الأصل الذي يحسم هذا الباب
قال الله تعالى:
{وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تعلق في بعض البيوت والسيارات خرزة زرقاء أو كف أو حدوة، ويلبس بعض الناس خيطا أو سوارا يقال إنه يرد العين أو يحفظ من المرض. وقد يعطى المريض ورقة مطوية فيها حروف وأرقام، ويقال له: لا تفتحها، بل احملها معك. وتختلف الأسماء بين بلد وآخر: تميمة، حرز، حجاب، جامعة، تعويذة، أو خرزة للحماية، لكن الحكم يتعلق بحقيقة الشيء والغرض منه لا باسمه.
والأصل الذي يحسم الباب أن الله وحده هو النافع الضار والحافظ، وأن الأسباب لا تثبت بالأوهام أو العادات؛ بل لا بد أن تكون سببا شرعيا دل عليه الوحي، أو سببا حسيا ثبت نفعه بطريق معتبر. فما لم يجعله الله سببا لا يجوز للمسلم أن يتخذه للحماية من العين أو السحر أو المرض أو الحوادث.
قال الله تعالى:
{وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].
لا يجوز تعليق التمائم والحروز أو لبس العين الزرقاء والخيط والسوار بقصد دفع العين أو السحر أو المرض، أو جلب الحفظ والبركة والحظ. وقد سماها النبي صلى الله عليه وسلم شركا؛ لأنها تعلق القلب بما لم يجعله الله سببا.
فإن اعتقد الإنسان أن التميمة تنفع أو تضر بذاتها، أو تتصرف من دون الله، فهذا شرك أكبر يناقض أصل التوحيد. وإن اعتقد أن الله وحده هو النافع الضار، لكنه جعل التميمة سببا للحماية مع أن الله لم يجعلها سببا شرعيا ولا حسيا، فهذا من الشرك الأصغر.
أما القلادة أو السوار أو الخيط الذي يستعمل لغرض عادي مباح، لا للحماية ولا لجلب النفع الغيبي، وليس شعارا معروفا للتمائم، فلا يأخذ حكمها لمجرد شكله. فالعبرة بالغرض والاعتقاد والعرف المحيط بالشيء.
التميمة كل ما يعلق أو يحمل طلبا لدفع ضرر أو جلب نفع على وجه لم يثبت في الشرع ولا في الواقع ثبوتا معتبرا. وكانت العرب تعلق الخرز على الأطفال اتقاء العين، فأبطل الإسلام ذلك.
فيدخل فيها الخرز والعين الزرقاء والكف وحدوة الفرس، والخيوط والأساور، والأوراق المطوية التي فيها حروف أو أرقام أو طلاسم، وما يوضع في كيس من أعشاب أو عظام أو شعر أو تراب مجهول. ولا فرق بين ما يعلق على إنسان أو حيوان، وما يوضع في البيت أو المتجر أو السيارة، وما يحفظ في المحفظة أو تحت الوسادة؛ متى كان المقصود به الحماية الغيبية أو جلب الرزق والبركة.
ولا يغير الحكم أن تكون التميمة صغيرة، أو غالية الثمن، أو موروثة، أو مأخوذة من شخص يسمى شيخا أو راقيا. السؤال هو: هل علقت أو حملت لتكون سببا في حفظ غيبي لم يثبت؟ فإن كان الجواب نعم، فهي من التمائم المنهي عنها.
والسبب المشروع نوعان: سبب دل عليه الوحي، كالرقية والدعاء، وسبب حسي عرف نفعه، كالدواء النافع وحزام الأمان وإغلاق الباب. أما خرزة أو خيط أو ورقة مجهولة يقال إنها تمنع العين، فليست من هذا ولا ذاك. ولا تصبح سببا مشروعا لأن لابسها حسن النية أو يقول إن الله هو الحافظ؛ فالله هو الحافظ حقا، ولهذا لا يطلب الحفظ إلا بما أذن به.
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط، فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله، بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال:
"إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً".
فأدخل الرجل يده فقطعها، فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال:
"مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ".
رواه أحمد (17422)، وإسناده صحيح.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ".
رواه أبو داود (3883)، وابن ماجه (3530)، وأحمد (3615)، وإسناده صحيح.
والرقى المقصودة في هذا الحديث هي الرقى الشركية أو المجهولة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الرقية الخالية من الشرك، فقال:
"اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ".
رواه مسلم (2200).
