الاعتكاف: حكمه وشروطه وما يجوز للمعتكف وما يبطل اعتكافه
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل أن تجهز فراشك للاعتكاف، تحتاج إلى معرفة المكان الذي ستقيم فيه، والمدة التي تنويها، وكيف تقضي حاجاتك خارج المسجد. فكثير من الأسئلة تبدأ من هنا: هل أستطيع الخروج للطعام؟ وهل النوم أو الاحتلام يفسد الاعتكاف؟ وماذا لو احتاج إلي أهلي؟
الاعتكاف لزوم المسجد بنية التعبد لله، والتفرغ للصلاة والقرآن والذكر والدعاء. وهو سنة، وليس واجبا على كل مسلم، ولا يجوز أن تضيع بسببه فريضة أو حق واجب. ومن فهم مقصوده وأحكامه استطاع أن ينتفع بوقته، ولو لم يتيسر له اعتكاف العشر كلها.
حكم الاعتكاف ودليله
الاعتكاف سنة تتأكد في رمضان، ولا سيما العشر الأواخر. وقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه:
«كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ».
رواه البخاري (2026، من الحديث). ويشرع الاعتكاف في غير رمضان أيضا؛ فقد ثبت اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في شوال. رواه مسلم (1173).
أما من نذر نذر طاعة صحيحا أن يعتكف، فيلزمه الوفاء به؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ».
رواه البخاري (6696، من الحديث). والنية المجردة أن تعتكف عدة أيام ليست نذرا. وفي اعتكاف التطوع أفتى ابن باز رحمه الله بجواز قطعه، بخلاف الاعتكاف الواجب بالنذر.
شروط صحة الاعتكاف ومكانه
من شروطه:
1. الإسلام والعقل والتمييز.
2. نية الاعتكاف تقربا إلى الله؛ فمجرد الجلوس في المسجد أو المبيت فيه لا يصير اعتكافا من غير نية.
3. أن يكون في مسجد، لا في غرفة البيت أو مكان العمل لمجرد تخصيصه للصلاة.
4. الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس؛ أما بقاء الوضوء طوال الوقت فليس شرطا للاعتكاف.
قال الله تعالى:
{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187، من الآية].
والرجل الذي تلزمه صلاة الجماعة يعتكف في مسجد تقام فيه الجماعة، حتى لا يضيعها أو يضطر إلى الخروج المتكرر لها. وإذا تخلل اعتكافه يوم الجمعة، فاختيار مسجد تقام فيه الجمعة أيسر؛ فإن اعتكف في مسجد لا تقام فيه، خرج إلى الجمعة إذا كانت واجبة عليه، ثم رجع، كما بين ابن باز رحمه الله.
واسأل إدارة المسجد عن حدود المسجد الشرعية؛ فليست كل غرفة أو ساحة أو موقف سيارات تابع للمركز في حكم المسجد. وراع أنظمة الإقامة والنظافة والسلامة، ولا تحجز من المكان ما يضيق على المصلين. ولأذكار المسجد وآدابه انظر أذكار الذهاب إلى المسجد ودخوله والخروج منه.
هل يشترط الصيام أو اعتكاف عشرة أيام؟
اختلف الفقهاء في أقل مدة الاعتكاف وفي اشتراط الصيام. ورجح ابن باز رحمه الله أنه يصح في مدة أقصر من يوم، كساعة يقيمها في المسجد بنية الاعتكاف، وأن الصوم ليس شرطا لصحته. فمن لم يستطع العشر أمكنه، على هذا القول، اعتكاف ليلة أو بعض يوم.
ومن أدلة عدم اشتراط الصوم أن عمر رضي الله عنه نذر اعتكاف ليلة في المسجد الحرام، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بنذره. رواه البخاري (2042). لكن عدم اشتراط الصوم للاعتكاف لا يبيح الفطر في رمضان لمن وجب عليه الصيام، ومن تعلق نذره بالصوم والاعتكاف معا سأل عن الوفاء بما التزمه.
