المعاملات والتوبة

المال الحرام: كيف يتوب المسلم ويتخلص منه؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الكسب الحلال عبادة، وحفظ أموال الناس من مقاصد الشريعة العظيمة. وقد يحاسب المسلم نفسه فيجد في ماله حقا لغيره، أو فوائد ربوية، أو أجرة على عمل محرم، أو مالا اختلط فيه الحلال بالحرام، فيريد التوبة ولا يعرف ماذا يصنع.

وباب التوبة مفتوح، لكن صدق التوبة من المال الحرام لا يقتصر على الندم والاستغفار؛ بل يقتضي وقف السبب المحرم، ورد حقوق أصحابها، والتخلص مما لا يحل بحسب نوعه. وليس كل مال حرام على صورة واحدة، ولذلك لا يصح أن يعالج الجميع بطريقة واحدة.

قال الله تعالى:

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

فمن صدق مع الله، وأقلع عن الحرام، ورد المظالم، وأصلح ما استطاع، فليبشر بسعة رحمة الله، ولا يجعل كبر الذنب أو كثرة المال سببا لليأس أو لتأخير التوبة.

ما المقصود بالمال الحرام؟
قسم المقال

ما المقصود بالمال الحرام؟

المال الحرام في هذا الباب هو ما لا يحل لمكتسبه تملكه أو الانتفاع به بسبب طريقة أخذه أو كسبه، أو لتعلق حق شخص آخر به.

ووصف المال بأنه حرام يتعلق غالبا بحق صاحبه أو بطريقة اكتسابه، ولا يعني أن الأوراق النقدية نفسها نجسة. وقد يحل المال لمن انتقل إليه بطريق مشروع في بعض الصور؛ فالفقير الذي يدفع إليه مال للتخلص من كسب محرم لا إثم عليه في الانتفاع به، بخلاف السارق أو مكتسب المال المحرم فإنه لا يستبيحه بمجرد نقله إلى شخص آخر.

ومن صوره:

  • المال المسروق أو المغصوب أو المختلس.
  • المال المأخوذ بالغش والخداع والتزوير.
  • الأمانات والودائع والرواتب والحقوق التي حبسها صاحبها عن مستحقيها.
  • الفوائد الربوية والزيادات المحرمة.
  • الرشوة والعمولات الخفية التي تؤخذ بغير حق.
  • أجرة العمل أو الخدمة المحرمة.
  • عائد القمار والميسر والمعاملات المحرمة.
  • المال العام الذي أخذ بغير حق.
  • الجزء المحرم من مال اختلط فيه الكسب الحلال بالكسب الحرام.

ولا يجوز التوسع في التحريم بمجرد الشك؛ فالأصل في الأموال والمعاملات الحل حتى يقوم دليل التحريم. كما أن وجود شبهة في جزء من المال لا يجعل جميع أموال الإنسان حراما تلقائيا.

تحريم أكل أموال الناس بالباطل
قسم المقال

تحريم أكل أموال الناس بالباطل

قال الله تعالى:

{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

وقال سبحانه:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟" رواه مسلم.

فالحديث يحذر من أثر الكسب المحرم، ويدعو المسلم إلى تحري الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ونفقته، مع عدم القنوط من رحمة الله إذا تاب وأصلح.

ليست صور المال الحرام في حكم واحد
قسم المقال

ليست صور المال الحرام في حكم واحد

أهم خطوة قبل التصرف هي معرفة نوع المال، لأن طريقة التوبة تختلف باختلافه.

أولا: مال له صاحب معين

وهو كل مال أخذ من شخص أو شركة أو جهة معلومة بغير حق، كالسرقة والغصب والاختلاس والغش، أو مبلغ حول إلى الحساب بطريق الخطأ، أو راتب أخذ عن ساعات لم يعملها الموظف بغير إذن، أو أمانة جحدها صاحبها.

هذا المال يجب رده إلى صاحبه، أو طلب مسامحته فيه، ولا يجوز التصدق به مع إمكان الوصول إليه؛ لأن الصدقة لا تسقط حقه.

ثانيا: كسب محرم قبض مقابل عقد أو عمل محرم

ومن أمثلته: الفائدة الربوية، وأجرة مباشرة عمل محرم، وعائد القمار، وثمن خدمة محرمة، والرشوة التي لا يكون دافعها مظلوما مضطرا لاستخراج حقه.

