قسم المقالشروط الصلاة التسعة
الشرط الأول: الإسلام
الصلاة عبادة لا تصح إلا من مسلم؛ لأن قبول العبادة مبني على الإيمان بالله والاستسلام له. قال الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
الشرط الثاني: العقل
العقل مناط التكليف، فلا تصح الصلاة ممن زال عقله؛ لأنه لا يعقل النية ولا ما يقول ويفعل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ". رواه أبو داود (4403)، وصححه الألباني.
الشرط الثالث: التمييز
التمييز هو أن يفهم الطفل الخطاب، ويحسن النية، ويدرك صفة الصلاة إجمالا. وليس المقصود أنه صار مكلفا؛ فالوجوب لا يثبت عليه حتى يبلغ، لكن يؤمر بالصلاة ويعلمها قبل البلوغ حتى ينشأ عليها. وقد دل حديث رفع القلم المتقدم على أن الصغير لا تجب عليه الصلاة حتى يبلغ. أما صحة صلاته قبل البلوغ فمرتبطة بتمييزه؛ فإذا كان يفهم الصلاة وينويها ويؤديها على وجهها صحت منه، ويعلمها بالتدرج والقدوة والصبر حتى ينشأ محافظا عليها.
الشرط الرابع: رفع الحدث
يجب أن يكون المصلي على طهارة من الحدث الأصغر بالوضوء، ومن الحدث الأكبر بالغسل، فإن عجز عن استعمال الماء أو فقده انتقل إلى التيمم المشروع. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ". متفق عليه: البخاري (135)، ومسلم (225).
الشرط الخامس: إزالة النجاسة
يجب على المصلي أن يزيل النجاسة التي يعلم بها ويقدر على إزالتها من بدنه وثوبه وما يباشره من موضع صلاته. وهذا غير الوضوء؛ فالوضوء يرفع الحدث، أما إزالة النجاسة فتعني إزالة عين البول أو الدم النجس ونحوهما. ومن صلى وهو يعلم بالنجاسة ويقدر على إزالتها فلم يفعل، لم تصح صلاته. أما من جهلها أو نسيها ولم يعلم إلا بعد الصلاة، ففي وجوب الإعادة خلاف معتبر، والأقرب أنه لا يعيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في الصلاة لما أخبره جبريل أن فيهما أذى، ثم بنى على صلاته ولم يستأنفها. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ القَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا، وَقَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا". رواه أبو داود (650)، وصححه الألباني.
الشرط السادس: ستر العورة
يستر الرجل في الصلاة ما بين سرته وركبته، ويجب عليه مع القدرة أن يصلي في لباس لائق يستر عاتقيه أو أحدهما. والمرأة البالغة تستر بدنها في الصلاة سوى وجهها إذا لم تكن بحضرة أجنبي. ويجب عليها ستر شعرها وعنقها وذراعيها وساقيها وقدميها، أما الكفان ففي سترهما خلاف معروف، وسترهما أولى، وإن كشفتهما صحت صلاتها على قول جماعة من أهل العلم. وإذا كان يراها رجل أجنبي سترت وجهها أيضا؛ وهذا من حكم الحجاب عن الأجنبي. قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ". متفق عليه: البخاري (359)، ومسلم (516).
الشرط السابع: دخول الوقت
لا تصح الفريضة قبل دخول وقتها. ويجب على المسلم أن يتحقق من الوقت، ولا يؤخر الصلاة عنه بلا عذر شرعي. والجمع المشروع للمسافر أو المريض ونحوهما له أحكامه، ووقت الصلاتين في حال الجمع وقت لهما بإذن الشرع. قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103].
الشرط الثامن: استقبال القبلة
يستقبل القادر الكعبة في صلاته، ويجتهد في معرفة جهتها. ويسقط عنه ما يعجز عنه حقيقة؛ كالمريض الذي لا يستطيع التحول، ومن اشتد به الخوف، ولصلاة النافلة على الراحلة في السفر أحكام خاصة ثبتت بها السنة. قال الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144].
الشرط التاسع: النية
ينوي المصلي بقلبه الصلاة التي يريد أداءها، كالظهر أو العصر، فرضا أو نفلا. ومحل النية القلب، ولا يشرع التلفظ بها؛ فلم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أصحابه كانوا يقولون قبل الصلاة: نويت أن أصلي كذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". متفق عليه: البخاري (1)، ومسلم (1907).