هدي نبوي

سنن مهجورة في الطعام والشراب

قد تعتاد التسمية قبل الطعام والحمد بعده، ثم تغيب عنك آداب أخرى: أن تأكل مما يليك، وتجمع بقايا الطعام من طبقك، وتبعد الكوب عن فمك حين تتنفس. هذه أعمال يسيرة وردت بها السنة، وتتكرر فرص العمل بها كل يوم.

والمقصود بالسنن هنا هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فبعض هذه الآداب واجب وبعضها مستحب، كما يتضح من أحكامها الآتية.

1

قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة رضي الله عنه:

"يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ".

رواه البخاري، رقم 5376.

يقول المسلم "بسم الله" عند بدء الطعام والشراب. والتسمية عند الطعام واجبة على الراجح، وهو ما رجحه الشيخ ابن باز رحمه الله، فلا يتعمد تركها.

ومن نسيها ثم تذكر أثناء الأكل، يقول:

"بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ".

ورد هذا اللفظ في حديث عائشة رضي الله عنها، رواه أبو داود، رقم 3767، وصححه الألباني.

ويعلم الوالدان أبناءهما التسمية بتذكير قصير وقدوة يومية، لا بالتوبيخ والإحراج.

2

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ".

رواه مسلم، رقم 2020.

الأكل والشرب باليمين واجبان على الراجح لمن يستطيع. فلا يجعل الاعتياد على اليسرى عذرا للاستمرار، بل يتدرب على استعمال اليمنى. أما من عجز عنها لإصابة أو مرض أو إعاقة، فله استعمال اليسرى، ولا يلام على ما لا يستطيع.

وينطبق ذلك على الأكل باليد وبالملعقة، وعلى شرب الماء وغيره؛ فالمقصود اليد التي يأكل أو يشرب بها.

3

قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر بن أبي سلمة المتقدم: "وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ".

إذا كان الطعام المشترك من صنف واحد، أكل كل واحد من الجهة القريبة منه، ولم ينتق من أمام الآخرين ما يراه أفضل ويترك لهم ما لا يرغب فيه.

أما إذا كانت في الإناء أصناف مختلفة، جاز أن يأخذ من الصنف الذي يريده ولو لم يكن قريبا منه، مع مراعاة من يأكل معه ومن غير مزاحمة أو إيذاء. وقد روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تتبع الدباء، أي القرع، من حوالي القصعة؛ رواه البخاري، رقم 5379.

4

قال أبو هريرة رضي الله عنه:

"مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ".

رواه البخاري، رقم 5409.

ليس كل طعام موافقا لذوقك؛ فلك أن تتركه من غير ذم أو سخرية. ولا يدخل في عيب الطعام التنبيه بأدب إلى فساده أو إلى أمر قد يضر من يأكله، أو بيان ما لا يناسبك لحاجة صحية.

5

قال كعب بن مالك رضي الله عنه:

"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا".

رواه مسلم، رقم 2032.

يستحب الأكل بثلاث أصابع فيما يناسب ذلك، كاللقم التي يمكن تناولها بها. فإن احتاج الطعام إلى أكثر، استعمل ما يحتاج إليه، ولا يتكلف هيئة تعسر عليه الأكل.

ومن أكل بيده وبقي على أصابعه طعام، لعقها عند الفراغ قبل مسحها أو غسلها. ويراعي نظافة يديه وألا يلوث طعام الآخرين في الإناء المشترك. وهذه سنة ثابتة، لا تختص بالبيت ولا تترك لمجرد استغراب بعض الناس لها.

6

روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال:

"إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّهِ الْبَرَكَةُ".

رواه مسلم، رقم 2033.

يستحب أن يجمع ما بقي في طبقه من طعام صالح للأكل ويأكله، أو ما بقي في موضع أكله من الإناء المشترك. فلا يفهم لعق الصحفة على أنه وضع الفم على طبق التقديم المشترك أو تلويث طعام الآخرين.

والبركة من الله وحده، نتبع في طلبها ما شرعه، ولا ننسب للطعام أو للأذكار تأثيرا مستقلا عنه سبحانه.

7

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ".

رواه مسلم، رقم 2033.

