كف اللسان، وترك الظلم، والاعتذار، وإصلاح ما أفسده الإنسان.
الحادي عشر: استخدم الرقية الشرعية عند الحاجة
قسمالحادي عشر: استخدم الرقية الشرعية عند الحاجة
يجوز لأهل البيت أن يرقوا أنفسهم وأبناءهم بالفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص، والفلق، والناس، وبالأدعية الثابتة. والرقية دعاء وقراءة وتوكل، وليست طقوسا سرية، والأصل أن يرقي المسلم نفسه وأهله.
ولا ينبغي أن يترك أهل البيت العلاج الطبي أو النفسي عند وجود مرض أو أعراض تحتاج إلى المختصين. فالرقية والعلاج المباح لا يتعارضان، ولا يصح الحكم بأن كل ضيق أو صوت أو حلم أو مرض سببه جن أو سحر من غير بينة.
أمور لا يثبت بها تحصين البيت
قسمأمور لا يثبت بها تحصين البيت
لا يثبت في القرآن أو السنة تخصيص شيء من الأمور الآتية لحفظ البيت من الشيطان:
- رش الملح في الزوايا أو على الأبواب.
- إحراق نوع مخصوص من البخور اعتقادا أن له قوة ذاتية في طرد الجن.
- تعليق التمائم أو الأحجبة أو الطلاسم.
- وضع المصحف أو تعليق آية الكرسي من أجل الحفظ من غير قراءتها والعمل بها.
- الأذان في زوايا البيت الأربع عند الانتقال إليه على أنه سنة مخصوصة.
- الاستعانة بمن يدعي إرسال جن صالح لحراسة المنزل.
- كتابة رموز أو مربعات أو أسماء مجهولة وتعليقها.
- تحديد عدد أو وقت لعبادة لم يحدده الشرع ثم اعتقاده لازما للتحصين.
أما البخور الطيب لمجرد تعطير البيت فمباح في أصله، لكنه لا يعتقد فيه تأثير غيبي. وكذلك قراءة القرآن على الماء واستعماله في الرقية أجازه جماعة من أهل العلم، لكن لا يجعل رش الماء أو الزيت في كل زاوية شرطا لحفظ المنزل، ولا تضاف إليه مواد وطقوس لا دليل عليها.
برنامج يومي عملي لحفظ البيت
قسمبرنامج يومي عملي لحفظ البيت
- المحافظة على الصلوات الخمس، وتعليم أهل البيت الصلاة.
- أذكار الصباح بعد الفجر وأذكار المساء في وقتها.
- التسمية والسلام عند كل دخول، وقول ذكر الخروج من المنزل.
- التسمية قبل الطعام والشراب.
- تلاوة القرآن يوميا في البيت، مع قراءة سورة البقرة من حين إلى آخر من غير اعتقاد عدد غير ثابت.
- صلاة السنن والنوافل في البيت.
- قراءة آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين عند النوم، وقراءة آخر آيتين من سورة البقرة في الليل.
- قول التهليل مائة مرة في اليوم لمن استطاع.
- تعويذ الأطفال وتعليمهم الأذكار تدريجيا.
- إغلاق الأبواب وتغطية الآنية مع ذكر اسم الله عند الليل.
- إزالة التمائم والمنكرات الظاهرة، ومعالجة الخلافات بالعدل والرفق.
أسئلة شائعة
سؤالهل تشغيل سورة البقرة من الهاتف يكفي؟
الأصل والأكمل أن يقرأها أهل البيت بأنفسهم؛ لأن النص جاء بقراءتها، ولما في التلاوة من عبادة وتدبر. وقد اختلف أهل العلم المعاصرون في حصول المقصود بتشغيل تسجيل للسورة؛ فمنهم من رجاه، ومنهم من قصر معنى الحديث على قراءة أهل البيت. وسماع القرآن خير، لكنه لا يجعل بديلا عن التلاوة والمحافظة على الطاعات.
سؤالهل يجب قراءة سورة البقرة كاملة في جلسة واحدة؟
لا يثبت نص يلزم أن تقرأ في جلسة واحدة، فيجوز للقارئ أن يقرأها على أجزاء ثم يتمها. والمهم أن يكون القرآن حاضرا في البيت، لا أن تتحول القراءة إلى عبء يفضي إلى تركها.