إذا قبض الإنسان هذا المال وهو يعلم التحريم ثم تاب والمال باق في يده، فالأصل أن يتخلص منه بصرفه إلى الفقراء أو في مصلحة عامة نافعة، من غير أن يقصد به صدقة التطوع من ماله الطيب، ومن غير أن ينتفع به لنفسه. وتوجد في بعض الصور تفاصيل وخلاف بين أهل العلم، ولا سيما عند الفقر الشديد أو العقود المتشابكة، فلا يجعل ذلك بابا مفتوحا للاحتفاظ بالمال، بل يسأل عالما موثوقا عن حالته بعينها.

ثالثا: مال اختلط فيه الحلال بالحرام

من كان بعض دخله حلالا وبعضه حراما، لم يحكم على جميع ماله بالتحريم. الواجب أن يحدد الجزء المحرم ويخرجه بحسب حكمه: فإن كان حقا لشخص رده إليه، وإن كان كسبا محرما لا صاحب معين له تخلص منه في وجوه النفع.

رابعا: مال مختلف في حكم معاملته أو جهل صاحبه تحريمه

لا يجوز للإنسان أن يحرم على نفسه مالا لمجرد مقطع أو ظن، ولا أن يستحل معاملة محرمة لمجرد أنه وجد من يهونها. فإذا كانت المعاملة محل خلاف معتبر، أو دخل فيها مقلدا عالما موثوقا، أو كان جاهلا بالحكم ثم علمه، فحكم ما مضى قد يختلف عن حكم من تعمد الحرام عالما به.

قال الله تعالى في الربا:

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].

وهذه الآية من نصوص الوعيد الشديد في الربا. ومن أصول أهل السنة أن المسلم لا يكفر بمجرد ارتكاب كبيرة مع اعتقاده تحريمها، بل يكون عاصيا مستحقا للوعيد، وهو تحت مشيئة الله إن مات من غير توبة. قال الله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].

أما استحلال ما ثبت تحريمه قطعا مع العلم وقيام الحجة فباب آخر له شروط وموانع، ولا يجوز لغير أهل العلم تنزيل حكم الكفر على شخص معين.

فمن بلغه الحكم وجب عليه الانتهاء فورا. أما تطبيق حكم ما مضى على واقعة معينة فيتوقف على نوع المال، والعلم بالحكم، وحقيقة العقد؛ ولذلك تعرض التفاصيل على عالم موثوق.

شروط التوبة من المال الحرام
قسم المقال

شروط التوبة من المال الحرام

تتحقق التوبة الصادقة من المال الحرام بالأمور الآتية:

  • الإخلاص لله وطلب مغفرته.
  • الإقلاع الفوري عن سبب الكسب المحرم.
  • الندم على ما مضى.
  • العزم الصادق على عدم العودة.
  • رد الأموال والحقوق إلى أصحابها متى كان لها أصحاب معينون.
  • التخلص من الكسب المحرم الذي لا يستحقه صاحبه ولا يرد إلى دافعه بحسب التفصيل الشرعي.
  • إصلاح العقود والعمل وطرق الكسب حتى يصبح الدخل حلالا.

ويمكن قراءة التفصيل العام لشروط التوبة في مقال كيف تتوب إلى الله توبة نصوحا.

كيف تتخلص من المال الحرام خطوة بخطوة؟
قسم المقال

كيف تتخلص من المال الحرام خطوة بخطوة؟

الخطوة الأولى: أوقف مصدر الحرام فورا

ألغ العقد المحرم إن أمكن من غير إنشاء ظلم جديد، واترك الوظيفة أو المهمة المحرمة بالطريقة الممكنة، وأوقف الفوائد الربوية، والغش، والعمولات الخفية، وأي وسيلة تدر المال بغير حق.

ولا يكفي إخراج جزء من المال مع الاستمرار في مصدره؛ لأن التخلص من بعض العائد لا يجعل المعاملة المحرمة حلالا.

الخطوة الثانية: اكتب قائمة واضحة

اجمع العقود وكشوف الحساب والفواتير والتحويلات، واكتب:

  • مصدر كل مبلغ مشتبه فيه.
  • مقداره أو أقرب تقدير له.
  • تاريخ أخذه.
  • هل له صاحب معين؟
  • هل بقي المال أم أنفق؟
  • هل نتج عنه ربح أو دخل في مشروع؟

الكتابة تمنع النسيان، وتساعد على رد الحقوق بدقة، وتبين ما يحتاج إلى سؤال خاص.

