العقيدة والتوحيد

معنى التوحيد وأقسامه باختصار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

التوحيد هو أصل دين الإسلام، وأعظم ما أمر الله به عباده، وهو الغاية التي خلق الله من أجلها الجن والإنس، وبعث بها الرسل، وأنزل بها الكتب. ولا يصح عمل العبد إلا إذا كان مبنيا على توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده.

{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.

متفق عليه من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.

معنى التوحيد ولماذا تقسم أبوابه؟
تعريف

ما معنى التوحيد؟

التوحيد هو إفراد الله بما يختص به من الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.

ومعناه أن يعتقد العبد أن الله وحده هو الخالق الرازق المدبر، وأنه وحده المستحق للعبادة، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، لا يشبهه شيء من خلقه.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1-4].
تعليم

لماذا يذكر أهل العلم أقسام التوحيد؟

تقسيم التوحيد إلى أقسام ليس اختراعا لمعنى جديد، بل هو طريقة تعليمية مأخوذة من استقراء نصوص القرآن والسنة. فالقرآن يبين أن الله هو الخالق الرازق، ويأمر بإفراده بالعبادة، ويثبت له الأسماء والصفات على الوجه اللائق به.

ولا تتوقف صحة التوحيد على حفظ أسماء الأقسام، وإنما المقصود فهم ما دلت عليه والعمل به.

  • توحيد الربوبية.
  • توحيد الألوهية.
  • توحيد الأسماء والصفات.
أدلة جامعة

أدلة يظهر فيها معنى الأقسام

{الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 2-5].

ففي قوله: {رَبِّ العَالَمِينَ} إثبات ربوبيته سبحانه، وفي قوله: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} إثبات أسمائه وصفاته، وفي قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} إفراد الله بالعبادة.

{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65].

ففي الآية ذكر ربوبيته للسماوات والأرض، والأمر بعبادته وحده، وتنزيهه في أسمائه وصفاته.

{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ . قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ} [الزمر: 62-64].

فذكر سبحانه أنه خالق كل شيء، وهذا من الربوبية، ثم أنكر عبادة غيره، وهذا من توحيد الألوهية.

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا، وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [البقرة: 255].

فهذه الآية العظيمة تضمنت إفراده سبحانه بالألوهية في قوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}، وتضمنت ربوبيته وملكه وتدبيره في قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ}، وتضمنت أسماءه وصفاته في قوله: {الحَيُّ القَيُّومُ} وقوله: {وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ}.

{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ . هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ . هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ، لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى، يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [الحشر: 22-24].

ففيها توحيد الألوهية في قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}، وتوحيد الربوبية في قوله: {الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ}، وتوحيد الأسماء والصفات في الأسماء العظيمة المذكورة في الآيات، وفي قوله: {لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى}.

أقسام التوحيد الثلاثة
الأول

أولا: توحيد الربوبية

توحيد الربوبية هو الإيمان بأن الله وحده هو الخالق، الرازق، المالك، المدبر، المحيي، المميت.

ومن أمثلته أن يوقن المسلم أن النفع والضر، والخلق والرزق، وتدبير الكون كله بيد الله وحده، وأنه لا شريك له في شيء من ذلك.

{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62].
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ... وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].
الثاني

ثانيا: توحيد الألوهية

توحيد الألوهية هو إفراد الله وحده بالعبادة، فلا يدعى إلا الله، ولا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ولا يتوكل العبد إلا على الله، ولا يصرف شيئا من العبادة لغيره.

وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.

{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36].
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19].

والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، كالصلاة والدعاء والخوف والرجاء والمحبة والتوكل والاستعانة فيما لا يقدر عليه إلا الله.

الثالث

ثالثا: توحيد الأسماء والصفات

توحيد الأسماء والصفات هو الإيمان بما سمى الله به نفسه، ووصف به نفسه، وبما سماه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11].
{وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180].