متى يدخل من يريد اعتكاف العشر؟ ومتى يخرج؟
من أراد اعتكاف العشر الأواخر كلها يدخل المسجد قبل غروب شمس اليوم العشرين، لتدركه ليلة إحدى وعشرين وهو معتكف، على قول جمهور أهل العلم. وقد شرح النووي رحمه الله هذا القول عند الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها:
«إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ».
رواه مسلم (1173، من الحديث). وحمل الجمهور دخول المعتكف بعد الفجر على دخوله المكان الخاص الذي اعتزل فيه داخل المسجد، لا على بدء الاعتكاف حينئذ. وأخذ بعض أهل العلم بظاهر الحديث في البدء بعد الفجر، ومنهم ابن باز؛ فالمسألة خلافية، والدخول قبل الغروب يستوعب الليلة الأولى أيضا.
وينتهي اعتكاف العشر بانتهاء رمضان، عند غروب شمس آخر يوم منه وثبوت دخول شوال، سواء كان الشهر تسعة وعشرين يوما أو ثلاثين. ولا يجب البقاء إلى صلاة العيد لصحة اعتكاف العشر. أما من نوى اعتكاف مدة أقصر فيدخل حين يبدأ المدة التي نواها، مع مراعاة حكم النذر إن كان قد نذر.
ما الذي يجوز للمعتكف داخل المسجد؟
يجوز له الأكل والشرب والنوم، والتنظف وتغيير الثياب، والكلام المباح وزيارة الأهل له، مع صيانة المسجد وحقوق من فيه. وقد زارت صفية رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه، فتحدثت معه. رواه البخاري (2035).
ولا يلزم المعتكف أن يظل قائما يصلي أو قارئا طوال الوقت؛ فالراحة التي تعينه على العبادة لا تفسد اعتكافه. لكن لا يحول إقامته إلى مجلس سمر طويل أو متابعة متواصلة للهاتف. وليجعل للصلاة والتلاوة والدعاء نصيبا وافرا من وقته؛ وتفصيل صلاة الليل في قيام الليل والتهجد، ومن الدعاء الثابت ما جمع في أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة.
الخروج من المسجد: متى يكون للحاجة؟
قالت عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا».
رواه البخاري (2029، من الحديث). فيخرج لما لا بد له منه، كقضاء الحاجة، والوضوء والغسل الواجب حيث توجد مرافقهما، والحصول على طعام أو شراب إذا لم يجد من يأتيه به ولم يتيسر له في المسجد. ويقتصر على قدر الحاجة ويرجع، ولا يضم إلى خروجه جولة في السوق أو زيارة لا يحتاج إليها.
ولا يترك الجمعة الواجبة بحجة لزوم المسجد. أما العمل اليومي خارج المسجد، أو الرجوع إلى البيت كل ليلة للنوم، فليس كخروج قضاء الحاجة؛ فهذا يقطع الاعتكاف المتصل. وله أن يرتب اعتكاف تطوع في الفترات التي يتفرغ فيها، بدلا من عد أيام تتخللها عودته المعتادة إلى عمله اعتكافا متصلا.
ومن احتاج أهله إلى رعايته الواجبة أو نفقتهم التي لا يقوم بها غيره قدم الواجب على اعتكاف التطوع. ولا يؤخر إسعافا أو علاجا لازما لأجل البقاء؛ فالنافلة لا تبيح التفريط في واجب أو تعريض النفس للضرر.
ما الذي يبطل الاعتكاف أو يقطع استمراره؟
أبرز ما ينبغي معرفته:
- الجماع عمدا حال الاعتكاف: يفسده، سواء وقع ليلا أو نهارا، حتى لو كان المعتكف خارج المسجد لحاجة مباحة. والآية تنهى عنه حال الاعتكاف، لا داخل المسجد فقط.
- الخروج من المسجد لغير حاجة معتبرة: يقطع الاعتكاف المتصل. فإذا رجع في اعتكاف التطوع، أمكنه أن يبدأ اعتكافا جديدا بنية جديدة؛ ولا يعد خروجه للتسوق أو للنوم في البيت استمرارا للاعتكاف السابق.