الخطوة الثالثة: صنف المال قبل إخراجه

لا ترسل جميع المال إلى مؤسسة خيرية مباشرة. قسمه إلى:

  • حقوق يجب ردها إلى أصحابها.
  • أموال محرمة لا صاحب معين لها ويتخلص منها في وجوه النفع.
  • أموال حلال لا يجب إخراجها.
  • حالات غير واضحة تحتاج إلى فتوى بعد عرض تفاصيلها.

الخطوة الرابعة: قدر المبلغ بصدق

إذا عرفت المقدار يقينا، أخرج المقدار كاملا. وإن لم تعرفه، فاجتهد في التقدير بما يغلب على ظنك أنه يبرئ ذمتك، وخذ بالاحتياط المعقول من غير وسواس ولا تساهل.

فمن علم أن المال المحرم يقع بين ألف وألف وخمسمائة مثلا، ولم يستطع الوصول إلى رقم أدق، أخرج ما يطمئن معه إلى براءة ذمته. أما التخمين المتعمد بأقل رقم لتقليل ما يرد فليس من صدق التوبة.

الخطوة الخامسة: رد حقوق أصحابها

يرد المال إلى صاحبه نفسه، فإن مات فإلى ورثته، وإن كان لشركة أو جهة عامة رد إليها بالطريق المأمون. ويجوز أن يصل المال إلى صاحبه بتحويل أو وسيط موثوق أو طريقة مباحة تحفظ ستر التائب، ولا يشترط أن يخبره بتفاصيل الذنب إذا وصل إليه حقه كاملا ولم يبق ضرر يجب بيانه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" رواه البخاري.

ولا يختص وجوب رد الحقوق بالمسلمين؛ بل ترد الأمانات والأموال إلى أصحابها مسلمين كانوا أو غير مسلمين ممن لا يحل ماله. قال الله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58].

الخطوة السادسة: ابحث عن المالك المجهول

إذا كان المال مسروقا أو مفقودا أو حقا لشخص لم تعد تعرفه، وجب بذل جهد معقول للوصول إليه أو إلى ورثته من غير إعلان يضيع الحق على صاحبه الحقيقي. فإذا تعذر الوصول إليه بعد البحث، تصدق بالمال عنه على فقير أو صرف في مصلحة عامة بنية أن الثواب لصاحب المال.

فإن ظهر المالك بعد ذلك، أخبره بما فعل: فإن رضي بالصدقة فذاك، وإن طالب بحقه دفعته إليه، ويكون أجر الصدقة لمن أخرجها إن شاء الله.

الخطوة السابعة: تخلص من الكسب المحرم الذي لا صاحب معين له

يصرف هذا المال إلى فقير أو محتاج، أو في منفعة عامة مباحة، بنية التخلص وبراءة الذمة، لا بنية أن المال صار صدقة تطوع من كسب طيب. ولا يجوز التحايل بإعطائه لشخص ليعيده إلى صاحبه، أو صرفه في أمر يعود عليه بنفع مالي مباشر.

الخطوة الثامنة: أصلح ما بقي من آثار

إذا ترتب على الغش عقد قائم، أو على الرشوة ظلم لشخص، أو على التزوير حق لم يأخذه صاحبه، فلا يكفي إخراج المال وحده؛ بل يجب إزالة الظلم وإعادة الحق ما أمكن. وإذا تعلقت المسألة بجريمة أو دعوى أو أموال عامة أو حقوق متعددة، فيجمع التائب بين سؤال عالم موثوق والرجوع إلى جهة قانونية أمينة، ولا يزوّر مستندا ولا يمحو دليلا ولا ينشئ ظلما جديدا بحجة الستر.

الخطوة التاسعة: انتقل إلى البديل الحلال

ابحث عن عمل مباح، وعدل نشاطك أو مهامك، واضبط العقود، واحتسب الأجر في ترك الحرام. قال الله تعالى:

{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2-3].

ولا يجوز أن يجعل انتظار وظيفة مثالية ذريعة للاستمرار في العمل المحرم. فإن احتاج إنهاء عقده أو تسليم عهدته إلى إجراءات، أكمل الإجراءات المباحة من غير مباشرة الحرام ولا تضييع حقوق الناس، واستعان بالله وأخذ بالأسباب المشروعة.