سؤالكم مرة تقرأ سورة البقرة لتحصين البيت؟
لم يحدد الحديث الصحيح عددا لازما أو جدولا ثابتا. تقرأ ويكرر أهل البيت قراءتها بحسب استطاعتهم، من غير اعتقاد أن مرة كل ثلاثة أيام أو كل أسبوع سنة ثابتة ما لم يقم على ذلك دليل صحيح.
سؤالهل للبيت الجديد دعاء أو طقوس خاصة؟
لا يثبت طقس خاص للانتقال إلى بيت جديد، ولا يشرع تخصيص زواياه بالأذان أو الرش ونحوه. ويشرع قول الذكر العام عند النزول في منزل: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ"، كما يشرع ذكر الله، والسلام، والصلاة، وقراءة القرآن، وشكر الله على النعمة، وإطعام الأهل أو الضيوف من غير اعتقاد سنة مخصوصة لم تثبت.
سؤالهل يكفي تعليق آية الكرسي على الحائط؟
لا. السنة أن تقرأ آية الكرسي، وخاصة عند النوم. أما تعليقها بقصد أن تحفظ البيت بذاتها فلا يقوم مقام القراءة، وقد يدخل في تعليق ما يعتقد فيه الحفظ من دون دليل.
سؤالهل البخور أو الملح يطردان الشيطان؟
لا دليل على أن الملح أو نوعا معينا من البخور يطرد الشياطين. يجوز استعمال البخور للرائحة الطيبة، لكن لا ينسب إليه أثر غيبي، ولا يخلط بألفاظ أو طقوس مجهولة.
سؤالهل وجود قطة في البيت يمنع الملائكة؟
لا. الحديث ورد في الكلب والصورة، والقطة طاهرة ويجوز اقتناؤها مع الإحسان إليها. فلا يجوز توسيع النص ليشمل ما لم يشمله.
سؤالهل كل مشكلة متكررة في البيت دليل على وجود شيطان أو سحر؟
لا. قد تكون المشكلات بسبب تقصير ديني، أو خلاف أسري، أو مرض عضوي أو نفسي، أو أسباب مادية. يعمل المسلم بالأذكار والرقية المشروعة، ويبحث في الوقت نفسه عن الأسباب الواقعية ويعالجها، ولا يبني أحكاما غيبية على الظنون.
سؤالماذا أفعل إذا نسيت التسمية عند دخول البيت؟
اذكر الله حين تتذكر، ولا يلزم أن تخرج ثم تعيد الدخول. وحافظ على الذكر في المرات التالية، ولا تدخل في الوسوسة؛ فالشريعة مبناها على الاتباع واليسر، لا على التكلف.
سؤالهل الأذان في البيت يطرد الشيطان؟
ثبت أن الشيطان يفر عند سماع الأذان. لذلك أجاز بعض أهل العلم أن يؤذن المسلم عند عارض يخشى فيه من الشيطان، أخذا بعموم الحديث. لكن لا يشرع تخصيص أركان المنزل بالأذان، أو الدوران على الغرف، أو التزام وقت وعدد معينين على أنها سنة ثابتة. والمشروع الذي يداوم عليه أهل البيت هو الأذان للصلاة، وقراءة القرآن، وذكر الله، من غير ابتداع طقوس جديدة.
خاتمة
خاتمةخاتمة
يحفظ المسلم بيته من الشيطان بتوحيد الله والتوكل عليه، والمحافظة على الصلاة، وذكر الله عند الدخول والخروج والطعام، وقراءة سورة البقرة والقرآن، وأذكار الصباح والمساء والليل والنوم، وتعليم الأسرة الطاعة والذكر. ويكمل ذلك بإغلاق مداخل المعصية والنزاع، والالتزام بآداب الليل، والرقية الشرعية عند الحاجة.
وهذه الأعمال أسباب مشروعة، والحافظ هو الله وحده. فلا يتعلق القلب بسورة أو ذكر تعلقا منفصلا عن الله، ولا يلجأ إلى تميمة أو طلاسم أو دجال. بل يأخذ بالأسباب التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويحسن الظن بالله، ويجمع بين العبادة وإصلاح المشكلات الواقعية، ويسأله سبحانه أن يحفظ بيته وأهله من كل سوء.