- تعمد إنزال المني بالمباشرة بشهوة أو الاستمناء: يعده جمهور الفقهاء من المبطلات، وفي إفساد الاعتكاف بذلك خلاف بين أهل العلم. والمباشرة والتقبيل بشهوة ممنوعان على المعتكف؛ فلا يفهم من الخلاف في البطلان إباحتهما. أما الاحتلام فحكمه مختلف، كما سيأتي.
ومن أنهى نية الاعتكاف لم يبق معتكفا بمجرد بقائه في المسجد. والحيض والنفاس يمنعان استمرار المرأة في الاعتكاف بالمسجد حتى تطهر وتغتسل، وليس حكمهما كحكم مجرد انتقاض الوضوء.
وقطع اعتكاف التطوع لا يعني أن كل ما مضى من طاعة قد ضاع، ولا يوجب عند ابن باز قضاء المدة لمجرد نيتها. أما النذر الذي اشترط فيه التتابع أو زمن معين فله أحكام أخرى، ولا يكفي فيه أن يجدد الشخص النية من تلقاء نفسه ويظن أن ما عليه قد سقط.
اعتكاف المرأة
ثبت اعتكاف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعده، فالاعتكاف مشروع للنساء أيضا. ويكون في المسجد، لا في مصلى البيت، على قول جمهور أهل العلم، وهو الذي أفتى به ابن باز رحمه الله. وتحتاج الزوجة في اعتكاف التطوع إلى إذن زوجها، مع توافر مكان مأمون يحفظ سترها وخصوصيتها، وألا تضيع حقا واجبا أو تعرض نفسها للخطر.
ومن لم يتيسر لها الاعتكاف بقي لها باب واسع من الصلاة في وقت الطهر، والذكر والدعاء والصدقة والتلاوة بأحكامها. ولا يشترط الاعتكاف لنيل فضل ليلة القدر، ولا تحرم المرأة من سائر الطاعات لأنها لا تستطيع المبيت في المسجد.
أسئلة شائعة عن الاعتكاف
هل يختص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة؟
لا يختص بها على ما أفتى به ابن باز رحمه الله؛ فيصح في غير المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، مع مراعاة شروط المسجد والجماعة لمن تلزمه. أما من نذر الاعتكاف في أحد هذه المساجد فليسأل عن حكم نذره قبل استبدال مسجد آخر به.
هل أستطيع أن أعتكف ليلة واحدة أو بضع ساعات؟
نعم، على ترجيح ابن باز في أقل المدة. تنوي الاعتكاف وتمكث في المسجد المدة التي تستطيعها. لكن من نذر مدة محددة لا يستبدل بها ساعات قليلة من غير سؤال عن حكم نذره.
هل النوم أو انتقاض الوضوء يبطل الاعتكاف؟
لا. ينام المعتكف، ويتوضأ للصلاة إذا انتقض وضوؤه، ويحافظ على الصلوات في أوقاتها. ليس الاعتكاف صلاة حتى يشترط له بقاء الوضوء طوال المدة.
ماذا أفعل إذا احتلمت وأنا معتكف؟
الاحتلام لا يفسد الاعتكاف؛ لأنه بغير اختيارك. فإذا حصل إنزال وجب الغسل، فتخرج إليه عند الحاجة من غير تأخير، ثم ترجع وتتم اعتكافك. ولا يعامل الاحتلام معاملة الجماع المتعمد أو تعمد الإنزال.
هل أرجع إلى البيت للنوم ثم أعود؟
الرجوع المعتاد إلى البيت للنوم يقطع الاعتكاف المتصل، وليس كخروجك إلى دورة المياه. إن لم تستطع المبيت، فاعتكف تطوعا في المدة التي تتيسر لك، ثم اجعل عودتك في وقت آخر بداية اعتكاف جديد.
هل أخرج إلى العمل وأبقى معتكفا بقية اليوم؟
يمكنك أن تعتكف تطوعا قبل العمل أو بعده على القول بجواز المدة القصيرة، لكن لا تحسب الفترات التي تفصلها مغادرتك اليومية للعمل اعتكافا واحدا متصلا. والوفاء بواجب العمل وحقوق الأسرة مقدم على نافلة الاعتكاف.