أحكام بحسب نوع المال والمعاملة
قسم المقال

أحكام بحسب نوع المال والمعاملة

كيف ترد المال المسروق أو المغصوب؟

المال المسروق أو المغصوب ملك لصاحبه، فلا يملكه الآخذ بطول الزمن ولا بإنفاقه ولا باستثماره. والواجب:

  • رد العين نفسها إن كانت موجودة ولم تتغير.
  • رد مثلها إن كانت من الأشياء المثلية.
  • رد قيمتها أو التعويض الواجب إذا تلفت، بحسب الحكم الشرعي.
  • ردها إلى الورثة إن مات صاحبها.
  • التصدق بها عن صاحبها إذا تعذر الوصول إليه وإلى ورثته بعد البحث.

وإذا استثمر المال المسروق ونتج عنه ربح، أو تغيرت قيمته تغيرا كبيرا، فحكم الربح والضمان قد يختلف باختلاف طريقة الاستثمار والتعدي؛ فلا ينفرد صاحبه بتقدير ما له، بل يعرض الأرقام والتفاصيل على عالم موثوق.

الفوائد البنكية والربا: ماذا يفعل التائب؟

قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278-279].

وعن جابر رضي الله عنه قال:

"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ" رواه مسلم.

وعلى من تاب من الفوائد الربوية أن:

  • يوقف العقد أو الحساب الربوي بحسب استطاعته، وينقله إلى بديل مباح.
  • يفصل رأس ماله عن الزيادة الربوية.
  • يحتفظ برأس ماله المباح.
  • يتخلص من الفائدة المقبوضة بعد علمه بالتحريم بصرفها إلى الفقراء أو المصالح العامة المباحة.
  • لا يحتسبها من زكاته، ولا يجعل إخراجها مبررا للاستمرار في الربا.
  • أما من كان جاهلا بالحكم جهلا حقيقيا، أو اعتمد فتوى من يثق بعلمه ثم بلغه التحريم فانتهى، ففيما قبض قبل العلم تفصيل مستند إلى آية الربا المتقدمة من سورة البقرة، فلا يسوي نفسه بمن تعمد الربا وهو يعلم، ويسأل عالما موثوقا بعد بيان حاله بصدق.

ولمزيد من التفصيل يمكن قراءة مقال أحكام الديون والقروض والربا باختصار.

أجرة العمل أو الخدمة المحرمة

من كانت مهمته نفسها محرمة، ككتابة عقد ربوي بقصد إتمامه، أو ترويج محرم، أو إعانة مباشرة على غش أو قمار أو فاحشة، وجب عليه ترك المهمة والتوبة والتخلص من الأجرة المقابلة للعمل المحرم إذا كانت باقية في يده وكان قد أخذها عالما بالتحريم.

أما إذا كان أصل العمل مباحا، وكانت الجهة التي يعمل لديها تجمع بين معاملات مباحة وأخرى محرمة، فلا يحكم على الراتب كله بالحرمة لمجرد اختلاط موارد الجهة. ينظر إلى حقيقة مهمة الموظف: فإن كانت مباحة ولا تعين مباشرة على الحرام، فليست كأجرة العمل المحرم نفسه. وإذا تداخلت مهامه أو نسب الدخل، عرض وصف عمله وعقده على عالم موثوق.

أما إذا كان نشاط الجهة الأصلي قائما على الحرام، كمؤسسة تقوم على الربا أو القمار، فليست كالشركة ذات النشاط المباح والمال المختلط، ولا يستعمل التفصيل السابق لتسويغ العمل فيها.

ومن أخذ راتبا عن أيام أو ساعات لم يعملها بغير إذن معتبر، فذلك حق لصاحب العمل، ويصحح السجل إن أمكن، أو يعمل ما يقابلها بموافقته، أو يعيد ما أخذه زائدا.

الرشوة والعمولات الخفية والغش

الرشوة التي تدفع للحصول على باطل، أو تقديم شخص على من هو أحق، أو إسقاط واجب، محرمة على الدافع والآخذ والوسيط المعين عليها.

أما من لم يستطع الوصول إلى حقه أو دفع ظلم واقع عليه إلا بدفع مال، ولم يظلم بذلك غيره، فقد رخص له جماعة من أهل العلم في الدفع، ويكون الإثم على الآخذ. ولذلك فإن الرشوة المقبوضة من مظلوم اضطر إلى دفعها لا يتصدق بها الآخذ، بل يردها إلى دافعها.

