تصفح الدليل

المعرفة الإسلامية

دليل المسلم في رمضان

جميع مقالات المعرفة الإسلامية
في هذا المقال

صيام الست من شوال: فضله وأحكامه وعلاقته بقضاء رمضان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

بعد فرحة العيد يعود السؤال عن صيام الست من شوال: هل أبدأ بها مباشرة؟ وهل يلزمني أن أصومها متتابعة؟ وماذا أفعل إذا بقيت علي أيام من رمضان؟ وقد يكون ترتيب القضاء والنافلة هو أكثر ما يشغل من أفطر لمرض أو سفر، والمرأة التي بقي عليها صيام أيام الحيض أو النفاس.

الست سنة ثابتة، وفيها فضل عظيم، لكنها لا تصير فريضة لمجرد الحرص عليها أو اعتيادها. ويبدأ المسلم بما عليه من الواجب، ثم يتقرب إلى الله بما تيسر من النوافل، من غير أن يخلط بين قضاء رمضان وصيام مستقل من شوال.

فضل صيام الست من شوال ودليله

عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ».

رواه مسلم (1164). فصيامها مستحب للرجال والنساء، والفضل المذكور مرتبط بصيام رمضان ثم إتباعه بست من شوال.

وجاء عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ».

رواه ابن ماجه (1715، من الحديث)، وصححه الألباني. وقد بين أهل العلم أن الحسنة بعشر أمثالها؛ فصيام رمضان بعشرة أشهر، والست بشهرين، فيكون المجموع كصيام السنة في الثواب. ولا يعني ذلك أن الست تغني عن صيام واجب، أو أن تشبيه الأجر يشرع صيام كل أيام السنة بما فيها الأيام المنهي عنها.

متى يبدأ وقتها؟ وهل يلزم التتابع؟

يبدأ صيامها من ثاني أيام شوال، بعد يوم عيد الفطر، ويمتد وقتها إلى نهاية الشهر. أما يوم العيد نفسه فيحرم صومه، ولا يحسب من الست؛ فقد ثبت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الفطر. رواه البخاري (1990).

ويجوز صيامها متتابعة أو متفرقة، في أول الشهر أو وسطه أو آخره. وقد أفتى ابن باز رحمه الله بذلك، وذكر أن المبادرة بها أفضل خشية العوائق، لكنها ليست محصورة في الأيام من الثاني إلى السابع. فمن احتاج إلى أيام يفطر فيها بين الصيام، أو اختار أياما أنسب لعمله وأهله، لم يفته أصل السنة ما دام يكمل الست في شوال بعد أداء ما عليه من القضاء، على القول الآتي.

أبدأ بقضاء رمضان أم بالست؟

من بقيت عليه أيام من رمضان يبدأ بقضائها، ثم يصوم الست إن تيسر؛ وهذا الذي أفتى به ابن باز رحمه الله، وعلله بأن الفرض مقدم، وأن الحديث قال: «من صام رمضان ثم أتبعه»، ومن بقي عليه قضاء لم يكمل صيام رمضان بعد.

وقد أجاز بعض الفقهاء تقديم صيام التطوع مع بقاء القضاء ما دام وقته متسعا. أما تقديم القضاء ثم إفراد الست فيحفظ الترتيب الوارد في الحديث، ويقدم ما وجب عليك على النافلة: تكمل ما عليك من رمضان أولا، ثم تصوم ستة أيام مستقلة.

فإذا بقيت عليك ثلاثة أيام، صمتها بنية القضاء، ثم صمت ستة أيام أخرى بنية الست، فيكون مجموع ما تصومه تسعة أيام. ولا تحتاج إلى فصلها بأيام فطر، لكن لك أن تفعل ذلك بحسب قدرتك. وتفصيل الواجب بسبب الإفطار في قضاء صيام رمضان والفدية والكفارة.

