فضائل وأذكارالتكبير في عشر ذي الحجة: صيغته ووقته وأحكامه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
التكبير من أعظم شعائر عشر ذي الحجة، وهو إعلان لتعظيم الله وتوحيده، وتذكير للقلب أن الله أكبر من كل شيء. وقد كان السلف يعتنون بإظهار التكبير في هذه الأيام المباركة.
الدليل على مشروعية التكبير
قال الله تعالى:
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 28].
وقال تعالى:
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203].
والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة عند جماعة من أهل العلم، والأيام المعدودات هي أيام التشريق، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ».
رواه مسلم (1141)، وزيادة «وذكر لله» في الرواية الأخرى عنده.
فالتكبير في هذه الأيام سنة، وليس واجبا عند جمهور أهل العلم. وللتعرف على فضل الموسم الذي يشرع فيه، اقرأ فضل عشر ذي الحجة ولماذا هي أعظم أيام الدنيا.
التكبير المطلق
التكبير المطلق هو التكبير الذي لا يختص بأعقاب الصلوات، فيكبر المسلم في الليل والنهار، في البيت والطريق والعمل والسوق، وفي كل موضع يليق بذكر الله.
ويبدأ بدخول شهر ذي الحجة، من ليلته الأولى، ويستمر إلى غروب الشمس من اليوم الثالث عشر، وهو آخر أيام التشريق. فلا ينتهي بمجرد انتهاء صلاة عيد الأضحى أو بانتهاء يوم العيد.
وفي الأيام التي تسبق يوم عرفة يكثر المسلم من التكبير من غير أن يجعل له سنة مخصوصة عقب كل فريضة؛ فالتكبير المطلق غير التكبير المقيد بالصلوات.
التكبير المقيد
التكبير المقيد هو التكبير الذي يقال بعد الصلوات المفروضة في أيام مخصوصة.
والقول الذي أفتى به الشيخ ابن باز رحمه الله أن غير الحاج يبدأ به بعد صلاة الفجر يوم عرفة، وهو التاسع من ذي الحجة، وينتهي به بعد صلاة العصر من اليوم الثالث عشر. أما الحاج فيبدأ به بعد صلاة الظهر يوم النحر، وهو العاشر، إلى ما بعد صلاة العصر من اليوم الثالث عشر.
وفي تحديد بداية التكبير المقيد ونهايته خلاف بين الفقهاء. وهذه الأوقات مبنية على آثار الصحابة واجتهاد أهل العلم، وليست منصوصة كلها في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويجتمع التكبير المطلق والمقيد لغير الحاج من يوم عرفة إلى نهاية أيام التشريق؛ فيكبر بعد الفرائض، ويكبر أيضا في بقية الأوقات المناسبة. وآخر صلاة للتكبير المقيد هي العصر، أما التكبير المطلق فيستمر حتى غروب الشمس في ذلك اليوم.
والحاج المحرم يعتني بالتلبية حتى يبدأ رمي جمرة العقبة يوم النحر، فيقطعها عند أول حصاة على ما أفتى به ابن باز. والتلبية أولى في حقه قبل ذلك، ولا يمنع من التكبير معها؛ فقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق إلى عرفة، فمنهم الملبي ومنهم المكبر، ولم ينكر بعضهم على بعض. رواه البخاري (970).
صيغ التكبير
لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تعيين صيغة واحدة يلتزمها المسلم في تكبير العشر والعيد، لكن وردت صيغ عن الصحابة والسلف.
ومن الصيغ المشهورة المنقولة عن ابن مسعود رضي الله عنه:
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أخرجه ابن المنذر في الأوسط (2204) عن ابن مسعود رضي الله عنه، وصحح شعيب الأرناؤوط إسناد أثره في تخريج زاد المعاد (2/360).
وجاء عنه أيضا بتثليث التكبير في أوله:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (5679، طبعة عوامة). وتختلف أرقام الآثار بين الطبعات.
وجاء عن سلمان الفارسي رضي الله عنه:
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا.
أخرجه عبد الرزاق، وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2/536) أن إسناده صحيح.
ومن الذكر المشروع أيضا:
الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
أفتى ابن باز بجواز هذه الصيغة في تكبير العيد. وأصل ألفاظها ثابت في صحيح مسلم (601) في قصة رجل قالها في الصلاة فأقره النبي صلى الله عليه وسلم؛ وليس ذلك الحديث نصا في تخصيصها بأيام العشر.
وللمسلم أن يختار من هذه الصيغ، ولا يلزمه جمعها كلها، ولا ينكر على من اختار إحدى الصيغ المأثورة.
إظهار التكبير
كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما.
ذكره البخاري تعليقا في صحيحه، في كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق.