والهدية أو العمولة التي يأخذها موظف أو وكيل بسبب منصبه أو وكالته من غير إذن صاحب العمل أو الموكل قد تكون من الغلول أو خيانة الأمانة، فلا يستحلها بتغيير اسمها إلى هدية. يردها إلى من يستحقها أو يستأذنه فيها صراحة.

أما ثمن السلعة الذي أخذ بالغش، فيزال الغش ويرد مقدار الزيادة أو يفسخ العقد بحسب حق المشتري، ولا تكفي صدقة الغاش بمبلغ من عنده مع بقاء حق المشتري.

المال المختلط والعجز عن رد الحقوق
قسم المقال

المال المختلط والعجز عن رد الحقوق

ماذا يفعل من اختلط ماله الحلال بالحرام؟

لا يلقي المال كله ولا يستبقيه كله. بل يعمل بما يأتي:

  • يحدد الأموال التي لها أصحاب معينون ويردها إليهم.
  • يحسب الكسب المحرم الذي لا صاحب معين له ويتخلص منه.
  • يبقي الجزء الحلال وينتفع به.
  • إذا جهل المقدار، اجتهد في التقدير بما يغلب على ظنه ويبرئ ذمته.
  • يحتفظ بسجل لما أخرجه حتى لا يكرر الحساب أو ينسى حقا.

والورع لا يعني الاسترسال مع الوسواس. فإذا أخرج القدر الذي غلب على ظنه بعد بحث صادق، لم يلزمه أن يعيد الحساب كلما طرأ عليه شك مجرد.

ماذا لو أنفق المال الحرام ولم يبق في يده؟

إن كان المال حقا لغيره، بقي دينا في ذمته ولو أنفقه، وعليه رده عند القدرة. أما إن كان كسبا محرما لا يتعلق بحق مالك معين وقد أنفقه قبل التوبة، فتفاصيل الضمان تختلف بحسب نوع الكسب، وعلمه بالتحريم، وحاله؛ فلا يقيسه على السرقة، ولا يفتي نفسه بالإعفاء، بل يسأل عالما موثوقا.

ماذا لو عجز عن رد الحقوق كلها الآن؟

العجز الحالي لا يسقط الحق، لكنه لا يمنع بداية التوبة. يفعل ما يأتي:

  • يرد ما يستطيع فورا.
  • يضع خطة واقعية للأقساط من دخله الحلال.
  • يكتب الحقوق والديون حتى لا تضيع بموته.
  • يطلب من صاحب الحق مهلة أو تسوية مباحة إن أمكن.
  • يقلل النفقات غير الضرورية حتى يؤدي الحقوق.
  • لا يدخل في قرض ربوي ليعالج ذنبا بذنب آخر.

ويصدق في نيته وبذل وسعه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ" رواه البخاري.

هل التخلص من المال الحرام يعد صدقة؟

إذا كان المال حقا لشخص، فرده أداء واجب لا صدقة. وإذا كان كسبا محرما يجب إخراجه، فإخراجه تخلص من الحرام وليس صدقة تطوع من مال طيب، فلا يحتسبه من زكاته ولا يمن به على الفقير.

ويرجى للتائب أجر صدق التوبة، وامتثال أمر الله، ومجاهدة النفس، لكن لا يطلب ثواب الصدقة على عين مال لا يحل له إمساكه.

أما الفقير الذي قبض هذا المال من جهة التخلص المشروع، فيحل له الانتفاع به؛ لأن التحريم تعلق بطريقة كسب الأول، لا بطريقة تملك الفقير له.

أسئلة شائعة عن المال الحرام والتوبة منه
سؤال وجواب

هل يكفي أن أستغفر الله وأتصدق بجزء من المال؟

لا. إذا بقيت مصرا على المصدر المحرم، أو حبست حقوق الناس، لم تكمل التوبة. الواجب وقف الحرام، ورد الحقوق كاملة، والتخلص من الكسب المحرم بحسب نوعه. ولا توجد نسبة ثابتة، كعشرة في المئة مثلا، تجعل بقية المال حلالا.

سؤال وجواب

هل يجوز رد المال إلى صاحبه من غير أن أخبره أنني أخذته؟

نعم، المقصود وصول حقه كاملا. فيجوز إيصاله بتحويل أو وسيط أو صورة مباحة لا تتضمن كذبا أو اعتداء، ولا يلزم كشف الذنب إذا كان الستر لا يضيع حقا ولا يبقي ضررا.