وطريقة السلف أن يثبتوا ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، إثباتا يليق بجلاله، من غير تشبيه بصفات المخلوقين، مع تنزيهه سبحانه من غير نفي لما ثبت في الوحي.

تنبيهات مهمة في فهم التوحيد
لا يكفي وحده

هل يكفي توحيد الربوبية وحده؟

لا يكفي أن يقر الإنسان بأن الله هو الخالق والرازق فقط، بل لا بد أن يعبد الله وحده. فالمشركون الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بأن الله هو الخالق، ومع ذلك لم يكونوا موحدين لأنهم صرفوا العبادة لغير الله.

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61].
ترابط

ما العلاقة بين أقسام التوحيد؟

أقسام التوحيد متلازمة وليست عقائد منفصلة؛ فمن آمن بأن الله وحده هو الخالق الرازق المدبر، لزمه أن يعبده وحده، ومن عبده حقا آمن بما ثبت له من الأسماء الحسنى والصفات العلى.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ... فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21-22].
ثمرات

ما ثمرة تعلم التوحيد؟

  • إخلاص العبادة لله وحده.
  • النجاة من الشرك والبدع والخرافات.
  • طمأنينة القلب بالتوكل على الله.
  • صحة العمل وقبوله بإذن الله.
  • معرفة حق الله على العبد.
  • الثبات عند الفتن والشبهات.
قبول العمل

التوحيد شرط لقبول العمل

لا يقبل الله العمل إلا إذا كان خالصا له، موافقا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فالإخلاص يضاد الشرك والرياء، والمتابعة تضاد البدعة.

{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ.

رواه مسلم.

أسئلة شائعة
سؤال

هل تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام بدعة؟

لا. هذا التقسيم وصف تعليمي مستنبط من استقراء نصوص القرآن والسنة، وليس عبادة محدثة ولا عقيدة زائدة على الوحي. فالكتاب والسنة يثبتان ربوبية الله، ويوجبان إفراده بالعبادة، ويثبتان أسماءه وصفاته.

سؤال

هل يجب على كل مسلم حفظ أسماء الأقسام الثلاثة؟

الواجب هو تحقيق التوحيد الذي أمر الله به واجتناب الشرك، أما حفظ أسماء الأقسام بهذا اللفظ فهو وسيلة نافعة لفهم العقيدة وتعليمها، وليس هو المقصود لذاته.

سؤال

ما الفرق المختصر بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟

توحيد الربوبية يتعلق بأفعال الله، كالخلق والرزق والتدبير. وتوحيد الألوهية يتعلق بأفعال العباد التي يتقربون بها إلى الله، كالدعاء والصلاة والذبح والنذر والتوكل. فالله وحده هو الرب، ولذلك يجب أن يكون وحده هو المعبود بحق.

سؤال

هل قول «لا إله إلا الله» يكفي دون العمل بمعناها؟

هذه الكلمة العظيمة تتضمن نفي العبادة عما سوى الله وإثباتها لله وحده. فلا يتحقق معناها بمجرد التلفظ بها مع الإصرار على صرف عبادة لغير الله، بل لا بد من العلم بمعناها وقبول ما دلت عليه والانقياد لله وإخلاص العبادة له.

سؤال

هل كل ذنب يناقض أصل التوحيد؟

ليست الذنوب في مرتبة واحدة؛ فمنها الشرك الأكبر الذي يناقض أصل التوحيد، ومنها الشرك الأصغر والمعاصي التي تنقص كماله الواجب ولا تخرج المسلم من الإسلام بمجرد وقوعه فيها. والحكم على فعل معين أو شخص معين له ضوابطه، ويرجع في المسائل المشكلة إلى أهل العلم المعتبرين.

خاتمة

خاتمة

التوحيد هو أساس الدين، وأقسامه الثلاثة تعين المسلم على فهم حق الله عليه: أن يؤمن بربوبية الله، ويفرده بالعبادة، ويثبت له أسماءه وصفاته كما جاءت في الكتاب والسنة، على فهم السلف الصالح، بلا غلو ولا تعطيل.