السحور والإفطار: السنن والأدعية الصحيحة والأخطاء الشائعة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قد يستيقظ الصائم قبل الفجر بدقائق، فيتساءل هل يأكل أم يمسك احتياطا؟ وعند المغرب قد ينشغل بالدعاء، أو ينتظر انتهاء الأذان، أو يبحث عن التمر قبل أن يفطر. هذه مواقف تتكرر، ومعرفة السنة فيها تجعل الصيام أيسر وأبعد عن التكلف.

السحور سنة مباركة، وتعجيل الإفطار سنة بعد تحقق غروب الشمس. وبينهما وقت للصيام حدده الله، فلا يقدم المسلم بدايته ولا يؤخر نهايته على أنه تشريع. وما يقال عند الطعام والإفطار منه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه ألفاظ مشهورة لا تصح نسبتها إليه. وهذه السنن مشروعة في صيام رمضان وغيره.

متى يبدأ الإمساك ومتى يحل الإفطار؟

قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187، من الآية].

يبدأ وقت الإمساك بطلوع الفجر الصادق، لا بطلوع الشمس. والفجر الصادق هو الضوء الذي ينتشر في الأفق، وبه يدخل وقت صلاة الفجر. ويحل الإفطار بغروب قرص الشمس كاملا، لا بانتظار ذهاب الشفق أو حلول الظلام الكامل.

اعتمد توقيتا موثوقا لمكانك، أو أذان مؤذن أمين يعرف الوقت. وراجع إعدادات المدينة والمنطقة الزمنية في تطبيق الصلاة؛ فالاعتماد على موعد مدينة أخرى قد يوقعك في الخطأ. وإذا وجدت اختلافا مؤثرا في التوقيت، فاسأل أهل العلم والجهة الموثوقة في منطقتك عن الوقت الصحيح.

ولشرح النية وشروط الصيام والأعذار اقرأ أحكام الصيام للمبتدئين.

سنن السحور

السحور بركة وليس شرطا لصحة الصوم

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً».

رواه البخاري (1923).

والسحور ما يتناوله الصائم في آخر الليل قبل الفجر. وفيه اتباع للسنة واستعانة على الصيام، ولا يحتاج إلى مائدة كبيرة. وقال صلى الله عليه وسلم:

«فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ».

رواه مسلم (1096).

فاحرص عليه بحسب استطاعتك، لكن إن غلبك النوم وفاتك السحور، فلا تظن أن الصيام لا يصح بدونه؛ فالأكل ليس شرطا لصحته، والنية مسألة أخرى.

تأخيره إلى آخر الليل

قال زيد بن ثابت رضي الله عنه:

«تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ».

وسأله أنس رضي الله عنه عن المدة، فقال إنها قدر خمسين آية. رواه البخاري (1921).

يدل ذلك على قرب السحور من صلاة الفجر. والمدة المذكورة تقريب، لا وقت ثابت بالدقائق؛ فالآيات تختلف في طولها والناس في قراءتهم. فاجعل سحورك في آخر الليل، مع الفراغ منه قبل دخول وقت الإمساك.

لا تجعل وقتا قبل الفجر بداية واجبة للصيام

كان بلال رضي الله عنه يؤذن في الليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

«كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ».

رواه البخاري (1918، 1919).

فليس هناك إمساك واجب قبل الفجر بعشر دقائق أو ربع ساعة. ومن انتهى من طعامه قبل الفجر استعدادا للصلاة، أو ليبتعد عن الالتباس في آخر الوقت، فلا حرج عليه. الخطأ أن يعتقد أن الطعام صار محرما قبل الفجر، أو يجعل ذلك وقتا شرعيا يلزم الناس اتباعه.

سنن الإفطار

تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ».

رواه البخاري (1957).

وقال صلى الله عليه وسلم:

«إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».

رواه البخاري (1954).

تعجيل الفطر لا يعني الإفطار قبل الغروب، بل المبادرة إليه عند دخول وقته. ولا يحتاج الصائم إلى انتظار اكتمال أذان المغرب أو تأخير الفطر دقائق احتياطا بعد ثبوت الغروب. وإن لم يجد طعاما أو ماء، فله أن يأكل ويشرب حين يتيسر له ذلك؛ تعجيل تناول المفطر مستحب، وليس شرطا لصحة صيامه.

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال، كما في البخاري (1961). ومن صوره أن يصل الإنسان صيام يوم بصيام اليوم التالي، فلا يأكل ولا يشرب في الليل بينهما. فلا يجعل مواصلة الجوع والعطش يوما بعد يوم طريقا لزيادة العبادة؛ بل يتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الفطر والسحور.

