الطهارة والوضوءنواقض الوضوء
نواقض الوضوء هي الأمور التي تبطل الطهارة الصغرى، فيلزم بعدها الوضوء قبل الصلاة، أو التيمم عند تحقق عذره الشرعي. وليست كل نجاسة تصيب اليد أو كل إحساس في البطن ناقضا للوضوء؛ فلكل مسألة حكمها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». رواه البخاري (6954).
ولتعلم صفة الوضوء نفسها، اقرأ كيف تتوضأ وضوءا صحيحا.
1
هل الشك ينقض الوضوء؟
إذا كنت متيقنا أنك توضأت، ثم شككت هل خرج منك ريح أو شيء آخر، فأنت باق على طهارتك. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن يخيل إليه أنه يجد شيئا في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». رواه مسلم (361).
ذكر الصوت والرائحة مثال لما يحصل به اليقين، وليس اشتراطا لهما. فمن تيقن خروج الريح انتقض وضوؤه ولو لم يسمع صوتا ولم يجد رائحة، أما حركة البطن أو الإحساس المتردد فلا يكفيان للحكم بخروجها.
لا يلزم أن تفتش أو تعصر أو تكرر الفحص لتتأكد من طهارتك. وإن تيقنت حصول ناقض في أثناء الصلاة، فلا تستمر فيها، بل تطهر ثم أعد الصلاة.
2
أولا: الخارج من السبيلين
خروج البول والغائط، وخروج الريح من الدبر، ينقض الوضوء. وكذلك خروج المذي والودي، ولو كان الخارج قليلا. ويجب مع البول والغائط والمذي والودي تطهير المحل وما أصابته النجاسة على التفصيل المعروف، أما خروج الريح فلا يوجب الاستنجاء.
ولا يوجب المذي والودي غسل الجنابة. ولمعرفة الفرق بينهما وبين المني وطريقة التطهر من كل منها، اقرأ الفرق بين المني والمذي والودي وأحكام الطهارة.
الإفرازات النسائية المعتادة
أما الإفرازات النسائية المعتادة، فالجمهور على أن خروجها من باطن الفرج ينقض الوضوء، مع وجود قول بعدم النقض. ولا يلزم من كون الإفراز ناقضا أن يكون نجسا؛ فبعض هذه الإفرازات طاهر. وليس العرق أو الرطوبة الخارجية كخروج سائل من الداخل، ولا يحكم بانتقاض الوضوء لمجرد إحساس لم يتيقن معه الخروج. والتفصيل في مقال هل الإفرازات النسائية تنقض الوضوء؟.
3
ثانيا: النوم المستغرق
الراجح أن النوم الذي يزول معه الشعور ينقض الوضوء، سواء نام الإنسان جالسا أم مضطجعا. فالاعتبار بعمق النوم وفقد الإدراك، لا بالوضعية وحدها.
أما النعاس اليسير مع بقاء الشعور فلا ينقض الوضوء. وقد وصف أنس رضي الله عنه انتظار الصحابة لصلاة العشاء حتى تخفق رؤوسهم، ثم صلاتهم من غير وضوء. رواه أبو داود (200)، وصححه الألباني.
4
ثالثا: زوال العقل
زوال العقل بإغماء أو سكر أو جنون، وفقد الوعي بالتخدير الكامل، ينقض الوضوء. فإذا أفاق الإنسان وأراد الصلاة توضأ. أما التخدير الموضعي الذي لا يزيل الوعي فلا ينقض الوضوء بمجرده.
5
رابعا: أكل لحم الإبل
أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على الراجح، ولو كان قليلا، نيئا أو مطبوخا. ففي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ». رواه مسلم (360).
أما سائر اللحوم، كالغنم والبقر والدجاج، فلا تنقض الوضوء بمجرد أكلها. وكذلك لبن الإبل والمرق الذي يشرب دون أكل شيء من اللحم لا يأخذان حكم لحم الإبل.
واختلف أهل العلم في الكبد والشحم ونحو ذلك من أجزاء الإبل؛ فالوضوء بعد أكلها أحوط.
