قسممناقشة أشهر الشبهات حول المولد
الشبهة الأولى: قول الله تعالى {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}
قال الله تعالى:
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
الفرح بفضل الله ورحمته، وبالإسلام والقرآن وببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فرح مشروع دائم. لكن الآية لا تتضمن تخصيص يوم مولده باحتفال سنوي، ولم يفهم منها الصحابة ذلك. والاستدلال بالآية على عبادة محددة يحتاج إلى بيان من الرسول صلى الله عليه وسلم أو عمل أصحابه، ولم ينقل شيء من ذلك.
الشبهة الثانية: حديث "من سن في الإسلام سنة حسنة"
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ".
رواه مسلم.
ورد الحديث في رجل بادر بالصدقة فتتابع الناس على الصدقة بعده. فالمراد سن العمل بسنة لها أصل ثابت في الشرع، أو إحياؤها والمبادرة إليها، لا إنشاء عبادة جديدة؛ وإلا تعارض هذا الفهم مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"، وكلامه صلى الله عليه وسلم لا يتناقض.
الشبهة الثالثة: قول عمر رضي الله عنه "نعمت البدعة هذه"
قال عمر رضي الله عنه ذلك عندما جمع الناس على إمام واحد في قيام رمضان. ولم يكن قيام رمضان جماعة عبادة محدثة؛ فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليالي، ثم ترك استمرار الاجتماع خشية أن تفرض عليهم. فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي وزالت خشية الفرض، أحيا عمر سنة ثابتة وجمع الناس عليها.
فسماها بدعة باعتبار معناها اللغوي، أي أن صورتها الجماعية المستمرة كانت جديدة بالنسبة إلى ما اعتاده الناس حينئذ، لا أنها بدعة شرعية لا أصل لها.
الشبهة الرابعة: قصة تخفيف العذاب عن أبي لهب
يستدل بعض الناس بخبر أن أبا لهب خفف عنه بسبب فرحه بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وعتقه ثويبة. والذي ذكره البخاري عن عروة في قصة ثويبة خبر مرسل يتضمن رؤيا منام، وليس حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت به حكم شرعي. أما الزيادة المشهورة بأن العذاب يخفف عنه كل يوم اثنين بسبب فرحه بالمولد، فليست في لفظ البخاري.
وليس في الخبر تشريع احتفال سنوي ولا تخصيص عبادة بليلة المولد. وحتى على فرض ثبوت مكافأة أبي لهب على إحسان معين، فغاية ذلك أن الله جازاه على ذلك الإحسان، وليس فيه دليل على إحداث موسم ديني للمسلمين.
الشبهة الخامسة: الاحتفال لا يشتمل إلا على القرآن والسيرة والطعام
قراءة القرآن، وتعليم السيرة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والصدقة، وإطعام الطعام، أعمال مشروعة في أوقاتها وعلى صفاتها المشروعة. لكن جمعها في تاريخ مخصوص يتكرر كل سنة، مع اعتقاد فضل خاص لهذا الاجتماع أو التقرب إلى الله به بوصفه احتفالا بالمولد، يحتاج إلى دليل.
فليس الكلام في أصل قراءة القرآن أو الصدقة، وإنما في تخصيصها بزمان وهيئة على وجه ديني لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم.
الشبهة السادسة: هل أجاز ابن تيمية الاحتفال بالمولد؟
لم يجز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اتخاذ المولد عيدا، بل نص على أنه "عيد محدث لا أصل له"، وقرر أن السلف لم يفعلوه مع قيام سببه وعدم المانع، وأنهم لو رأوه خيرا لسبقوا إليه.
أما قوله إن بعض الناس قد يثاب على محبته وحسن قصده، فليس معناه أن البدعة مشروعة؛ فقد يثاب الجاهل أو المتأول على نيته الصالحة، ولا يثاب على العمل المحدث نفسه. وقد صرح رحمه الله بهذا المعنى فقال: "والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع". فحسن القصد قد يكون عذرا لصاحبه، لكنه لا يحول العمل المخالف للسنة إلى سنة مشروعة.
الشبهة السابعة: نحن لا نسميه عيدا وإنما نسميه ذكرى
العبرة بحقيقة العمل لا بالاسم الذي يطلق عليه. فإذا خصص الناس يوما يعود كل عام، واجتمعوا فيه على أعمال يقصدون بها التقرب والتعظيم، صار موسما دينيا وعيدا بالمعنى الشرعي، ولو سمي ذكرى أو مناسبة أو احتفالا. وتغيير الاسم لا يغير الحكم.
الشبهة الثامنة: الأصل في الأشياء الإباحة، والمولد عادة لا عبادة
هذه القاعدة صحيحة في العادات والمنافع الدنيوية، أما العبادات والمواسم الدينية فالأصل فيها التوقيف؛ فلا يشرع منها إلا ما دل عليه الدليل. ولو كان الاجتماع دنيويا محضا، لا يرتبط بيوم المولد، ولا يقصد به التقرب، ولا يعتقد لزمانه فضل ديني، لجرت عليه أحكام العادات.
أما تخصيص يوم بسبب ديني، وتكراره كل عام، وإقامة التلاوة والمدائح والصدقات فيه بقصد تعظيم المناسبة ونيل الأجر، فهذه حقيقة موسم ديني وقربة، ولو سماها أصحابها عادة أو مناسبة ثقافية. والعبرة بحقيقة العمل وقصده وصفته، لا بمجرد الاسم؛ ولذلك يطلب الدليل على مشروعيته، ولا يكفي فيه القول بأن الأصل الإباحة.
