قسمثانيا: ما الشرك الأصغر؟
الشرك الأصغر هو كل قول أو عمل سماه الشرع شركا ولم يبلغ حد الشرك الأكبر. ويدخل فيه ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر وقد سماه الشرع شركا. وهو لا يخرج صاحبه من الإسلام، لكنه من أعظم الذنوب، وينقص التوحيد الواجب، وقد يبطل العمل الذي قارنه.
ولا يصح الاستهانة به لأنه سمي أصغر؛ فالمقصود أنه أصغر من الشرك الأكبر، لا أنه ذنب يسير.
من أمثلة الشرك الأصغر
1. الرياء في العبادة
الرياء أن يعمل المسلم العبادة لله، لكنه يزينها أو يظهرها طلبا لنظر الناس ومدحهم. وهو من أخطر صور الشرك الأصغر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ".
قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:
"الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً".
رواه أحمد، وإسناده حسن.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى:
"أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ".
رواه مسلم.
فإن كان الرياء هو الباعث على العبادة من أصلها لم يقبل ذلك العمل. وإن بدأ العبادة مخلصا ثم طرأ عليه الرياء فدافعه وكرهه لم يضره. أما إن استرسل معه واطمأن إليه، فإن كان العمل متصلا كالصلاة أثر في العمل بحسب تفصيله، وإن كان منفصلا كالصدقات المتعددة بطل ما قارنه الرياء دون ما سبقه من عمل خالص. ويرجع في الواقعة المعينة إلى أهل العلم. وعلى المسلم أن يجاهد نيته، ولا يترك العمل الصالح خوفا من الرياء، بل يخلصه لله.
والمقصود بالرياء الذي يعد شركا أصغر ما يقع من مسلم ثابت الإيمان، فيدخل الرياء على بعض عمله. أما رياء المنافق الذي يظهر الإسلام والعبادة للناس وهو لا يؤمن بالله في باطنه ولا يريد بعمله وجه الله أصلا، فهذا نفاق أكبر، وليس من الشرك الأصغر.
2. الحلف بغير الله
لا يجوز الحلف بالنبي، أو الكعبة، أو الأمانة، أو الوالدين، أو الشرف؛ لأن الحلف تعظيم لا يكون إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ".
رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
"لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأَنَا صَادِقٌ".
أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني. وليس في هذا إباحة الحلف الكاذب، فهو من الكبائر؛ وإنما أراد رضي الله عنه بيان أن سيئة الشرك الأصغر أشد من سيئة الكذب المجرد، مع وجوب اجتنابهما جميعا.
والأصل أن هذا من الشرك الأصغر، فإن اعتقد الحالف في المحلوف به تعظيما كتعظيم الله أو اعتقد فيه شيئا من خصائص الله، صار الأمر شركا أكبر بحسب اعتقاده.
3. التسوية بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق في اللفظ
لا يقال: ما شاء الله وشئت؛ لأن الواو تقتضي مطلق الجمع. وإنما يقال: ما شاء الله ثم شئت، إذا كانت للمخلوق مشيئة صحيحة تابعة لمشيئة الله.
قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال:
"أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ".
رواه أحمد، وصححه أهل العلم.
وكذلك لا يقال: لولا الله وفلان، بل يقال: لولا الله ثم فلان، إذا كان فلان سببا حقيقيا مباحا.
4. تعليق التمائم والاعتماد على ما لم يجعله الله سببا
التمائم ما يعلق لدفع العين أو البلاء أو جلب النفع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ".
رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وصححه أهل العلم.
والمقصود بالرقى هنا الرقى الشركية أو المجهولة المحرمة، أما الرقية بالقرآن والأدعية الصحيحة الخالية من الشرك فجائزة.
فمن اعتقد أن التميمة سبب للحفظ، مع اعتقاده أن الله وحده هو النافع الضار، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأن الله لم يجعلها سببا شرعيا ولا حسيا. ومن اعتقد أنها تنفع أو تضر بذاتها استقلالا، فهذا من الشرك الأكبر.
أما تعليق شيء من القرآن فقد اختلف فيه السلف، والأحوط والأبرأ للتوحيد تركه؛ لعموم النهي عن التمائم، ولأن الرقية الشرعية تكون بالقراءة والدعاء لا بالتعليق.
5. الطيرة والتشاؤم المؤثر في القرار
الطيرة هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو يوم أو رقم، فيترك الإنسان حاجته أو يقدم عليها بسبب هذا الوهم.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ".
ثم قال ابن مسعود رضي الله عنه: "وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ".
رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم. وبيّن أهل الحديث أن آخره من كلام ابن مسعود رضي الله عنه.
وهي من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن الأمر علامة أو سبب مع كون التدبير لله، أما إن اعتقد أن الشيء يتصرف بذاته في النفع والضر، فهذا من الشرك الأكبر.