المولد النبوي والاتباع

حكم الاحتفال بالمولد النبوي في ضوء السنة وفهم الصحابة

محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل عظيم من أصول الإيمان، ولا يكمل إيمان العبد الواجب حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".

متفق عليه.

لكن صدق هذه المحبة لا يقاس بمجرد العاطفة أو حسن القصد، وإنما يظهر باتباع سنته، وتصديق خبره، وطاعة أمره، واجتناب نهيه، وألا يعبد الله إلا بما شرعه.

ومن المسائل التي يجب بيان حكمها: تخصيص مولد النبي صلى الله عليه وسلم باحتفال ديني سنوي. وهذا الاحتفال لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله خلفاؤه الراشدون ولا أصحابه رضي الله عنهم، ولم يعرف في القرون المفضلة؛ فهو بدعة محدثة مردودة، وليس من محبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من تعظيمه أن يتقرب إلى الله بما لم يأذن به.

ما المقصود بالاحتفال بالمولد النبوي؟
قسم

ما المقصود بالاحتفال بالمولد النبوي؟

المقصود هو تخصيص يوم أو ليلة من كل عام، يعتقد أنها توافق مولد النبي صلى الله عليه وسلم، باجتماع أو شعائر تتكرر بقصد التعبد والتقرب إلى الله وإظهار محبة رسوله، مثل تخصيصها بالقراءة أو المدائح أو الطعام أو الصدقات أو غير ذلك.

أما تدريس السيرة النبوية، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإطعام الطعام، وتعليم الناس سنته في سائر العام، فكلها أعمال مشروعة في أصلها إذا أديت على الوجه المشروع. وإنما موضع البحث هو جعل يوم معين موسما دينيا متكررا من غير دليل يخصه.

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟
قسم

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

تخصيص مولد النبي صلى الله عليه وسلم باحتفال ديني سنوي غير مشروع، وهو من البدع المحدثة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرعه لأمته، ولم يفعله خلفاؤه الراشدون، ولا بقية الصحابة رضي الله عنهم، ولا التابعون لهم بإحسان، مع كمال محبتهم له، وشدة حرصهم على الخير، وعلمهم بسنته.

ولا يغير هذا الحكم كون بعض الأعمال الواقعة في الاحتفال مشروعة في أصلها؛ لأن تخصيص العبادة بزمان معين، وجعلها هيئة دينية متكررة، يحتاج إلى دليل. فالعبادة لا تشرع بحسن النية وحده، بل لا بد فيها من الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

العبادة والمواسم الدينية لا تثبت إلا بدليل
قسم

العبادة والمواسم الدينية لا تثبت إلا بدليل

قال الله تعالى:

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21].

فالعبادات مبناها على التوقيف، ولا يجوز لأحد أن يجعل قولا أو عملا عبادة، أو يخص زمانا بالتعبد، من غير دليل من الكتاب أو السنة.

وعن أنس رضي الله عنه قال:

"قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: مَا هَذَانِ اليَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الفِطْرِ".

رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني.

والاجتماع الذي يعود كل سنة على وجه التعبد والتعظيم يأخذ معنى الموسم أو العيد الديني، وليس للمسلمين أن ينشئوا عيدا سنويا ثالثا لم يأذن به الله. فالمشكلة ليست في اسم "الاحتفال" وحده، وإنما في حقيقة التخصيص الديني والتكرار السنوي.

محبة النبي صلى الله عليه وسلم تكون باتباعه
قسم

محبة النبي صلى الله عليه وسلم تكون باتباعه

قال الله تعالى:

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31-32].

وقال سبحانه:

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

فجعل الله علامة المحبة الصادقة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعل فيه الأسوة الحسنة. ولهذا كان المشروع للمسلم أن يقف حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أبواب العبادة.

ولمعرفة صور هذه المحبة وآثارها العملية، يمكن الرجوع إلى مقال محبة النبي صلى الله عليه وسلم: معناها وعلاماتها.

الأدلة من السنة على رد العبادات المحدثة
قسم

الأدلة من السنة على رد العبادات المحدثة

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

متفق عليه.

وفي رواية لمسلم:

"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ".

ومعنى "فهو رد": أنه مردود على صاحبه، لا يكون عبادة مقبولة؛ لأنه لم يوافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال العرباض بن سارية رضي الله عنه:

"وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".

رواه أبو داود والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني.