هل يجمع القضاء والست في يوم واحد؟

لا تعتمد يوما واحدا على أنه يوم قضاء ويوم كامل مستقل من الست معا. فقد أفتى ابن باز بأن الست تحتاج إلى نية خاصة وأيام مخصوصة، وأنه لا يظهر حصول أجرها بمجرد جمع نيتها مع القضاء. فانو القضاء لأيامه، ثم أفرد الست بأيامها.

وذكر بعض فقهاء الشافعية، كالرملي، حصول أصل ثواب التطوع لمن صام القضاء في شوال، مع تفريقه بين ذلك وبين الثواب الكامل المرتب على إتباع رمضان بالست. فالمسألة خلافية، وإفراد الست بأيام بعد القضاء أبعد عن هذا الخلاف.

إذا ضاق شوال عن القضاء والست

على القول السابق يقدم القضاء، ولو لم يبق في الشهر ما يكفي للست. ومن استغرق مرضه أو نفاسه وما بعده من القضاء الشهر، فلا يحمل نفسه على ما لا يستطيع، ولا يظن أنه آثم لأنه لم يكمل الست.

أما صيامها بعد خروج شوال لمن منعه عذر معتبر، ففيه خلاف: أفتى ابن باز بأنها سنة فات وقتها فلا يشرع قضاؤها بعده، ولو لعذر. وأجاز ابن عثيمين رحمه الله لمن منعه العذر، كاستغراق القضاء للشهر، أن يصومها بعده، بخلاف من أخرها بلا عذر. فلا تجعل صيام ستة أيام في ذي القعدة بديلا عاما عن شوال؛ وحالة من استمر عذره تعرض بتفاصيلها على عالم موثوق.

وفي الحالين لا يجب قضاء الست لمجرد فواتها؛ فهي نافلة. ولا يحكم على صيام تطوع مباح بعد شوال بأنه بلا أجر، وإنما البحث في إلحاقه بالفضل الخاص للست من شوال.

النية وصفة الصوم

الأحوط لتحصيل أجر اليوم كاملا أن تنوي كل يوم من الليل قبل الفجر. والنية عزم القلب على الصيام؛ فلا تحتاج إلى تلفظ أو صيغة خاصة للست. وأيام قضاء رمضان تحتاج إلى نية القضاء من الليل.

وتصوم كما تصوم سائر الصيام: تمسك عن المفطرات من الفجر الصادق إلى غروب الشمس، مع المحافظة على الصلاة وترك الكذب والغيبة. ولأصل أحكام الصوم انظر أحكام الصيام للمبتدئين.

رتب الأيام بما يعينك على إتمامها، ولا تؤخرها كلها إلى آخر الشهر وأنت تعلم كثرة الشواغل. وإذا طرأ حيض أو مرض، تعامل معه بحكمه، ثم أكمل ما تيسر عند زوال المانع وبقاء الوقت؛ فالست لا يشترط فيها اتصال الأيام.

أسئلة شائعة عن صيام الست من شوال

هل يجب أن أصومها ستة أيام متتابعة؟

لا. يجوز تفريقها في الشهر، ولا تبطل الأيام السابقة لمجرد أنك أفطرت بينها. والمبادرة والتتابع قد يكونان أيسر لبعض الناس، وليس ذلك شرطا لحصول السنة.

هل يجوز أن أجعل الجمعة أحد أيام الست؟

لا تخص يوم الجمعة وحده بصوم التطوع لمجرد أنه يوم إجازتك؛ فقد ورد النهي عن إفراده، ويزول ذلك بصيام الخميس معه أو السبت. رواه البخاري (1985). ويستثنى ما وافق عادة صوم؛ وقد أجاز ابن باز وقوع الجمعة في ترتيب من يصوم يوما ويفطر يوما خلال الست، وذكر أن ضم الخميس أحوط عند الاشتباه.

هل الست من شوال هي الأيام البيض؟

لا. الست ستة أيام من شوال، أما الأيام البيض فهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر هجري. ويمكن اختيار أيام البيض أو الاثنين والخميس ضمن الست، لكن لا يقتصر على ثلاثة أيام ويعدها ستة، ولا يشترط للست هذا الاختيار.