البدء بالرطب، ثم التمر، ثم الماء

قال أنس رضي الله عنه:

«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ».

رواه أبو داود (2356)، وقال الألباني: حسن صحيح.

هذا هو الأفضل إذا تيسر. فإن أفطر على طعام أو شراب مباح آخر، فلا حرج، كما بين الشيخ ابن باز رحمه الله. وليس التمر شرطا، ولا ينبغي أن يؤخر الفطر بحثا عنه مع وجود ما يفطر عليه.

وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل صلاة المغرب. فيمكنك أن تبدأ بالتمر أو الماء، ثم تصلي المغرب وتعود إلى وجبتك. ولا يشترط أن تنتهي من الوجبة كلها قبل الصلاة.

ماذا يقال عند السحور والإفطار؟

التسمية قبل الطعام والحمد بعده

السحور والإفطار يدخلان في أحكام الطعام وآدابه. قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة رضي الله عنه:

«يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».

رواه البخاري (5376).

قل «بسم الله» عند البدء، واحمد الله بعد الطعام والشراب؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها. رواه مسلم (2734). وتجد صيغ الحمد وما يقال عند نسيان التسمية في أذكار الطعام والشراب.

ولا نعلم دعاء صحيحا مخصوصا يقال عند السحور. أما نية الصيام فمحلها القلب، ولا يشرع أن يجعل لها صيغة يتلفظ بها كل ليلة، كقول «نويت صوم غد» على أنه ذكر مأثور. وقد بين الشيخ ابن باز رحمه الله أن النية في العبادات محلها القلب، وأن التلفظ بها غير مشروع.

الذكر الوارد بعد الإفطار

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال:

«ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ».

رواه أبو داود (2357)، وحسنه الألباني.

ومعناه أن العطش قد زال، وحصل الارتواء، وبقي أجر الصيام بمشيئة الله. ويقال عند الإفطار بعد تناول ما يفطر عليه؛ وقد بين الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن هذا الذكر يكون بعد الفطر. وليس شرطا لصحة الصوم، ولا يلزم تكراره ثلاث مرات أو بعد كل لقمة.

ماذا عن «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت»؟

رواها أبو داود (2358) بإسناد مرسل، وضعف الألباني حديثها. لذلك لا تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أنها سنة ثابتة، ولا تجعل ذكرا لازما للإفطار، وإن اشتهرت في الصور والتطبيقات.

وللمسلم أن يدعو الله بما شاء من الدعاء المشروع قبل الإفطار وعنده وبعده، فيسأل المغفرة والقبول وصلاح الأهل وما يحتاج إليه من الخير. وهذا الدعاء العام يختلف عن نسبة صيغة محددة إلى السنة. فلا يؤخر الفطر بعد الغروب ليكمل دعاء طويلا، ولا يحصر الدعاء في كلمات لم يثبت تخصيصها.

تفطير الصائم والدعاء لمن أطعمك

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا».

رواه الترمذي (807)، وقال: حديث حسن صحيح.

قدم ما تستطيع من الطعام، مع مراعاة حاجة ضيفك والمحافظة على النفقات الواجبة؛ فلا يتطلب تفطير الصائم مائدة مكلفة. وفي البيت، تقاسموا إعداد الوجبة وخدمتها ليجد الجميع وقتا للصلاة والراحة.

ومن الدعاء الثابت لأهل الطعام:

«اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مَا رَزَقْتَهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ».

رواه مسلم (2042). وهو دعاء للمضيف عموما، وليس خاصا بولائم الإفطار.

أخطاء شائعة حول السحور والإفطار

  • ترك السحور لأن وجبة الليل كانت كبيرة: تناول العشاء مبكرا لا يغني عن الحرص على سنة السحور في وقتها، ويمكن أن يكون ما تتناوله آخر الليل يسيرا.
  • السهر حتى تضيع صلاة الفجر: تجهيز الطعام أو متابعة البرامج ليس عذرا لإخراج الصلاة عن وقتها. رتّب نومك وسحورك بما يعينك على أداء الفريضة.
  • الاستمرار في الطعام بعد الفجر بحجة تأخير السحور: السنة التأخير قبل الفجر، لا الأكل بعد دخوله.
  • تأخير الفطر اعتقادا أن زيادة الجوع أزيد أجرا: السنة تعجيله بعد الغروب، لا تمديد الامتناع عن الطعام على أنه عبادة أفضل.
  • الإسراف في الطعام وإهدار الباقي: قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31، من الآية]. قدر ما تحتاج إليه، واحفظ ما يصلح للاستفادة منه.
  • الانشغال بالمائدة عن الصلاة، أو الغضب على من أعد الطعام: حسن المعاملة وحفظ اللسان مطلوبان أثناء الصوم وبعده؛ فليس الجوع عذرا للإساءة إلى أهل البيت.