لماذا يعد ترك الصحابة للاحتفال دليلا مهما؟
قسم

لماذا يعد ترك الصحابة للاحتفال دليلا مهما؟

ولد النبي صلى الله عليه وسلم وعاش بين أصحابه، وعرفوا قدره، وفدوه بأنفسهم وأموالهم، وحفظوا أقواله وأفعاله، ونقلوا أدق أحواله إلى الأمة. ثم عاشوا بعد وفاته، ومع ذلك لم ينقل عن أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا عن غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أنهم خصصوا مولده باحتفال سنوي.

ووجه الاستدلال واضح: سبب الاحتفال كان موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومحبتهم له كانت أكمل، ولم يوجد ما يمنعهم من إقامته، ومع ذلك تركوه جميعا. فلو كان عبادة مشروعة أو خيرا يتقرب به إلى الله لسبقوا الأمة إليه؛ ولذلك فإحداثه بعدهم ليس زيادة في محبته، وإنما هو تقرب إلى الله بعبادة لم يأذن بها ولم يشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:

"كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً".

رواه اللالكائي والبيهقي، وصححه الألباني.

ولم يعرف الاحتفال بالمولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد الصحابة والتابعين، ولا في القرون المفضلة، وإنما ظهر بعد ذلك بقرون.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ".

متفق عليه.

فلم يعرف هذا الاحتفال في هذه القرون التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، ولا فعله أئمة الإسلام المتبوعون فيها. وظهوره بعد انقضاء القرون المفضلة يؤكد أنه ليس من السنة التي تلقاها السلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

متى ظهر الاحتفال بالمولد النبوي؟
قسم

متى ظهر الاحتفال بالمولد النبوي؟

لم يعرف المسلمون الاحتفال بالمولد في القرون الثلاثة المفضلة. وأول ما اشتهر من إقامته موسما رسميا متكررا كان في عهد الدولة العبيدية التي تسمت بالفاطمية، في أواخر القرن الرابع الهجري؛ إذ أقامت عدة موالد ومواسم، منها مولد النبي صلى الله عليه وسلم وموالد أخرى.

ثم انتقل الاحتفال بعد ذلك إلى بعض البلاد واتخذ صورا متعددة. ولا يبنى الحكم الشرعي على تاريخ ظهوره وحده، لكن ظهوره بعد القرون المفضلة يؤكد موافقته لوصف البدعة المحدثة، وأنه لم يكن من عمل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا أئمة السلف.

هل حديث صيام يوم الاثنين دليل على الاحتفال بالمولد؟
قسم

هل حديث صيام يوم الاثنين دليل على الاحتفال بالمولد؟

سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال:

"ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ".

رواه مسلم.

هذا الحديث يدل على مشروعية صيام يوم الاثنين، وأن من أسباب صيامه أنه اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه فيه. ولا يدل على تخصيص يوم من السنة باحتفال؛ فالعمل الذي ثبت عنه متعلقا بيوم مولده هو صيام الاثنين من كل أسبوع، لا إقامة احتفال سنوي في تاريخ من ربيع الأول.

فمن أراد الاقتداء به في ذلك، فليصم الاثنين بحسب استطاعته، ولا يستبدل بالسنة الثابتة هيئة سنوية لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه.

مناقشة أشهر الشبهات حول المولد
قسم

مناقشة أشهر الشبهات حول المولد

الشبهة الأولى: قول الله تعالى {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}

قال الله تعالى:

{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].

الفرح بفضل الله ورحمته، وبالإسلام والقرآن وببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فرح مشروع دائم. لكن الآية لا تتضمن تخصيص يوم مولده باحتفال سنوي، ولم يفهم منها الصحابة ذلك. والاستدلال بالآية على عبادة محددة يحتاج إلى بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم أو عمل أصحابه، ولم ينقل شيء من ذلك.

الشبهة الثانية: حديث "من سن في الإسلام سنة حسنة"

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ".

رواه مسلم.

ورد الحديث في رجل بادر بالصدقة فتتابع الناس على الصدقة بعده. فالمراد سن العمل بسنة لها أصل ثابت في الشرع، أو إحياؤها والمبادرة إليها، لا إنشاء عبادة جديدة؛ وإلا تعارض هذا الفهم مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"، وكلامه صلى الله عليه وسلم لا يتناقض.

الشبهة الثالثة: قول عمر رضي الله عنه "نعمت البدعة هذه"

قال عمر رضي الله عنه ذلك عندما جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان. ولم يكن قيام رمضان جماعة عبادة محدثة؛ فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليالي، ثم ترك استمرار الاجتماع خشية أن تفرض عليهم. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي وزالت خشية الفرض، أحيا عمر سنة ثابتة وجمع الناس عليها.