إذا بقيت اللقمة صالحة للأكل وأمكن إزالة الأذى عنها، أخذها ونظفها وأكلها. أما الطعام الفاسد أو الملوث بما لا يمكن إزالته، فلا يؤكل؛ فالحديث يأمر بإزالة الأذى، لا بتناول ما يخشى ضرره.

8

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لَا آكُلُ مُتَّكِئًا".

رواه البخاري، رقم 5398.

الأفضل أن يأكل جالسا معتدلا، من غير ميل على أحد جانبيه. وترك الاتكاء هنا مستحب؛ وقد بين الشيخ ابن باز رحمه الله أن من أكل متكئا لا يأثم، لكن تركه أفضل اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وليس في ذلك اشتراط الأكل على الأرض أو منع استعمال الطاولة والكرسي، كما تراعى حاجة المريض ومن لا يستطيع الجلوس المعتاد.

9

ثبت النهي عن الشرب قائما في صحيح مسلم، رقم 2024. وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم، فشرب وهو قائم؛ رواه مسلم، رقم 2027.

جمع جماعة من أهل العلم بين هذه الأحاديث بأن الشرب جالسا أفضل، وأن النهي عن القيام للكراهة لا للتحريم، ومنهم الشيخ ابن باز رحمه الله. فعلى هذا القول، الأفضل أن يجلس إذا تيسر، ويجوز أن يشرب قائما، ولا سيما عند الحاجة.

10

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا، ويقول:

"إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ".

رواه مسلم، رقم 2028.

أي يشرب على ثلاث دفعات، ويبعد الإناء عن فمه ليتنفس بين الدفعات؛ لا أنه يتنفس داخل الماء أو الكوب. والشرب على هذه الهيئة مستحب، لا واجب.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التنفس في الإناء أو النفخ فيه؛ رواه أبو داود، رقم 3728، وصححه الألباني. فإذا كان الشراب ساخنا، انتظر حتى يبرد بدلا من النفخ فيه.

11

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا".

رواه مسلم، رقم 2734.

يقول عند الفراغ "الحمد لله"، ومن الألفاظ المأثورة بعد الطعام:

"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ".

رواه الترمذي، رقم 3458، وقال: حديث حسن غريب.

وله أن يعمل بصيغ الحمد الثابتة الأخرى، ولا يلزمه جمعها كلها بعد كل وجبة. وتجد مزيدا من الألفاظ ومراجعها في مقال أذكار الطعام والشراب في السنة.

12

من شكر من قدم لك الطعام أن تدعو له. ومن الدعاء الثابت:

"اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ".

رواه مسلم، رقم 2042.

وكذلك:

"اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِي".

رواه مسلم، رقم 2055.

13

قال الله تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

خذ من الطعام ما تحتاج إليه، واحفظ الباقي الصالح للأكل أو انتفع به على وجه مباح. ولا تجعل كثرة الطعام مظهرا للمباهاة، ثم ترمي ما لم يؤكل. وحفظ النعمة لا يعني الاحتفاظ بطعام فاسد أو تقديمه للناس.

لا حرج في استعمال أدوات الطعام، مع الأكل باليمين. والأكل بثلاث أصابع سنة فيما يناسبه؛ فلا يجعل ذلك سببا للتشديد على من يستعمل الملعقة. وقد أجاز الشيخ ابن باز رحمه الله استعمالها حتى من غير حاجة.

نعم، يجوز الاستعانة بها فيما يحتاج إلى اليدين، كتقطيع الطعام أو تثبيته، مع جعل الأكل والشرب باليمنى لمن يستطيع. وهذا غير اتخاذ اليسرى اليد التي تنقل الطعام أو الشراب إلى الفم.

التسمية المشروعة عند البدء، والحمد عند الفراغ؛ ولا يثبت جعل التسمية والحمد مع كل لقمة سنة راتبة. ومن نسي التسمية في البداية قال عند تذكره: "بسم الله أوله وآخره".

لا تحتاج هذه الآداب إلى مناسبة خاصة؛ فموضعها طعامك وشرابك كل يوم. حافظ عليها، وعلمها أهل بيتك بالقدوة والتذكير الرفيق، مع شكر الله على نعمته.