هل أستعمل الهاتف أو أطمئن على أهلي؟
يجوز استعماله في المباح، كالقراءة والتواصل مع الأهل لحاجة، من غير إزعاج. اجعله وسيلة تعينك، ولا تستغرق وقتك في التصفح والمحادثات. وإذا طرأت حاجة توجب حضورك مع أهلك فلا تهملها بسبب اعتكاف التطوع.
هل أخرج لموعد طبي أو حالة طارئة؟
الحاجة الضرورية معتبرة، ولا يؤخر العلاج اللازم لأجل الاعتكاف. ويقتصر الخروج على الحاجة؛ فإن استدعى المرض إقامة طويلة خارج المسجد، فقد يحتاج إلى إنهاء الاعتكاف. أما أثر ذلك في نذر واجب وتتابعه فيسأل عنه بعينه.
هل أخرج لزيارة مريض أو حضور جنازة؟
الأصل أن يلزم المعتكف المسجد، فلا يخرج لمجرد الزيارة أو حضور الجنازة كما يخرج لقضاء حاجته. أما ضرورة الرعاية، أو شرط اشترطه عند ابتداء الاعتكاف، ففيهما تفصيل؛ فيسأل أهل العلم عن حاله. وله أن ينهي اعتكاف التطوع للزيارة أو بر أهله، لكن لا يعد خروجه استمرارا له. وأما الصلاة على جنازة في المسجد نفسه فلا تستلزم الخروج منه.
هل أستطيع أن أشترط الخروج لكل ما أريد؟
لا يجعل الشرط الاعتكاف إقامة عادية يدخل صاحبها ويخرج كيف شاء. وللشروط التي يذكرها المعتكف عند الابتداء أحكام وتفاصيل، لا سيما في النذر؛ فاعرض الشرط المحدد على عالم قبل البناء عليه.
ماذا لو جاء الحيض أثناء الاعتكاف؟
تخرج من المسجد ولا تستمر في الاعتكاف حال الحيض. فإذا طهرت واغتسلت أمكنها العودة لاعتكاف التطوع. وإن كان اعتكافها منذورا، سألت عن إتمامه أو قضائه بحسب صيغة النذر. ولأحكام التلاوة في هذه المدة انظر هل يجوز للحائض قراءة القرآن ومس المصحف؟.
هل الاستحاضة تمنع الاعتكاف مثل الحيض؟
لا. ثبت اعتكاف امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي مستحاضة. رواه البخاري (2037). فتعمل بأحكام المستحاضة، وتتحفظ من تلويث المسجد، ولا تجعل كل نزيف حيضا من غير تمييز حكمه.
نذرت الاعتكاف ثم مرضت أو خرجت، فما الواجب؟
يتعلق الجواب بلفظ النذر، وهل عينت زمنا أو اشترطت التتابع، وبسبب الخروج أو العجز. فلا يحكم على كل الحالات بحكم واحد في القضاء أو الكفارة. اذكر الصيغة والتفاصيل لعالم موثوق، ولا تفترض أن حكم قطع التطوع هو حكم نذرك.
إن لم أعتكف، هل يفوتني فضل ليلة القدر؟
الاعتكاف ليس شرطا لفضل قيامها. اجتهد في ليالي العشر حيث تستطيع، مع الإيمان والاحتساب وحفظ الفرائض؛ ولا تجعل عدم القدرة على الاعتكاف سببا لترك قيام الليل أو الدعاء.
قبل أن تبدأ
اتفق مع أهلك على ما يحتاجون إليه، وتحقق من سماح المسجد بالإقامة ومن مواضع قضاء الحاجة والطعام. ثم ادخل بنية صادقة، مستحضرا أن المقصود قربك من الله، لا مجرد إكمال عدد من الليالي. وإذا احتجت إلى الراحة فاسترح، وإذا حضر وقت الصلاة فاحفظها، وأعط القرآن والدعاء من وقتك ما يعينك الله عليه.
نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص واتباع السنة، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.