بر الوالدين

مكانة الأم في الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

رفع الإسلام مكانة الأم، وجعل برها من أعظم القربات، وقرن حق الوالدين بحق الله في مواضع كثيرة من القرآن. والأم لها مزيد عناية وحق لما تحملته من حمل، وولادة، ورضاعة، وتربية، وسهر، ورحمة، وصبر.

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24].

فهذه الآية أصل جامع في وجوب الإحسان إلى الوالدين، ولين القول، وخفض الجناح، والدعاء لهما.

سبب المكانة

لماذا للأم مكانة عظيمة؟

لأن الأم جمعت أنواعا من الإحسان لا يحيط بها الأبناء غالبا: حملت، ووضعت، وأرضعت، وسهرت، وربت، وصبرت، وبذلت من جسدها ووقتها وقلبها.

{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15].
حسن الصحبة

الأم أحق الناس بحسن الصحبة

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك.

متفق عليه.

وهذا الحديث يدل على عظم حق الأم، وتقديمها في البر وحسن الصحبة، لما لها من مزيد تعب ورحمة وتربية.

صور بر الأم
بر عملي

من صور بر الأم

بر الأم ليس كلمة تقال فقط، بل هو عمل مستمر يظهر في القول والفعل.

  • لين الكلام معها.
  • خدمتها عند الحاجة.
  • السؤال عنها والاهتمام بها.
  • إدخال السرور عليها.
  • الصبر على ما يصدر منها عند الكبر أو المرض.
  • الدعاء لها.
  • النفقة عليها إذا احتاجت وكان الابن قادرا.
  • عدم رفع الصوت عليها.
  • عدم إشعارها بأنها عبء.
عند الكبر

بر الأم عند الكبر

من أعظم مواطن البر أن يحسن الابن إلى أمه عند كبرها وضعفها، لأن هذا وقت تزداد فيه حاجتها إلى الرحمة، والصبر، والخدمة، ولين الكلام.

رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة.

رواه مسلم.

  • الصبر على ضعفها وتكرر حاجتها.
  • عدم التضجر من خدمتها.
  • مخاطبتها بالكلام الكريم.
  • إدخال الطمأنينة عليها.
  • رعايتها صحيا وماليا بقدر الاستطاعة.
  • الدعاء لها بحضورها وغيابها.
فقه الحقوق والتوازن
بعد الزواج

بر الأم بعد الزواج

الزواج لا يسقط حق الأم، ولا يجوز للزوج أو الزوجة أن يمنع الطرف الآخر من بر والديه أو صلتهما بالمعروف.

لكن ينبغي ترتيب الحقوق بحكمة وعدل، فلا يظلم الزوج زوجته بحجة أمه، ولا تقطع الزوجة زوجها عن أمه، ولا يجعل أحد الطرفين البر سببا لإضاعة حقوق البيت.

فالشرع جاء بالعدل: يعطى كل ذي حق حقه.

ومن المهم أن يفهم الزوجان أن بر الأم لا يعني ظلم الزوجة أو إهمال الأبناء، كما أن حق الزوج أو الزوجة لا يعني قطع الأم أو التضييق في برها. والموفق من جمع بين الحقوق بقدر استطاعته، واستعان بالله على حسن الترتيب والرفق.

الطاعة بالمعروف

طاعة الأم في المعروف

طاعة الأم واجبة في المعروف، ما لم تأمر بمعصية أو بما فيه ضرر ظاهر أو إضاعة حق واجب.

إنما الطاعة في المعروف.

متفق عليه.

فإذا أمرت الأم بمعصية، فلا تطاع في المعصية، لكن يبقى حقها في البر، ولين الكلام، والإحسان.

{وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].
غير المسلمة

بر الأم غير المسلمة

إذا كانت الأم غير مسلمة، فإن حقها في البر والصلة والإحسان باق، ما دامت لا تأمر ولدها بمعصية الله، ولا يطيعها في الكفر أو المعصية.

سألت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن أمها وكانت مشركة، فقالت: إن أمي قدمت علي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك.

متفق عليه.