الشبهة التاسعة: مجرد ترك النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على المنع
ليس كل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم محرما بمجرد الترك، لكن هذه المسألة لا تعتمد على الترك المجرد وحده. فالاحتفال قربة وموسم ديني، والأصل في العبادات التوقيف، وقد كان سببه قائما في عهده، ولم يوجد مانع من فعله، ثم تركه هو وخلفاؤه وأصحابه والقرون المفضلة جميعا، مع ورود النصوص برد المحدثات. فاجتماع هذه الأمور يدل على أن اتخاذ المولد موسما دينيا ليس من السنة.
الشبهة العاشرة: المولد بدعة حسنة مثل جمع المصحف
البدعة في معناها الشرعي كلها ضلالة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. وما له أصل في الشريعة، أو كان وسيلة مشروعة لحفظ أمر مشروع، لا يكون بدعة شرعية وإن كان جديدا من جهة اللغة أو التنظيم.
فجمع الصحابة للمصحف لم يكن إنشاء عبادة جديدة ولا تخصيص موسم ديني، وإنما كان وسيلة لحفظ القرآن الذي أمر الله بتلاوته وتبليغه والعمل به، وقد تجددت الحاجة إلى جمعه في مصحف واحد بعد موت عدد من القراء. أما سبب الاحتفال بالمولد، وهو مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته، فكان موجودا في حياته وبعد وفاته، ومع ذلك لم يتخذه الصحابة عبادة ولا موسما. فلا يصح قياس أحد الأمرين على الآخر.
الشبهة الحادية عشرة: قياس المولد على صيام عاشوراء شكرا لله
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
"قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ، فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ".
متفق عليه.
فصيام عاشوراء عبادة ثبتت بقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وأمره، ولذلك اتبعته الأمة فيها. وليس في الحديث إذن لكل أحد أن ينشئ عند كل نعمة موسما دينيا أو احتفالا سنويا من عنده؛ فالعبادات تحددها السنة، ولا يقاس على عبادة ثابتة لإحداث عبادة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه. ولو كان شكر الله على مولده باحتفال سنوي مشروعا لبينه وفعله، وقد بين أن المشروع المتعلق بيوم مولده هو صيام يوم الاثنين.
الشبهة الثانية عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد النبوة
يروى عن أنس رضي الله عنه: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ"، ويستدل به بعض الناس على تكرار الاحتفاء بمولده.
وهذا الخبر لا يثبت؛ فقد وصفه الإمام البيهقي بأنه حديث منكر، وحكم عليه الإمام النووي بالبطلان، وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك الحديث. فلا يجوز بناء عبادة أو موسم ديني على خبر لا يصح. ثم إن العقيقة - على فرض ثبوت الخبر - حكم مستقل يتعلق بالمولود، وليست احتفالا سنويا ولا دليلا على تخصيص يوم المولد بشعائر تتكرر كل عام.
الشبهة الثالثة عشرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر مجالس المولد
لا يثبت في القرآن ولا في السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر مجالس المولد، ولا أن قيام بعض الناس عند ذكر ولادته مشروع لاستقباله. وحياته صلى الله عليه وسلم في البرزخ حق على الوجه الذي أراده الله، لكنها لا تثبت هذه الدعوى المعينة؛ فالغيب لا يثبت بالذوق أو المنام أو الحكايات، وإنما يثبت بالوحي.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ".
رواه النسائي وأحمد، وصححه أهل العلم.
فالحديث يثبت أن الملائكة تبلغ النبي صلى الله عليه وسلم سلام أمته، ولا يدل على حضوره مجالسهم. وأما اعتقاد علمه بالغيب المطلق، أو دعاؤه والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله، فذلك من الغلو المحرم، وقد يبلغ الشرك الأكبر إذا صرفت له عبادة من دون الله.
الشبهة الرابعة عشرة: لا يوجد نص خاص يقول لا تحتفلوا بالمولد
لا يشترط أن يذكر كل عمل محدث باسمه في نص مستقل؛ فقد جاءت الشريعة بقواعد عامة تشمل ما يحدث إلى قيام الساعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".
متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ". رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.
فمن جعل عملا عبادة، أو خص زمانا بفضيلة وشعائر دينية، فعليه أن يأتي بدليل المشروعية. وإلا لأمكن لكل أحد أن يحدث صلاة أو ذكرا أو موسما، ثم يطالب الآخرين بنص يذكر محدثته باسمها. والمولد داخل في عموم هذه النصوص؛ لأنه موسم ديني محدث لم يشرعه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله أصحابه.
الشبهة الخامسة عشرة: كثرة المسلمين الذين يحتفلون بالمولد دليل على جوازه
كثرة الفاعلين وانتشار العمل لا يجعلان العبادة المحدثة سنة؛ فالحجة في الوحي وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا في عدد من اعتاد الفعل بعدهم. قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].
وقد تنتشر عادة دينية لطول الزمن حتى يظنها بعض الناس من السنة، مع أنها لم تعرف عند الصحابة ولا في القرون المفضلة. لذلك لا يحكم على المولد بكثرة من يفعله، وإنما يعرض على الكتاب والسنة وهدي الصحابة، وحينئذ يتبين أنه محدث لا أصل له.