أما ما يبطل الصوم وما لا يبطله، فله تفصيل في ما الذي يفطر الصائم وما الذي لا يفطره؟.

أسئلة شائعة عن السحور والإفطار

هل يصح صيام رمضان إذا فاتني السحور؟

نعم، إذا كنت قد نويت الصيام من الليل واستوفيت شروطه؛ فالسحور مستحب وليس شرطا. واشتراط النية قبل الفجر للصيام الواجب جاء في حديث حفصة رضي الله عنها، رواه أبو داود (2454)، وصححه الألباني. فلا تخلط بين فوات الطعام وفوات النية، ولا تحتاج إلى التلفظ بالنية.

هل لا بد من وجبة كاملة في السحور؟

لا يلزم مقدار محدد أو وجبة كبيرة. تناول ما يتيسر لك في وقت السحور، ولو كان قليلا. وقد سئل الشيخ ابن باز رحمه الله عمن أكل أول الليل، ثم شرب ماء وأكل تمرة قبيل الفجر، فأجاب بأن المقصود يحصل.

هل يجب الإمساك قبل الفجر بعشر دقائق؟

لا؛ الوجوب يبدأ بالفجر الصادق. أما أن تنتهي قبل ذلك استعدادا للصلاة أو لتتجنب الالتباس، فلا حرج. الفرق بين ترتيب وقتك وبين الاعتقاد بأن الطعام صار محرما قبل الفجر.

هل يجوز إكمال الشرب أثناء أذان الفجر؟

إذا كان الأذان موثوقا ويعلن دخول الفجر الصادق، فأمسك من بدايته، ولا تنتظر انتهاءه. أما الأذان الذي يرفع في الليل قبل الفجر، فليس هو بداية الإمساك. واحرص على إنهاء السحور قبل وقت الالتباس، ولا تعتمد الشائعات التي تزعم أن كل أذان مبكر.

هل أنتظر انتهاء أذان المغرب قبل الإفطار؟

لا يلزم ذلك. إذا كان الأذان في وقت الغروب الصحيح، فبادر إلى الإفطار. أما إذا علمت أنه سبق الغروب، فالعبرة بغروب الشمس، لا بصوت الأذان وحده.

هل يجب أن أفطر على ثلاث تمرات؟

لا يجب عدد معين، ولا يثبت في الحديث المذكور تخصيص الإفطار بثلاث تمرات. ثبت البدء بالرطب، ثم التمر عند عدمه، ثم الماء عند عدمهما، دون تحديد عدد في هذه الرواية. فإن تيسر غيرها من المباحات جاز الإفطار عليه.

هل أقول «ذهب الظمأ» قبل الطعام أم بعده؟

تقال بعد أن تبدأ الإفطار بتناول الطعام أو الشراب. أما الدعاء العام، فيجوز قبل الإفطار وبعده، ولا يلزم الانتظار حتى تنتهي الوجبة كلها.

هل نسيان دعاء الإفطار يؤثر في صحة الصوم؟

لا يبطل الصيام ولا يوجب القضاء. الذكر مستحب، وليس شرطا لصحة الصوم. احرص عليه في المرات القادمة دون وسوسة أو إلزام نفسك بإعادة شيء.

متى أفطر إذا كنت صائما في الطائرة؟

للمسافر رخصة الفطر إذا تحققت شروطها. فإن اخترت الصيام، فالعبرة بغروب الشمس حيث أنت: إذا أقلعت قبل الغروب، فلا تفطر لمجرد حلول موعد المغرب في بلد الإقلاع وأنت لا تزال ترى الشمس في الجو. انتظر الغروب في موضعك، أو نزولك في بلد قد غربت فيه الشمس، كما بين الشيخ ابن باز رحمه الله.

أما إذا أفطرت بعد غروب صحيح وأنت على الأرض، ثم رأيت الشمس بعد ارتفاع الطائرة، فقد تم صوم يومك، ولا يلزمك الرجوع إلى الإمساك، كما بين الشيخ ابن باز رحمه الله أيضا.

ماذا أفعل إذا تبين أنني أكلت بعد الفجر أو أفطرت قبل الغروب خطأ؟

اسأل عالما موثوقا، واذكر الوقت وما اعتمدت عليه، وهل كان خطأ أو شكا أو تعمدا؛ فالتفاصيل تؤثر في الحكم، ولا يصح تعميم جواب واحد على جميع الحالات. ومن الخطأ افتراض أن كل ذلك يعالج بدفع مال. ولبيان الفرق بين القضاء والفدية والكفارة اقرأ قضاء صيام رمضان والفدية والكفارة.