فسماها بدعة باعتبار معناها اللغوي، أي أن صورتها الجماعية المستمرة كانت جديدة بالنسبة إلى ما اعتاده الناس حينئذ، لا أنها بدعة شرعية لا أصل لها.

الشبهة الرابعة: قصة تخفيف العذاب عن أبي لهب

يستدل بعض الناس بخبر أن أبا لهب خفف عنه بسبب فرحه بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وعتقه ثويبة. والذي ذكره البخاري عن عروة في قصة ثويبة خبر مرسل يتضمن رؤيا منام، وليس حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت به حكم شرعي. أما الزيادة المشهورة بأن العذاب يخفف عنه كل يوم اثنين بسبب فرحه بالمولد، فليست في لفظ البخاري.

وليس في الخبر تشريع احتفال سنوي ولا تخصيص عبادة بليلة المولد. وحتى على فرض ثبوت مكافأة أبي لهب على إحسان معين، فغاية ذلك أن الله جازاه على ذلك الإحسان، وليس فيه دليل على إحداث موسم ديني للمسلمين.

الشبهة الخامسة: الاحتفال لا يشتمل إلا على القرآن والسيرة والطعام

قراءة القرآن، وتعليم السيرة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والصدقة، وإطعام الطعام، أعمال مشروعة في أوقاتها وعلى صفاتها المشروعة. لكن جمعها في تاريخ مخصوص يتكرر كل سنة، مع اعتقاد فضل خاص لهذا الاجتماع أو التقرب إلى الله به بوصفه احتفالا بالمولد، يحتاج إلى دليل.

فليس الكلام في أصل قراءة القرآن أو الصدقة، وإنما في تخصيصها بزمان وهيئة على وجه ديني لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم.

الشبهة السادسة: هل أجاز ابن تيمية الاحتفال بالمولد؟

لم يجز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اتخاذ المولد عيدا، بل نص على أنه "عيد محدث لا أصل له"، وقرر أن السلف لم يفعلوه مع قيام سببه وعدم المانع، وأنهم لو رأوه خيرا لسبقوا إليه.

أما قوله إن بعض الناس قد يثاب على محبته وحسن قصده، فليس معناه أن البدعة مشروعة؛ فقد يثاب الجاهل أو المتأول على نيته الصالحة، ولا يثاب على العمل المحدث نفسه. وقد صرح رحمه الله بهذا المعنى فقال: "والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع". فحسن القصد قد يكون عذرا لصاحبه، لكنه لا يحول العمل المخالف للسنة إلى سنة مشروعة.

الشبهة السابعة: نحن لا نسميه عيدا وإنما نسميه ذكرى

العبرة بحقيقة العمل لا بالاسم الذي يطلق عليه. فإذا خصص الناس يوما يعود كل عام، واجتمعوا فيه على أعمال يقصدون بها التقرب والتعظيم، صار موسما دينيا وعيدا بالمعنى الشرعي، ولو سمي ذكرى أو مناسبة أو احتفالا. وتغيير الاسم لا يغير الحكم.

الشبهة الثامنة: الأصل في الأشياء الإباحة

هذه القاعدة صحيحة في العادات والمنافع الدنيوية، أما العبادات والمواسم الدينية فالأصل فيها التوقيف؛ فلا يشرع منها إلا ما دل عليه الدليل. والاحتفال بالمولد لا يقام على أنه عادة دنيوية مجردة، بل يقصد به التقرب إلى الله وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يطلب الدليل على مشروعيته، ولا يكفي فيه القول بأن الأصل الإباحة.

الشبهة التاسعة: مجرد ترك النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على المنع

ليس كل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم محرما بمجرد الترك، لكن هذه المسألة لا تعتمد على الترك المجرد وحده. فالاحتفال قربة وموسم ديني، والأصل في العبادات التوقيف، وقد كان سببه قائما في عهده، ولم يوجد مانع من فعله، ثم تركه هو وخلفاؤه وأصحابه والقرون المفضلة جميعا، مع ورود النصوص برد المحدثات. فاجتماع هذه الأمور يدل على أن اتخاذ المولد موسما دينيا ليس من السنة.

الشبهة العاشرة: المولد بدعة حسنة مثل جمع المصحف

البدعة في معناها الشرعي كلها ضلالة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وما له أصل في الشريعة، أو كان وسيلة مشروعة لحفظ أمر مشروع، لا يكون بدعة شرعية وإن كان جديدا من جهة اللغة أو التنظيم.