سؤال وجواب

ماذا أفعل إذا مات صاحب المال؟

يرد المال إلى ورثته الشرعيين، أو إلى التركة قبل قسمتها. ولا يجوز التصدق به مع إمكان الوصول إليهم. فإذا تعذر معرفة الورثة أو الوصول إليهم بعد البحث، تصدق به عن صاحب الحق.

سؤال وجواب

ماذا أفعل إذا نسيت صاحب المال أو تعذر الوصول إليه؟

ابحث عنه وعن ورثته بالقدر المعقول. فإن تعذر، تصدق بالمال عنه أو اصرفه في مصلحة عامة بنية أن الأجر له. وإذا ظهر بعد ذلك وطالب بحقه، وجب دفعه إليه.

سؤال وجواب

هل يجب رد المال إذا كان صاحبه غير مسلم؟

نعم. لا يحل ظلم غير المسلم الذي لا يحل ماله، ولا تبيح مخالفته في الدين سرقته أو غشه أو خيانة أمانته. فيرد إليه حقه بالطريقة نفسها، فإن مات فإلى ورثته، وإن تعذر الوصول إليهم بعد البحث تصدق به عنه.

سؤال وجواب

هل يجوز إعطاء المال الحرام للأقارب الفقراء؟

إذا كان من الأموال التي يتخلص منها ولا صاحب معين لها، جاز دفعه لقريب فقير مستحق بشرط ألا تكون نفقته واجبة عليك، وألا يعود إليك المال أو نفعه بحيلة. أما المال المسروق أو المغصوب فلا يعطى لقريب ولا لغيره ما دام صاحبه معروفا.

سؤال وجواب

هل يجوز استعمال المال الحرام لسداد ديني أو فواتيري؟

لا يستعمل الإنسان المال الذي يجب عليه التخلص منه في نفقة أو دين أو التزام مالي يعود نفعه إليه؛ لأن ذلك انتفاع به. أما رد المال إلى صاحبه أو قضاء دين صاحب المال المجهول عنه فباب آخر. ومن كان فقيرا فقرا شديدا فهناك تفصيل عند أهل العلم، ولا يأخذ لنفسه شيئا بمجرد دعوى الحاجة حتى يسأل عن حاله.

سؤال وجواب

هل يجوز بناء مسجد أو طباعة مصاحف بالمال الحرام؟

المال الذي له صاحب معين يجب رده إليه، فلا يبنى به مسجد ولا تطبع به مصاحف. أما الكسب المحرم الذي لا صاحب معين له، فمصرفه عند أهل العلم الفقراء والمصالح العامة، لكن وقع خلاف في صرفه في بناء المساجد ونحوها؛ فدفعه إلى الفقراء أو المصالح العامة الواضحة أبعد عن الإشكال، ويسأل أهل العلم في الحالات الخاصة.

سؤال وجواب

هل تحسب زكاة المال من المبلغ الحرام؟

لا. الزكاة لا تطهر المال المسروق أو الفائدة الربوية ولا تقوم مقام رد المظالم. يخرج الحق المحرم أولا بحسب نوعه، ثم تحسب الزكاة الواجبة في المال الحلال المملوك إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول.

سؤال وجواب

هل جميع المال يصبح حراما إذا اختلط به مبلغ محرم؟

لا. يخرج قدر الحرام ويبقى الحلال لصاحبه. وإذا كانت عين مسروقة معلومة داخل الأموال، وجب ردها بعينها أو رد بدلها الواجب، ولا يكفي إخراج مبلغ عشوائي.

سؤال وجواب

ماذا لو لم أعرف مقدار المال الحرام؟

يراجع السجلات ويجتهد في التقدير، ثم يخرج ما يغلب على ظنه أنه يبرئ ذمته. لا يتساهل فينقص، ولا يسترسل في الوسواس بعد بذل السبب والوصول إلى تقدير معتبر.

سؤال وجواب

هل راتبي حرام إذا كان صاحب الشركة يتعامل بالربا؟

لا يحكم على كل راتب بالتحريم لمجرد أن لصاحب الشركة مالا مختلطا. العبرة بطبيعة عمل الموظف: فإن كان عمله مباحا ولم يباشر الحرام أو يعن عليه، فلا يأخذ حكم أجرة المهمة المحرمة. أما من كانت وظيفته قائمة على إنشاء الربا أو ترويجه أو خدمة محرم، فعليه تركها وسؤال أهل العلم عن أجره السابق.

