قسم المقالحكم تلاوة الحائض للقرآن
اختلف أهل العلم في تلاوة الحائض للقرآن. فمنهم من منعها حتى تطهر، قياسا على الجنب، ومنهم من أجاز لها القراءة من غير مس المصحف. والقول الثاني هو الراجح؛ لأنه لم يثبت حديث صحيح صريح يمنع الحائض من التلاوة، ولأن الحيض قد يستمر أياما لا تستطيع المرأة خلالها رفعه بالغسل.
أما الحديث المشهور بلفظ: "لا تَقْرَأُ الحَائِضُ ولا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ"، فقد ضعفه أئمة الحديث، فلا يصلح وحده لإثبات التحريم.
وكان الحيض يصيب النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتحتاج المرأة إلى الذكر والتعلم وحفظ ما معها من القرآن. ولو كانت التلاوة محرمة عليها تحريما عاما لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا ظاهرا تحفظه الأمة، كما بين ما تمنع منه الحائض من الصلاة والصيام والطواف والجماع.
وقالت عائشة رضي الله عنها:
"كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ".
رواه مسلم (373).
ولما حاضت عائشة رضي الله عنها في الحج قال لها النبي صلى الله عليه وسلم:
"افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي".
متفق عليه.
والحديث ليس نصا منفردا في حكم التلاوة، لكنه يدل على أن الحيض لا يمنع المرأة من أعمال الحج وذكر الله إلا ما جاء الدليل باستثنائه. ومع عدم ثبوت دليل صحيح صريح يمنعها من القراءة، يبقى أصل الجواز.
وقد اختار هذا القول جماعة من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وأفتى به الشيخ عبد العزيز بن باز رحمهما الله. وليس المقصود تتبع الأسهل، بل العمل بما ترجح دليله مع تعظيم القرآن واجتناب مس المصحف مباشرة.
والفرق بينها وبين الجنب ظاهر؛ فالجنب يستطيع أن يغتسل متى أراد، أما الحائض فلا تملك إنهاء حيضها، وقد تمكث أياما قبل أن تطهر. ولهذا لا تلحق به في التلاوة من غير دليل صحيح صريح.
ولا يختص الجواز بالحافظة أو المعلمة التي تخشى النسيان. فلها أن تقرأ للتعبد والمراجعة والتعلم والتعليم والرقية، وإن كانت الحاجة إلى التعليم أو حفظ المحفوظ تؤكد المشقة التي تترتب على المنع.
وجواز التلاوة لا يسقط فضل الطهارة ولا آداب القراءة، لكنه يعني أن المرأة لا تنقطع عن كلام الله طوال أيام حيضها.