فالرقية الشرعية قراءة ودعاء وتضرع إلى الله، أما التميمة فشيء يعلق أو يحمل ويتعلق به القلب. ولم يأت في السنة استثناء تميمة مشروعة كما جاء استثناء الرقية الجائزة.
ليست كل صور التعليق في درجة واحدة. فمن اعتقد أن التميمة تحفظ أو تشفي أو تدفع البلاء بذاتها، أو تتصرف من دون الله، فقد جعل لغير الله شيئا من خصائصه، وهذا شرك أكبر.
أما من اعتقد أن الله وحده هو المؤثر، لكنه اتخذ التميمة سببا للحفظ، فقد أثبت سببا لم يجعله الله سببا، وهذا من الشرك الأصغر. وقد تكون الورقة أو القلادة مشتملة على استغاثة بغير الله أو دعاء للجن أو ألفاظ شركية، فيجتمع فيها شرك التعليق وشرك ما كتب فيها، ويختلف حكم ذلك بحسب معناها واعتقاد حاملها.
وهذا بيان لحكم الاعتقاد والعمل في نفسه، أما الحكم على شخص معين بأنه خرج من الإسلام فله شروط وموانع، ولا يتولاه عامة الناس اعتمادا على صورة أو ظن. الواجب بيان الخطأ، وإزالة التميمة، ودعوة صاحبها إلى التوبة والتوحيد بعلم وحكمة.
العين حق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "العَيْنُ حَقٌّ". متفق عليه. لكن العين الزرقاء لا تدفعها. فإذا علقت الخرزة الزرقاء أو صورة العين أو الكف أو حدوة الفرس للحماية من الحسد والعين، فهي تميمة محرمة، ويجري عليها التفصيل السابق في الشرك الأكبر والأصغر بحسب الاعتقاد.
ولا توضع هذه الرموز على الطفل أو في السيارة أو عند مدخل البيت أو المتجر، ولا تهدى للناس على أنها تحفظهم. كما لا يجوز بيعها لمن يستعملها تمائم؛ لأن في ذلك إعانة على محرم يتعلق بالعقيدة.
أما قول بعض الناس: أضعها للزينة فقط، فلا يجعل استعمالها مناسبا إذا كانت في عرف الناس شعارا مشهورا للحماية من العين. تعليقها ينشر الرمز، ويوهم إقرار معناه، وقد يفتح باب التعلق به، فتركها هو الواجب صيانة للتوحيد وسدا لذريعة الشرك. والزينة المباحة كثيرة لا شبهة فيها.
وكذلك من ربط خيطا في يده أو يد طفله، أو لبس سوارا أو حلقة يظن أنها تمنع المرض أو العين أو تجلب القوة والحظ؛ فقد اتخذ تميمة، ولو لم يكتب عليها شيء. فالحكم لا يتوقف على وجود طلاسم، وإنما على الغرض الذي لبس الشيء من أجله.
أما سوار التعريف الطبي، أو رباط تثبيت المفصل، أو شيء يستعمل لغرض علاجي أو عملي ثابت، فليس تميمة؛ لأنه لم يلبس لدفع ضرر غيبي، بل لغرض معلوم. والمنتجات التي تسوق بادعاءات علاجية مبهمة لا تعد أسبابا حسية لمجرد الإعلان عنها؛ بل يرجع في نفعها إلى الطب والبحث المعتبر.
قد يكتب بعض المشعوذين آيات متفرقة ثم يخلطونها بأسماء مجهولة وأرقام ومربعات ورموز، ويطلبون حمل الورقة أو دفنها أو وضعها تحت الوسادة. هذا ليس رقية شرعية، ولا يجوز استعماله أو الذهاب إلى من يصنعه.
ويشتد الاشتباه إذا وجد فيها حروف مقطعة لا يعرف معناها، أو جداول وأرقام غريبة، أو أسماء مجهولة واستغاثة بالجن، أو آيات كتبت مقلوبة. ومن طرائق المشعوذين أيضا طلب اسم الأم أو شيء من الشعر والملابس، وعقد الخيوط والنفث فيها، والأمر بدفن الورقة أو إخفائها في موضع معين.
ولا يجوز إبقاء الحرز بحجة أن صاحبه لا يعرف ما فيه. الجهل بمحتواه سبب لتركه لا سبب لحمله؛ فقد يتضمن كفرا أو سحرا أو امتهانا لكلام الله.
