ليلة القدر: فضلها وتحريها وعلاماتها والدعاء المشروع فيها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مع دخول العشر الأواخر تكثر الأسئلة عن ليلة القدر: هل هي ليلة السابع والعشرين؟ وهل يعرفها الإنسان بما يشعر به، أو بما يراه عند شروق الشمس؟ وقد ينشغل بعض الناس بتتبع العلامات أكثر من انشغاله بالعبادة التي شرعت فيها.
والسنة أن نطلبها بالاجتهاد في ليالي العشر، ولا ننتظر علامة لنبدأ الصلاة والدعاء. فمن وافقها قيامه إيمانا واحتسابا رجا الفضل الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يعلم أنها ليلة القدر.
فضل ليلة القدر في القرآن والسنة
قال الله تعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1-5].
فهي الليلة التي أنزل الله فيها القرآن، والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وتتنزل فيها الملائكة، ومنهم جبريل عليه السلام، وهو المراد بالروح في الآية.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
رواه البخاري (2014، من الحديث). ومعنى إيمانا واحتسابا أن يقوم تصديقا بوعد الله وطلبا لثوابه، مخلصا له العبادة.
ولا يجعل هذا الوعد سببا لترك التوبة؛ فقد بين ابن باز رحمه الله أن نصوص المغفرة تجمع مع النصوص التي تشترط اجتناب الكبائر. وتبقى حقوق الناس واجبة، فلا تسقط الديون والمظالم بمجرد القيام. وللتوسع في طلب المغفرة وصيغه انظر فضل الاستغفار وأفضل صيغ الاستغفار.
معنى اسمها والتقدير الذي يكون فيها
من معاني القدر الشرف والعظمة، ومن معانيه التقدير. قال الله تعالى عن الليلة المباركة:
{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4].
وبين ابن كثير رحمه الله أن في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق. وهذا التقدير السنوي تفصيل من القدر السابق، كما شرح ابن باز رحمه الله، وليس علما جديدا يحدث لله بعد أن لم يكن يعلمه.
فالله قد سبق علمه بكل شيء، وثبت أن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. رواه مسلم (2653). فلا يفهم من التقدير في هذه الليلة أن علم الله يتغير، أو أن الدعاء يخرج عن قدره؛ فعبادة العبد وما يقدره الله له كلاهما داخل في علمه وقدره.
متى نتحرى ليلة القدر؟
ليلة القدر في رمضان، وتلتمس في العشر الأواخر منه، ولا سيما الأوتار. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ».
رواه البخاري (2017). ومن الأوتار بحسب ما مضى من الشهر ليالي إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين. لكن السنة الاجتهاد في العشر كلها؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها. رواه مسلم (1175).
ورجح ابن باز رحمه الله أنها تتنقل في ليالي العشر، وأن ليلة السابع والعشرين أرجاها، لا أنها متعينة في كل عام. وقد ثبت في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وقوعها ليلة إحدى وعشرين في سنة من السنين، وفيها رأى أثر الماء والطين على وجه النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح. رواه البخاري (2018).
وتبدأ العشر من ليلة إحدى وعشرين، أي من غروب اليوم العشرين. والليلة تبدأ من المغرب وتنتهي بطلوع الفجر، لا من منتصف الليل، ولا يمتد وقت قيامها إلى شروق الشمس. وتبقى العناية بجميع الليالي حتى يثبت انتهاء رمضان، سواء كان الشهر تسعة وعشرين يوما أو ثلاثين.
ما العلامات التي ثبتت لليلة القدر؟
طلوع الشمس في صبيحتها بلا شعاع
قال أبي بن كعب رضي الله عنه في وصف علامتها:
«وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا».
رواه مسلم (762). وهذه علامة تظهر بعد انقضاء الليلة، فلا ينتظرها المسلم ليبدأ عبادته. ولا يحكم على ليلة بعينها بمجرد صورة متداولة للشمس؛ فالصورة وحدها لا تثبت تحقق الوصف الوارد في الحديث.
ما ورد في وصف ليلتها
ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ سَمِحَةٌ، طَلِقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ».
رواه الطيالسي (2802، من الحديث)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5475). ومعنى سمحة طلقة أنها ليلة طيبة. ولا يكفي الاعتماد على حالة الجو للجزم بتعيين الليلة، ولا يتوقف نيل فضلها على أن يدرك الإنسان هذا الوصف بنفسه.
ولا يصح اشتراط خلوها من المطر؛ فقد ثبت وقوع المطر في الليلة التي وصفها أبو سعيد رضي الله عنه، كما في البخاري (2018). فليس كل وصف يتناقله الناس علامة ثابتة، ولا كل علامة يدركها كل أحد.
هل معرفة الليلة شرط لنيل فضلها؟
ليست معرفة الليلة شرطا لحصول فضل قيامها. وقد أوضح ابن باز رحمه الله أن من وافقها قيامه إيمانا واحتسابا نال الأجر وإن لم يعلم أنها ليلة القدر.
ولا يتخذ الشعور بالراحة، أو البكاء، أو رؤية منام دليلا قاطعا على تعيينها أو قبول العمل. وقد يخشع الإنسان في ليلة، ويشغله التعب في أخرى؛ فالمطلوب صدق العبادة، لا اختبار المشاعر بعد كل صلاة. أما العلامات الثابتة فلا تنكر، لكنها ليست شرطا يلزم المسلم أن يبحث عنه حتى يرجو رحمة الله.
الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة
سألت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عما تدعو به إن وافقت ليلة القدر، فعلمها أن تقول:
«اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
رواه ابن ماجه (3850). وروى الترمذي أصل الحديث (3513)، وقال: حديث حسن صحيح. واللفظ المذكور هنا من رواية ابن ماجه.
فأكثر من هذا الدعاء مستحضرا حاجتك إلى عفو الله. ولم يحدد الحديث عددا لتكراره، ولا يمنع أن تسأل الله سائر ما تحتاج إليه من خير الدنيا والآخرة. ولأدعية ثابتة أخرى انظر أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة.
كيف يحيي المسلم هذه الليالي؟
يحافظ على الفرائض أولا، ثم يصلي من الليل ما تيسر له، ويقرأ القرآن، ويذكر الله ويدعوه، ويتصدق ويحسن إلى الناس. وقيام الليل سنة مؤكدة، وليس واجبا، فلا يجعل الاجتهاد في النافلة سببا للنوم عن الفجر أو تضييع واجب.
ومن صلى الليل صلى ركعتين ركعتين، وأوتر إن لم يكن قد أوتر. ولا تشرع لليلة القدر صلاة مستحدثة بعدد مخصوص أو سور معينة من غير دليل. وتفصيل الصفة والوقت والركعات في قيام الليل والتهجد.
ولا يشترط الاعتكاف أو ختم القرآن لنيل أصل الفضل. اجتهد بحسب قدرتك في العشر كلها، ولا تجعل عدم قدرتك على عبادة طويلة سببا لترك ما تقدر عليه.
أسئلة شائعة عن ليلة القدر
هل ليلة السابع والعشرين قبل صيام يوم سبعة وعشرين أم بعده؟
هي الليلة التي تسبق نهار السابع والعشرين: تبدأ بغروب شمس اليوم السادس والعشرين، وتنتهي بفجر اليوم السابع والعشرين. أما مساء اليوم السابع والعشرين فهو بداية ليلة الثامن والعشرين.
هل ليلة القدر هي السابع والعشرون دائما؟
ليلة السابع والعشرين من أرجى الليالي، لكن لا يجزم بأنها ليلة القدر في كل سنة. والقول المختار هنا، وهو ترجيح ابن باز، أنها تتنقل في العشر؛ فاطلبها في الليالي كلها ولا تكتف بواحدة.
هل الغيم أو المطر ينفيان أن تكون الليلة ليلة القدر؟
لا ينفيها ذلك؛ فقد ثبت المطر في حديث أبي سعيد رضي الله عنه. وإن حال الغيم دون مشاهدة الشروق، فلا يعني هذا أن فضل الليلة فات من قامها، فمشاهدة العلامة ليست شرطا للأجر.
لم أشعر بخشوع خاص، فهل فاتتني ليلة القدر؟
لا يحكم بهذا. اسع إلى الخشوع، وجدد نيتك، واستمر في العبادة. وليس غياب شعور معين دليلا على أنك لم توافق الليلة، كما أن قوة الشعور ليست شهادة يقينية بقبول العمل.
ماذا تفعل الحائض في ليلة القدر؟
لا تصلي حال الحيض، ولها الدعاء والذكر والاستغفار والصدقة. فتكثر من الطاعات التي تشرع لها، ولا تترك الدعاء لأنها لا تصلي. وأما قراءة القرآن ومس المصحف ففيهما تفصيل مبين في هل يجوز للحائض قراءة القرآن ومس المصحف؟.
نمت بعض الليل، هل ضاع كل ما عملته؟
لا يضيع نومك ما أديت من عبادة صحيحة. ومن احتاج إلى شيء من النوم ليتقوى فلا حرج، كما بين ابن باز رحمه الله. فاجتهد فيما تستطيع وارج ثواب الله؛ ولا نجزم لشخص بعينه بمقدار أجره، والوعد متعلق بالإيمان والاحتساب.
هل لها صلاة خاصة أو سور يجب أن أقرأها؟
لا تشرع لها صلاة مخترعة ذات عدد أو هيئة مخصوصة، ولا يجب قراءة سورة بعينها لإدراكها. صل قيام الليل على الصفة المشروعة، واقرأ ما تيسر لك مع الطمأنينة وحسن التلاوة.
هل أقول دعاء العفو مائة مرة أو ألف مرة؟
لك أن تكرره وتكثر منه، لكن لا تنسب عددا معينا إلى السنة من غير دليل، ولا تعتقد أن بلوغ ذلك العدد شرط لقبول الدعاء أو إدراك الليلة.
قصرت في أول العشر، فهل أجتهد فيما بقي؟
نعم، تب إلى الله وخذ بما بقي من وقت. لا تترك ليلة التاسع والعشرين أو غيرها لأن ليلة السابع والعشرين قد مضت؛ فالشهر لم ينته بعد، والعبادة لا تتوقف على معرفة الليلة.
اطلب الفضل بالعبادة لا بانتظار العلامة
دعاؤك وقيامك لا يحتاجان إلى إعلان يخبرك أنك أدركت ليلة القدر. واستقبل كل ليلة من العشر راجيا عفو الله، محافظا على فرائضك، باذلا ما تستطيع من الطاعة، وأحسن الظن بربك مع صدق الإقبال عليه.
نسأل الله أن يرزقنا قيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، وأن يعفو عنا ويعيننا على حسن عبادته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.