6
خامسا: مس الفرج
اختلف أهل العلم في مس القبل، والراجح عند جمع منهم أن مس الذكر أو قبل المرأة باليد مباشرة من غير حائل ينقض الوضوء، ولو لم يكن بشهوة. وعن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». رواه الترمذي (82)، وقال: حديث حسن صحيح.
أما المس من وراء ثوب أو قفاز فلا ينقض الوضوء. ولا يلحق بهذا مجرد لمس الفخذ أو ما حول الفرج. وأما مس حلقة الدبر مباشرة ففيه خلاف كذلك، والأحوط الوضوء منه.
والنقض هنا يتعلق بمن باشر المس بيده، لا بمن مس فرجه غيره، ما لم يحصل منه ناقض آخر.
7
هل لمس المرأة ينقض الوضوء؟
مجرد لمس الزوجة أو تقبيلها لا ينقض الوضوء على الراجح، ولو كان بشهوة، ما لم يخرج مذي أو غيره. وهذا غير مس القبل مباشرة، الذي سبق حكمه.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: 6] فسر ابن عباس رضي الله عنهما الملامسة بالجماع، كما بين الشيخ ابن باز رحمه الله. والمقصود هنا حكم الطهارة، وليس إباحة لمس من لا يحل لمسها.
8
هل خروج الدم أو القيء ينقض الوضوء؟
الراجح أن خروج الدم من جرح أو من الأنف، وسحب عينة دم، لا ينقض الوضوء ولو كثر الدم، وكذلك القيء. وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، مع وجود خلاف بين الفقهاء، ولا سيما في الكثير منهما.
أما الدم الخارج من مخرج البول أو الغائط فليس داخلا في هذا الحكم. وكذلك دم الحيض والنفاس له أحكامه الخاصة. وعدم انتقاض الوضوء بالدم لا يعني ترك أحكام تطهير النجاسة قبل الصلاة.
9
أمور لا تنقض الوضوء بمجردها
لمس النجاسة
إذا أصاب يدك بول طفل أو نجاسة أخرى، فطهر ما أصابته النجاسة، ولا يلزمك الوضوء لمجرد لمسها. إزالة النجاسة شيء، وتجديد الوضوء شيء آخر.
الأكل والشرب والضحك خارج الصلاة
والأكل والشرب لا ينقضان الوضوء، باستثناء لحم الإبل كما تقدم. والضحك خارج الصلاة لا ينقضه كذلك.
10
هل تغسيل الميت ينقض الوضوء؟
تغسيل الميت لا ينقض الوضوء بمجرده على الراجح، كما قرره الشيخ ابن باز رحمه الله. أما إذا مس الغاسل قبل الميت بيده مباشرة من غير حائل، فيتوضأ على القول المتقدم في مس القبل. وتغسل عورة الميت من وراء حائل مع سترها، ولا تباشر باليد العارية.
11
ما يوجب الغسل ليس مجرد ناقض للوضوء
خروج المني بشهوة في اليقظة، والجماع ولو لم يحصل إنزال، من موجبات الغسل. وكذلك يجب الغسل بعد انقطاع الحيض أو النفاس وتحقق الطهر. قال الله تعالى في آية الطهارة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6].
ومن احتلم ثم وجد المني وجب عليه الغسل، ولو لم يتذكر لذة أو تفاصيل الحلم. أما الحلم دون وجود مني فلا يوجب الغسل؛ فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المرأة إذا احتلمت، فقال: «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ». رواه مسلم (313).
ولمعرفة صفة الغسل وما يجزئ فيه، اقرأ كيف تغتسل من الجنابة.
12
ماذا يفعل صاحب سلس البول أو الريح؟
ليس كل خروج متكرر سلسا له حكم العذر الدائم. فإذا كان الخارج ينقطع في وقت معلوم يتسع للطهارة والصلاة داخل وقتها، وجب استعمال هذا الوقت: ينتظر انقطاع الخارج، ثم يتطهر ويصلي، ولا يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها.
أما من يستمر معه الحدث، ولا يجد فترة تكفي للطهارة والصلاة، فيعمل بأحكام صاحب العذر. وقد بين الشيخ ابن باز رحمه الله أنه بعد دخول وقت الصلاة يزيل النجاسة إن وجدت، ويتحفظ من انتشارها قدر استطاعته، ثم يتوضأ ويصلي الفريضة وما شاء من النوافل في ذلك الوقت.