اختلف بعض أهل العلم المتقدمين في التميمة إذا كانت من القرآن وحده، لكن الراجح منعها أيضا. فالأحاديث الناهية عن التمائم عامة، ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم منها ما كتب من القرآن، مع أنه استثنى الرقية الخالية من الشرك.
كما أن منعها يحفظ باب التوحيد، ويمنع اختلاط القرآن بالطلاسم، ويصون الآيات من دخول مواضع الامتهان. والقرآن أنزل ليتلى ويتدبر ويعمل به ويستشفى بقراءته، لا ليطوى ويعلق على الأعناق أو يوضع تحت الوسائد والسيارات.
فمن أراد التحصين بالقرآن قرأه ونفث على نفسه ودعا الله، ولم يحوله إلى قلادة أو حرز.
يبادر إلى نزعها، ولا ينتظر وقتا معينا ولا يخشى أن يصيبه ضرر بسبب تركها؛ فالتميمة لا تملك نفعا ولا ضرا. ثم يتوب إلى الله من تعليقها، فيندم على ما فعل، ويعزم ألا يعود إليه، ويصحح اعتقاده وتوكله، ويحافظ على الأذكار والرقية المشروعة.
ويتخلص منها بطريقة تمنع استعمالها مرة أخرى. فإن كانت خرزة أو خيطا أو رمزا عاديا أتلفه. وإن كانت ورقة فيها قرآن أو اشتبه عليه محتواها، فلا يمتهن الآيات ولا يعيد تعليقها، بل يسأل عالما موثوقا عن الطريقة المناسبة لإتلافها. وإذا احتوت على عقد أو طلاسم مجهولة، فلا يذهب إلى ساحر أو مشعوذ لفكها؛ فإن أمكن إتلافها بأمان فعل، وإلا سأل عالما موثوقا يعرف هذا الباب.
ولا يلزم من العثور على خيط أو ورقة غريبة الجزم بوجود سحر، ولا اتهام شخص بعينه؛ فقد تكون شيئا عاديا. يعالج الأمر من غير فزع أو وسوسة أو ظلم للناس.
يبدأ التحصين بالمحافظة على الصلاة والواجبات وترك المعاصي، ثم بلزوم أذكار الصباح والمساء والنوم بألفاظها الثابتة. ومن ذلك قراءة آية الكرسي عند النوم؛ فقد ثبت أن قارئها لا يزال عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح. رواه البخاري (2311). ويقرأ سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات صباحا ومساء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ". رواه أبو داود (5082)، والترمذي (3575)، وصححه أهل العلم.
ويرقي المسلم نفسه بالفاتحة والمعوذات والأدعية الصحيحة. وإذا نزل منزلا قال: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ". رواه مسلم (2708). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما بقوله: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ". رواه البخاري (3371).
ولا تعارض بين هذه الأذكار وبين العلاج الطبي أو اتخاذ أسباب السلامة عند المرض والخطر. كلها أسباب مأذون بها، لكن القلب يعتمد على الله وحده، ويعلم أن السبب لا ينفع إلا بإذنه.
لا يجوز. والولي مسؤول عن حفظ عقيدة الطفل، فلا يعلق عليه خرزة أو خيطا أو ورقة للحماية. ويشرع أن يعوذه بالأدعية الثابتة ويرقيه بالقرآن والسنة.
لا يجوز وضعها للحفظ من العين أو الحوادث؛ فهي لا تحفظ بيتا ولا مركبة. المشروع ذكر الله ودعاؤه، ومعهما الأسباب الواقعية كإغلاق البيت والقيادة الآمنة وصيانة السيارة.
لا. الرجال يعرفون بالحق، وليس الحق يعرف بأسمائهم. فمن أعطى الناس تمائم أو أوراقا مجهولة يعلقونها فعمله منكر، ولو اشتهر بين الناس بالرقية.
إن لبست للحفظ ودفع الضرر فهي تميمة محرمة. وإن لم يقصد بها ذلك، فلا تلبس أيضا؛ لأن تعليق الآيات على البدن يعرضها للامتهان ودخول مواضع لا تليق بها، وقد يلتبس بالتمائم. وتعظيم القرآن يكون بتلاوته وتدبره والعمل به، لا بجعله حليا تعلق على البدن.
ليست المشكلة في مادة الخرزة أو لون الخيط، وإنما في جعل شيء لم يأذن به الله بابا للحفظ أو دفع البلاء. والعين والسحر حق، لكن ثبوتهما لا يبيح للمسلم أن يعالجهما بوهم أو طلاسم أو شعار موروث.