فجمع الصحابة للمصحف لم يكن إنشاء عبادة جديدة ولا تخصيص موسم ديني، وإنما كان وسيلة لحفظ القرآن الذي أمر الله بتلاوته وتبليغه والعمل به، وقد تجددت الحاجة إلى جمعه في مصحف واحد بعد موت عدد من القراء. أما سبب الاحتفال بالمولد، وهو مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته، فكان موجودا في حياته وبعد وفاته، ومع ذلك لم يتخذه الصحابة عبادة ولا موسما. فلا يصح قياس أحد الأمرين على الآخر.

هل كل من يحتفل بالمولد كافر أو مشرك؟
قسم

هل كل من يحتفل بالمولد كافر أو مشرك؟

لا. القول بأن الاحتفال بدعة لا يعني تكفير كل من يفعله، ولا الحكم عليه بالشرك. فقد يفعله المسلم جهلا أو تقليدا أو بتأويل، وهو يظن أنه يعبر به عن المحبة.

والحكم على الفعل شيء، والحكم على الشخص المعين شيء آخر. فلا يكفر المسلم لمجرد مشاركته في احتفال المولد. أما إذا اشتمل الاحتفال على دعاء النبي صلى الله عليه وسلم من دون الله، أو الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو غير ذلك من العبادة المصروفة لغير الله، فهذه أفعال شركية مستقلة يجب إنكارها وبيان خطرها، مع مراعاة ضوابط الحكم على الأعيان ورده إلى أهل العلم.

ما الطرق المشروعة لإظهار محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟
قسم

ما الطرق المشروعة لإظهار محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟

  • اتباع سنته وتقديم هديه على العادات والأهواء.
  • تعلم سيرته الصحيحة وتعليمها للأهل والأبناء طوال العام.
  • الإكثار من الصلاة والسلام عليه بالصيغ الثابتة من غير غلو.
  • تصديق أخباره، وطاعة أوامره، واجتناب نواهيه.
  • صيام يوم الاثنين اقتداء به بحسب الاستطاعة.
  • نشر سنته الصحيحة والدفاع عنها بالحكمة والعلم.
  • محبة أهل بيته وأزواجه أمهات المؤمنين وصحابته رضي الله عنهم، وحفظ حقوقهم وأعراضهم.
  • الحذر من الغلو فيه؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". رواه البخاري.

وللتعرف إلى فضل الصلاة عليه وصيغها الثابتة، يمكن قراءة مقال فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأفضل صيغها.

هل يجوز تخصيص ربيع الأول بتعليم السيرة؟
قسم

هل يجوز تخصيص ربيع الأول بتعليم السيرة؟

لا يشرع تخصيص ربيع الأول، أو يوم معين منه، بدرس يتكرر كل عام اعتقادا لفضيلة هذا التخصيص أو إحياء لذكرى المولد؛ لأن هذه الخصوصية لم تثبت بدليل.

أما تعليم السيرة طوال العام فهو من العلم النافع، ولا يمنع درس وقع في ربيع الأول ضمن برنامج علمي معتاد غير مرتبط بالمولد، من غير اعتقاد خصوصية للشهر ولا اتخاذ الدرس موسما متكررا. والفرق بين الأمرين هو قصد التخصيص، وصفة الاجتماع، وتكراره لأجل المناسبة.

كيف ينصح المسلم من يحتفل بالمولد؟
قسم

كيف ينصح المسلم من يحتفل بالمولد؟

ينصحه بعلم ورفق، ويبدأ بتقرير وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يبين أن أكمل الناس محبة له هم أصحابه، ولم يحتفلوا بمولده. ويشرح له الفرق بين الأعمال المشروعة في أصلها وبين تخصيصها بزمان وهيئة دينية بلا دليل.

ولا ينبغي أن تكون النصيحة سببا للسباب، أو التحقير، أو قطع الرحم، أو التسرع في التكفير. قال الله تعالى:

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].

أخطاء ينبغي تجنبها
قسم

أخطاء ينبغي تجنبها

  • جعل محبة النبي صلى الله عليه وسلم مبررا لإحداث عبادة لم يشرعها.
  • الاستدلال بالأحاديث أو القصص الضعيفة والمنامات لإثبات حكم شرعي.
  • اشتمال بعض الاحتفالات على الغلو، أو دعاء غير الله، أو مدائح تتضمن أوصافا لا تليق إلا بالله.
  • وقوع الاختلاط المحرم أو المعازف أو الإسراف أو تضييع الفرائض.
  • تكفير عموم المحتفلين أو الطعن في نياتهم بغير علم.
  • تحويل الخلاف إلى خصومة وقطيعة، بدلا من البيان بالحكمة والرفق.
  • الانشغال باحتفال سنوي مع التقصير في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والأخلاق والمعاملات طوال العام.
أسئلة شائعة عن الاحتفال بالمولد النبوي
سؤال

هل الاحتفال بالمولد سنة أو واجب؟

ليس سنة ولا واجبا؛ فلم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله، ولم يفعله أصحابه رضي الله عنهم. واتخاذه احتفالا دينيا متكررا بدعة محدثة.