ولا يضره خروج العذر المستمر نفسه بعد هذا الوضوء، أما ناقض آخر غير ذلك العذر، كالنوم المستغرق، فيبقى له حكمه. والإفرازات المستمرة لها تفصيل بحسب الحال، فلا يلزم تكرار الوضوء مع كل قطرة إذا تحقق حكم العذر.
إذا لم تكن حالتك واضحة، فصف لأهل العلم حقيقة الخارج، واستمراره، وأوقات انقطاعه؛ فالحكم لا يبنى على مجرد الشعور أو الخوف.
هل يجب تجديد الوضوء لكل صلاة؟
لا، إذا بقيت على طهارتك جاز أن تصلي أكثر من صلاة بالوضوء نفسه. أما صاحب الحدث الدائم فله التفصيل المذكور في القسم السابق.
إذا شككت هل خرج مني ريح، هل أعيد الوضوء؟
لا تعد الوضوء لمجرد الشك إذا كنت متيقنا من طهارتك. حركة البطن أو الإحساس المتردد لا يكفيان للحكم بخروج الريح. أما إذا تيقنت خروجها، فتوضأ ولو لم تسمع صوتا ولم تجد رائحة.
هل النوم الخفيف ينقض الوضوء؟
النعاس اليسير مع بقاء الشعور لا ينقض الوضوء على الراجح. أما النوم المستغرق الذي يزول معه الإدراك فينقضه، ولو كان الإنسان جالسا؛ فالعبرة بفقد الشعور، لا بوضعية النوم وحدها.
هل المذي ينقض الوضوء؟
نعم، خروج المذي ينقض الوضوء، لكنه لا يوجب غسل الجنابة. ويلزم تطهير المحل وما أصابه المذي وفق أحكامه، ثم الوضوء للصلاة. وصفة التطهر منه مبينة في مقال الفرق بين المني والمذي والودي المذكور أعلاه.
هل خروج المني ينقض الوضوء فقط؟
إذا خرج المني بشهوة في اليقظة، وجب الغسل، ولا يكفي الوضوء وحده. وكذلك من احتلم ووجد المني يلزمه الغسل ولو لم يتذكر الحلم. أما الحلم دون وجود مني فلا يوجب الغسل، والجماع يوجبه ولو لم يحصل إنزال.
هل الإفرازات تنقض الوضوء؟
الجمهور على أن خروج الإفرازات المعتادة من باطن الفرج ينقض الوضوء، مع وجود قول بعدم النقض. ولا يعني ذلك أنها نجسة كلها، ولا تدخل فيه رطوبة الجلد الخارجية أو مجرد الإحساس بالخروج. وإذا كانت مستمرة، فتراعى أحكام صاحب العذر المبينة أعلاه.
هل تقبيل الزوجة ينقض الوضوء؟
مجرد التقبيل لا ينقض الوضوء على الراجح، ولو كان بشهوة، ما لم يخرج مذي أو غيره. أما مس القبل باليد مباشرة من غير حائل فله الحكم المتقدم، ولا يخلط بين المسألتين.
هل تغيير حفاض الطفل ينقض الوضوء؟
لا ينقضه بمجرده. إن أصابتك نجاسة فطهر موضعها، وإن مسست قبل الطفل بيدك مباشرة من غير حائل فتوضأ على القول المتقدم في مس القبل. أما التنظيف مع وجود حائل فلا ينقض الوضوء بمجرده.
هل يجب الاستنجاء بعد الريح أو النوم أو أكل لحم الإبل؟
لا. إذا وجب الوضوء بسبب واحد من هذه الأمور، فتوضأ دون استنجاء، ما لم توجد نجاسة تستلزم تطهير المحل. فلا يجعل غسل الفرج خطوة لازمة قبل كل وضوء.
إذا تيقنت الحدث وشككت هل توضأت، فماذا أفعل؟
عليك الوضوء؛ لأن المتيقن هنا هو الحدث. وهذا عكس من تيقن الوضوء ثم شك في حصول ناقض، فذاك يبقى على طهارته.