فهذا يدل على أن اختلاف الدين لا يسقط الإحسان إلى الأم، بل يبرها المسلم، ويحسن صحبتها، ويدعو لها بالهداية، مع ثباته على دينه.

كبيرة عظيمة

خطورة عقوق الأم

عقوق الوالدين من كبائر الذنوب، وهو في حق الأم شديد لقوة حقها.

  • رفع الصوت عليها.
  • إهانتها أو السخرية منها.
  • هجرها بلا حق.
  • ترك خدمتها مع الحاجة.
  • تفضيل الناس عليها في البر مع إهمالها.
  • إدخال الحزن عليها بغير حق.
  • الدعاء عليها أو سبها.
الإشراك بالله، وعقوق الوالدين.

متفق عليه في ذكر الكبائر.

ابتلاء وصبر

إذا كانت الأم قاسية أو كثيرة الطلب

قد يبتلى بعض الأبناء بأم شديدة، أو كثيرة الطلب، أو صعبة التعامل. وهذا لا يسقط حقها في البر، لكنه يحتاج إلى صبر وحكمة ووضع حدود بالمعروف إذا وجد ضرر.

  • الصبر واحتساب الأجر.
  • اختيار الكلام اللين.
  • عدم مقابلة القسوة بالقسوة.
  • بذل ما يستطيع دون ظلم للنفس أو للزوجة أو للأبناء.
  • الاستعانة بأهل الحكمة عند الحاجة.
دعاء ووفاء

الدعاء للأم

من أعظم البر الدعاء للأم في حياتها وبعد وفاتها.

{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].

ومن البر بعد موتها: الدعاء لها، والصدقة عنها، وصلة من كانت تحب صلتهم من الأقارب والصديقات إذا تيسر ذلك.

وينبغي التنبيه إلى أن بعض العبارات المشهورة في فضل الأم لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يكفي المسلم ما ثبت في القرآن والسنة الصحيحة من النصوص العظيمة في حقها.

سؤال شائع

هل حق الأم أعظم من حق الأب؟

الأبوان كلاهما عظيم الحق، لكن الأم قدمت في حسن الصحبة ثلاث مرات في الحديث، لما تحملته من الحمل والولادة والرضاعة والتربية.

سؤال شائع

هل أطيع أمي إذا أمرتني بمعصية؟

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن لا يجوز أن يكون رفض المعصية مصحوبا بالإهانة أو القسوة، بل يصاحبها الابن بالمعروف.

سؤال شائع

هل أطيع أمي إذا طلبت مني ظلم زوجتي أو قطع حق واجب؟

لا تطاع الأم في الظلم، ولا في إضاعة الحقوق الواجبة، ولا في قطع الرحم أو الإضرار بالزوجة أو الأبناء بغير حق. لكن الواجب أن يرفض الابن ذلك بأدب، ويحفظ حق أمه في البر، ويحاول الإصلاح والجمع بين الحقوق قدر استطاعته.

سؤال شائع

هل يجوز للزوجة أن تمنع زوجها من بر أمه؟

لا يجوز لها أن تمنعه من بر أمه أو صلتها بالمعروف، كما لا يجوز له أن يظلم زوجته أو يضيع حقوقها بحجة البر. الواجب العدل وإعطاء كل ذي حق حقه.

سؤال شائع

هل يجب بر الأم إذا كانت غير مسلمة؟

نعم، يبرها ولدها ويحسن إليها ويصلها بالمعروف، ولا يطيعها في الكفر أو المعصية، لحديث أسماء رضي الله عنها حين أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل أمها.

سؤال شائع

ما أفضل بر للأم؟

من أفضل البر: حسن الصحبة، لين الكلام، قضاء حاجتها، الصبر عليها، الدعاء لها، وإدخال السرور عليها بما يرضي الله.

خاتمة

خاتمة

مكانة الأم في الإسلام عظيمة، وبرها باب واسع من أبواب الجنة، وعقوقها من كبائر الذنوب. ومن وفقه الله لبر أمه فليحمد الله، وليجتهد في حسن صحبتها، فإن الأيام تمضي، والفرص لا تعود، والبر دين وعبادة وقربة إلى الله.