سؤال وجواب

هل يجوز قبول هدية ممن ماله مختلط؟

يجوز في الأصل قبولها إذا لم تعلم أن عينها مسروقة أو مغصوبة، ولا يلزمك تفتيش أموال الناس. أما إذا عرفت أن الهدية نفسها حق لشخص آخر، فلا يجوز قبولها. وقد يكون ترك هدية صاحب الكسب المحرم أنفع في نصحه بحسب الحال، لكن ذلك باب آخر غير الحكم على عين المال المختلط.

سؤال وجواب

ما حكم المال الحرام الموجود في الميراث؟

إذا عرف الورثة أن في التركة مالا مسروقا أو وديعة أو دينا أو حقا لغير الميت، وجب إخراجه قبل قسمة الميراث وردّه إلى صاحبه. وإذا علموا يقينا أن مبلغا معينا هو فائدة ربوية أو كسب محرم لا صاحب معين له، تخلصوا من القدر المتيقن في وجوه النفع، وهو الأبرأ للذمة. أما إذا لم يعلموا أن في التركة حراما، فلا يجب عليهم التجسس في كسب المورث ولا الحكم على ماله بالحرمة بالشك.

ولا يسوى بين فائدة ربوية معلومة بقيت في الحساب وبين بيت أو سلعة اشتراها الميت بمال اقترضه بعقد ربوي؛ فالإثم في الصورة الثانية متعلق بالعقد والزيادة المحرمة، ولا تصبح عين البيت أو السلعة محرمة لمجرد ذلك. ولتفاصيل الديون والعقود والتركات المركبة يرجع إلى عالم موثوق بعد عرض المستندات.

سؤال وجواب

ما حكم المال المكتسب قبل معرفة التحريم؟

إذا كان المال حقا لشخص، فالجهل لا يجعل ملكه للآخذ، بل يرد إليه. أما ما قبض بسبب معاملة كان صاحبها يجهل تحريمها حقيقة، ثم بلغه الحكم فانتهى، ففيه تفصيل تدل عليه آية الربا المتقدمة من سورة البقرة. ويجب التفريق بين الجاهل الصادق ومن كان يعلم ثم ادعى الجهل.

سؤال وجواب

هل المال الذي اقترضته بقرض ربوي يصبح كله حراما؟

الإثم يتعلق بالدخول في عقد الربا ودفع الزيادة المحرمة، أما أصل المال الذي اقترضه المدين فليس فائدة قبضها، ويجب عليه رد أصل الدين والسعي إلى إنهاء العقد وإسقاط الزيادة الربوية إن أمكن. ولا يلزمه إتلاف السلعة التي اشتراها بالقرض، لكن تلزمه التوبة من العقد المحرم. وتراجع العقود المعينة مع عالم موثوق لأن صور التمويل تختلف.

سؤال وجواب

هل يجوز دفع مال للحصول على حقي؟

إذا لم يمكن الوصول إلى حق ثابت أو دفع ظلم إلا بدفع المال، ولم يؤد ذلك إلى ظلم غيرك أو التقدم عليه بغير حق، فقد رخص جماعة من أهل العلم للدافع، ويكون الإثم على الآخذ. أما الدفع للحصول على باطل أو إسقاط واجب أو أخذ دور غيرك فهو رشوة محرمة.

سؤال وجواب

ماذا تفعل الزوجة والأولاد إذا كان العائل يكسب من الحرام؟

ينصحونه بالحكمة، ولا يعينونه على المعصية، ويتجنبون ما يعلمون أنه مال مسروق أو حق معين للناس. وإذا كانوا محتاجين ولا مورد لهم، فلا يحملون ما لا يطيقون، ويأخذون قدر حاجتهم بالمعروف من المال المختلط مع الاستمرار في النصح والسعي إلى البديل الحلال. أما الحالات التي يكون فيها الدخل كله من مصدر محرم أو تكون فيها أعيان حقوق الناس معلومة فتحتاج إلى سؤال أهل العلم بحسب القدرة والحاجة.