إذا كان رمضان تسعة وعشرين يوما، هل أصوم سبعة أيام من شوال؟

لا؛ العدد الوارد ستة أيام. ومن صام رمضان بحسب ثبوت الشهر شرعا فقد صام الشهر، ولو كان تسعة وعشرين يوما، ولا يضيف يوما إلى الست بحجة إكمال حساب السنة.

صمت ثلاثة أو أربعة أيام ولم أستطع إكمالها، فهل ضاع صيامي؟

لك أجر ما صمت بإذن الله، ولا تجعل عدم إتمام الست سببا لترك ما تيسر. وقد أفتى ابن باز بأن من منعه عذر شرعي من إكمالها يرجى له أجرها كاملة، واستدل بحديث المريض والمسافر في البخاري (2996). أما الفضل الخاص فلا يوعد به لمجرد صيام بعض الست من غير هذا العذر.

لم أنو إلا في أثناء النهار، فهل يحتسب اليوم من الست؟

إذا لم تفعل مفطرا، فقد أجاز ابن باز نية التطوع من النهار، لكنه وصف الصيام بأنه ناقص بالنسبة إلى من بدأه بنية من الفجر. أما ابن عثيمين فاشترط النية قبل الفجر لتحصيل أجر الصوم المعين كاملا. فالأحوط أن تنوي أيام الست من الليل، ولا تجعل الخلاف في الثواب حكما ببطلان كل صيام تطوع بدأ بنية نهارية.

هل يجوز قطع اليوم بعد أن بدأت صيامه؟

أفتى ابن باز بجواز قطع صوم التطوع، وأن الأفضل إتمامه إلا لحاجة. فإن أفطرت، فلا تعد اليوم الناقص واحدا من الست، ويمكنك صيام يوم آخر في شوال لإكمال العدد. أما ما أتممته من أيام فلا تحتاج إلى إعادته. وصوم القضاء لا يجوز قطعه بلا عذر معتبر.

هل تحتاج الزوجة إلى إذن زوجها لصيام الست؟

نعم، إذا كان حاضرا، لأن الست من صوم التطوع، وقد ثبت النهي عن صيام المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه. رواه البخاري (5195). وتتفق معه على الأيام المناسبة. وهذا حكم التطوع، فلا يحمل على أن أداء كل صوم واجب متوقف على إذن الزوج؛ وللقضاء وضيق وقته تفصيله.

إذا صمتها سنة، هل تلزمني في كل سنة بعدها؟

لا. مجرد صيامها أو اعتيادها لا يجعلها واجبة، وإن كانت المداومة على الخير حسنة. فمن تركها في سنة لم يأثم لمجرد ترك هذه النافلة.

هل أطعم عن أيام الست التي لم أصمها؟

لا يجب إطعام أو كفارة لمجرد ترك الست أو عدم إكمالها؛ فليست كأيام رمضان الواجبة. وإن تصدقت فهذه صدقة مستقلة، وليست بدلا شرعيا يحقق بنفسه فضل صيام الست.

هل صيام الست دليل قطعي على قبول رمضان؟

الاستمرار على الطاعة خير يرجى معه القبول، لكنه لا يجيز الجزم بأن صيام شخص معين قد قبل، ولا أن من لم يصم الست لم يقبل رمضان منه. يجمع المسلم بين رجاء رحمة الله والإخلاص له، ويجتهد في الطاعة من غير تزكية لنفسه.

اجعل ترتيبك واضحا: أد ما بقي عليك من رمضان، ثم اغتنم ما تيسر من شوال بصيام ستة أيام، متتابعة أو متفرقة. وإذا احتجت إلى معرفة حكم شيء يفسد الصوم أو لا يفسده، فراجع ما الذي يفطر الصائم وما الذي لا يفطره؟.