وهذا يدل على مشروعية إظهار التكبير وإحياء هذه الشعيرة بين الناس. ويجهر به الرجل جهرا مناسبا، من غير صياح أو تشويش على المصلين والقراء. وتكبر المرأة أيضا، وتخفض صوتها إذا كان بحضرتها رجال أجانب، كما ذكر ابن قدامة في المغني في الكلام على تكبير النساء.
هل يكون التكبير جماعيا؟
المشروع أن يكبر كل مسلم بنفسه. وقد أفتى الشيخ ابن باز رحمه الله بعدم مشروعية ترتيب التكبير على صوت واحد، بحيث يقصد الجميع البدء والانتهاء معا.
أما أن يكبر الناس كل على حدة، فتتوافق أصواتهم أحيانا من غير ترتيب، فلا حرج في ذلك. وسماع الناس تكبير ابن عمر وأبي هريرة ثم تكبيرهم لا يدل على التزام ترديد منظم بصوت واحد.
كيف نحيي سنة التكبير في البيت؟
من أيسر ما يحيي هذه السنة أن يسمع الأبناء التكبير من والديهم، ثم يتعلموا ألفاظه ومعناه. فيبين لهم أن قول «الله أكبر» تعظيم لله، وأن «لا إله إلا الله» إقرار بأنه وحده المستحق للعبادة، لا مجرد كلمات تردد في موسم العيد.
ويكبر المسلم في أوقات يومه المناسبة، وبعد الفرائض في أيام التكبير المقيد، ويذكر أهله بفضل هذه الأيام. ويعلم أبناءه برفق، من غير ترديد جماعي منظم أو إلزامهم ببرنامج ينسبه إلى السنة. ولأعمال الموسم الأخرى، اقرأ أفضل الأعمال في عشر ذي الحجة.
أسئلة شائعة
متى يبدأ التكبير في عشر ذي الحجة؟
من دخول شهر ذي الحجة، بما في ذلك ليلته الأولى، إلى غروب الشمس من اليوم الثالث عشر. وهو تكبير مطلق لا يختص بالصلوات.
متى يبدأ التكبير المقيد بعد الصلاة؟
على القول الذي أفتى به ابن باز: لغير الحاج بعد فجر التاسع إلى ما بعد عصر الثالث عشر، وللحاج بعد ظهر العاشر إلى ما بعد عصر الثالث عشر. وهذه مسألة اجتهادية في تحديد الوقت، وأصل التكبير ثابت.
هل توجد صيغة واحدة واجبة للتكبير؟
لا. يختار المسلم من الصيغ المأثورة الصحيحة، ولا يلزمه جمعها كلها، ولا يجوز أن ينسب صيغة أو عددا مخصوصا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير دليل.
هل يجوز التكبير في الطريق والسوق؟
نعم، يشرع التكبير في كل موضع يليق بذكر الله، مع مراعاة الأدب وعدم إيذاء الناس.
هل يشرع التكبير للنساء والحائض؟
نعم، التكبير مشروع للنساء أيضا، ولو صلين منفردات على قول جمهور أهل العلم. وتخفض المرأة صوتها بحضرة الرجال الأجانب. ويجوز لها الذكر والتكبير حال الحيض، وإن كانت لا تصلي، كما يدل عليه حديث أم عطية رضي الله عنها عند البخاري (971).
هل يغني التكبير المقيد عن أذكار بعد الصلاة؟
لا، فلكل منهما موضعه. يأتي المسلم بالتكبير المقيد في أيامه، ويحافظ كذلك على الأذكار الثابتة بعد الفريضة من الاستغفار والتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير، كما بين في أذكار بعد الصلاة المفروضة.
وذكر الشيخ ابن عثيمين أن يبدأ المصلي بالاستغفار ثلاثا وقول «اللهم أنت السلام...» ثم يقول التكبير المقيد. والاستغفار وهذا الدعاء عقب الصلاة ثابتان في حديث ثوبان رضي الله عنه عند مسلم (591)، أما ترتيب التكبير المقيد بعدهما فليس واجبا.
هل التكبير المطلق والمقيد هو نفسه التكبيرات الزوائد في صلاة العيد؟
لا. التكبير المطلق والمقيد ذكر خارج الصلاة، أما التكبيرات الزوائد فلها موضعها داخل ركعتي صلاة العيد. وتفصيلها في صلاة العيد: صفتها وأحكامها.
خاتمة
التكبير في عشر ذي الحجة شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، يعلن بها المسلم تعظيم الله وتوحيده. فليحرص المسلم على إحيائها في نفسه وبيته، وليجعل لسانه رطبا بذكر الله في هذه الأيام المباركة.
مقالات ذات صلة