سؤال وجواب

هل يجوز الحج أو العمرة أو الصدقة من المال الحرام؟

لا يتقرب المسلم إلى الله بمال يعلم أنه حق لغيره أو كسب محرم يجب التخلص منه. يبدأ برد الحقوق والتخلص من الحرام، ثم ينفق على عبادته من مال حلال. ومن أدى عبادة بمال محرم فعليه التوبة ورد الحقوق، ولا يسقط حق صاحب المال بمجرد أداء الحج أو العمرة أو الصدقة.

سؤال وجواب

هل يجب أن أفضح نفسي أو أعلن مصدر المال؟

لا يلزم أن يعلن الإنسان ذنبه للناس. يستر نفسه، ويرد الحقوق، ويسأل العالم أو المختص بقدر الحاجة من غير ذكر ما لا يلزم. لكن الستر لا يجيز الكذب أو تزوير السجلات أو إخفاء حق مستمر أو تعطيل إجراء واجب.

سؤال وجواب

هل يجوز للفقير أن يأخذ من المال الذي وجب عليه التخلص منه؟

الأصل أن يخرجه ولا ينتفع به. وقد أجاز بعض أهل العلم للتائب الفقير من بعض أنواع الكسب المحرم أن يأخذ قدر حاجته أو ما يبدأ به عملا مباحا، لكن هذا ليس حكما عاما، ولا يشمل الأموال المسروقة وحقوق الناس. لذلك لا يطبق الإنسان هذا الاستثناء على نفسه حتى يبين لعالم موثوق مصدر المال وحاجته ووجود أصحاب حقوق من عدمه.

أخطاء شائعة عند التخلص من المال الحرام
قسم المقال

أخطاء شائعة عند التخلص من المال الحرام

  • التصدق بالمال المسروق مع القدرة على رده لصاحبه.
  • إخراج مبلغ رمزي مع إبقاء معظم الكسب المحرم.
  • الاستمرار في العقد الربوي بحجة توزيع الفائدة.
  • احتساب المال المتخلص منه من الزكاة الواجبة.
  • دفع الديون والنفقات الشخصية به.
  • اعتبار كل المال حراما بسبب شبهة في جزء يسير منه.
  • رد أجرة العمل المحرم إلى الدافع من غير معرفة هل في الرد إعانة له أو جمع بين العوض والمنفعة.
  • الاعتماد على الظن في مسألة تعاقدية أو مالية معقدة من غير عرض العقد نفسه.
  • اليأس من التوبة بسبب العجز عن سداد كل الحقوق دفعة واحدة.
  • الاسترسال في الوسواس بعد التقدير الصادق وإخراج الحق.
متى يجب سؤال عالم موثوق؟
قسم المقال

متى يجب سؤال عالم موثوق؟

يجب طلب فتوى خاصة عند وجود واحد من الأمور الآتية:

  • اختلاط أموال أشخاص متعددين أو جهات عامة.
  • أرباح نتجت من استثمار مال مسروق أو مغصوب.
  • شركة فيها أعمال حلال وأعمال محرمة متداخلة.
  • عقد مصرفي أو تأميني أو استثماري معقد.
  • ميراث يشتمل على حقوق للناس وكسب محرم.
  • عجز شديد أو فقر مع عدم وجود دخل بديل.
  • نزاع في قيمة المال أو تغيره أو التعويض عنه.
  • احتمال ترتب ضرر قانوني أو ضياع حق عند طريقة الرد.

ويعرض السائل الوقائع والأرقام والعقود كما هي، لا النتيجة التي يرغب فيها؛ لأن الحكم يتغير بتغير حقيقة المعاملة.

خاتمة
الخلاصة

خاتمة

التوبة من المال الحرام تجمع بين إصلاح القلب وإصلاح المال. فمن صدق مع الله لم يكتف بكلمة الاستغفار مع إبقاء الظلم، ولم يؤخر التوبة حتى يجمع المبلغ كله، بل أوقف الحرام، ورد ما استطاع، ووثق ما بقي، وانتقل إلى الكسب الطيب.

والمال الحلال القليل خير من مال كثير يمحق بركته الحرام. ومن ترك شيئا لله، وأدى حقوق الناس، وتحرى الصدق في كسبه، رجونا أن يفتح الله له أبواب رزق لم يحتسبها، وأن يبارك له في ماله وأهله.

نسأل الله أن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، وأن يرزقنا توبة نصوحا، وكسبا طيبا، وقلبا سليما، وأن يعيننا على أداء الحقوق إلى أهلها.