سؤال

هل يجوز الاحتفال إذا خلا من الموسيقى والاختلاط والغلو؟

خلوه من المحرمات يزيل بعض المنكرات المصاحبة، لكنه لا يجعل تخصيص المولد باحتفال ديني مشروعا؛ لأن أصل التخصيص والتكرار بقصد التعبد يحتاج إلى دليل.

سؤال

هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في الثاني عشر من ربيع الأول؟

ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، لكن أهل السيرة اختلفوا في تحديد اليوم من شهر ربيع الأول. وليس الخلاف في التاريخ هو أصل الحكم؛ فحتى لو ثبت يوم معين، لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الاحتفال به.

سؤال

هل صيام الاثنين احتفال بالمولد؟

صيام الاثنين سنة نبوية أسبوعية، وليس احتفالا سنويا. وهو العمل الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر أن الاثنين يوم ولد فيه وأنزل عليه فيه.

سؤال

هل يجوز حضور المولد للمجاملة أو صلة الرحم؟

لا يجوز للمسلم أن يشارك في احتفال المولد من أجل المجاملة؛ لأن المجاملة لا تبيح المشاركة في عبادة محدثة. ويمكنه صلة رحمه وزيارتهم والإحسان إليهم في وقت آخر، وأن يعتذر بأدب ويبين الحكم من غير خصومة.

سؤال

هل تجوز التهنئة بالمولد النبوي؟

لا تشرع التهنئة بالمولد؛ لأنها تهنئة بمناسبة دينية متكررة لم يشرعها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وفيها إقرار للموسم المحدث. ويبين المسلم الحكم برفق، ويستبدل بذلك الدعاء المشروع والكلمة الطيبة في غير هذه المناسبة.

سؤال

هل يجوز أكل الطعام الذي يوزع في المولد؟

إذا صنع الطعام أو الحلوى ووزع لأجل المولد، فلا يجوز للمسلم المشاركة في أكله أو توزيعه؛ لأن ذلك من المشاركة في إحياء المناسبة المحدثة والإعانة عليها. أما الطعام المعتاد الذي لم يصنع للمولد ولا يرتبط به، فيبقى على أصل الإباحة.

سؤال

هل يجوز إنشاد المدائح ضمن احتفال المولد؟

لا يجوز إنشاد المدائح بوصفها جزءا من احتفال المولد؛ لأن المشاركة في شعائر المناسبة المحدثة غير مشروعة، ولو كانت كلمات القصيدة في أصلها صحيحة. أما الشعر الصادق في مدح النبي صلى الله عليه وسلم خارج المولد، فمن حيث الأصل جائز إذا خلا من الغلو والمعازف والمحرمات، ولم يتضمن دعاءه من دون الله، أو نسبة علم الغيب المطلق إليه، أو رفعه فوق منزلته التي أنزله الله إياها.

سؤال

هل يجوز تخصيص ربيع الأول بقراءة السيرة؟

لا يشرع اعتقاد فضيلة خاصة لتخصيص الشهر ببرنامج ديني سنوي لم يثبت. أما تدريس السيرة فيه ضمن التعليم المعتاد، من غير اعتقاد خصوصية ولا اتخاذه احتفالا متكررا، فجائز.

سؤال

ما أفضل عمل يفعله المسلم تعبيرا عن محبته للنبي صلى الله عليه وسلم؟

أفضل ذلك اتباع سنته ظاهرا وباطنا، والمحافظة على الفرائض، واجتناب ما نهى عنه، وتعلم سيرته، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، ونشر هديه الصحيح طوال العام.

خاتمة
خاتمة

خاتمة

محبة النبي صلى الله عليه وسلم عبادة جليلة لا تختصر في يوم من السنة. وأصدق الناس محبة له هم الذين لزموا سنته، واقتدوا بأصحابه، وعمروا حياتهم بطاعته من غير غلو ولا جفاء. نسأل الله أن يرزقنا محبته الصادقة، واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، والثبات على سنته حتى نلقاه.