الشرك الأكبر والأصغر

الشرك الأكبر والشرك الأصغر: الفرق والأمثلة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

التوحيد أعظم ما أمر الله به، والشرك أعظم ما نهى عنه؛ لأن حق الله على عباده أن يعبدوه وحده ولا يجعلوا له شريكا في شيء من العبادة. ومعرفة الشرك ليست بابا للجدل أو تتبع أخطاء الناس، بل هي علم يحتاجه المسلم ليحفظ إيمانه، ويخلص عبادته، ويحذر من الأقوال والأعمال التي تناقض التوحيد أو تنقصه.

قال الله تعالى:

{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له عفير، فقال:

"يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟".

قلت: الله ورسوله أعلم. قال:

"فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".

فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر به الناس؟ قال:

"لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا".

متفق عليه.

ما معنى الشرك؟
قسم

ما معنى الشرك؟

الشرك هو جعل شريك لله فيما يختص به سبحانه من الربوبية أو العبادة أو الأسماء والصفات. وأعظم صوره صرف شيء من العبادة لغير الله، كالدعاء، أو الذبح، أو النذر، أو السجود، أو الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله.

قال الله تعالى:

{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36].

والشرك الوارد في النصوص نوعان رئيسان: شرك أكبر يناقض أصل الإسلام، وشرك أصغر يناقض كمال التوحيد الواجب ولا يخرج صاحبه من الإسلام.

وللتوسع في أصل المسألة يراجع مقال: معنى التوحيد وأقسامه باختصار.

أولا: ما الشرك الأكبر؟
قسم

أولا: ما الشرك الأكبر؟

الشرك الأكبر هو صرف عبادة لغير الله، أو إثبات شريك لله في شيء من خصائص ربوبيته أو ألوهيته. وهو يناقض أصل التوحيد ويخرج من وقع فيه من الإسلام إذا انطبق الحكم عليه بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع.

قال الله تعالى:

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72].

من أمثلة الشرك الأكبر

1. دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله

الدعاء عبادة، فلا يجوز دعاء الأنبياء أو الأولياء بعد موتهم، ولا دعاء الملائكة أو الجن، ولا دعاء غائب لا يسمع بالأسباب المعتادة؛ لطلب مغفرة الذنوب، أو كشف الكربات الغيبية، أو شفاء لا يقدر عليه إلا الله، أو رزق الولد، أو النجاة من النار.

قال الله تعالى:

{وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].

وقال سبحانه:

{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ، وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ، وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13-14].

ولا يغير حقيقة هذا العمل أن يقول فاعله: إنما أطلب منهم أن يقربوني إلى الله أو يشفعوا لي؛ فقد ذكر الله هذه الشبهة عن المشركين فقال:

{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3].

2. الذبح أو النذر لغير الله

الذبح التعبدي والنذر عبادتان لا تصرفان إلا لله. فمن ذبح لقبر أو جني أو ولي تقربا إليه، أو نذر له طلبا للنفع أو دفعا للضر، فقد صرف عبادة لغير الله.

قال الله تعالى:

{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه سئل: أخصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: ما خصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء لم يعم به الناس كافة، إلا ما كان في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة مكتوبا فيها:

"لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ المَنَارَ".

رواه مسلم.

أما ذبح الحيوان بقصد اللحم وإكرام الضيف، مع ذكر اسم الله عليه، فليس من الذبح التعبدي لغير الله.

3. السجود أو الصلاة أو الطواف التعبدي لغير الله

الصلاة والسجود والطواف التعبدي عبادات لله وحده. فمن سجد لمخلوق تعبدا له، أو صلى لصاحب قبر، أو طاف بقبر تقربا إلى صاحبه، فقد صرف عبادة لغير الله.

أما الطواف بالكعبة فعبادة لله؛ لأن الله هو الذي شرعه، وليس عبادة لأحجار الكعبة.

4. جعل مخلوق شريكا لله في خصائص الربوبية

من اعتقد أن مخلوقا يخلق، أو يرزق، أو يدبر الكون استقلالا، أو يعلم الغيب المطلق، أو يملك النفع والضر بذاته من دون الله، فقد جعل لله شريكا في خصائص ربوبيته.

قال الله تعالى:

{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65].

ولا ينافي ذلك أن يطلع الله بعض رسله على شيء محدد من الغيب بوحي منه؛ فذلك علم علمهم الله إياه، لا علم ذاتي مستقل.

5. صرف المحبة أو الخوف أو الرجاء التعبدي لغير الله

المحبة التعبدية التي تقتضي غاية الذل والخضوع، والخوف السري من مخلوق يعتقد أنه يتصرف في الغيب بذاته، والرجاء الذي لا يكون إلا في الله؛ كلها عبادات قلبية يجب إخلاصها لله.

قال الله تعالى:

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذَابِ} [البقرة: 165].

أما محبة الوالدين والزوج والأولاد، أو الخوف الطبيعي من حيوان مؤذ أو عدو ظاهر، فليس شركا ما لم يتحول إلى عبادة أو اعتقاد يناقض التوحيد.

ما آثار الشرك الأكبر؟
قسم

ما آثار الشرك الأكبر؟

للشرك الأكبر أحكام خطيرة، منها:

  1. أنه يناقض أصل الإسلام.
  2. أنه يحبط جميع الأعمال إذا مات صاحبه عليه ولم يتب.
  3. أن من مات عليه لا يغفر له، ويحرم عليه دخول الجنة.
  4. أن التوبة الصادقة منه قبل الموت مقبولة.

قال الله تعالى:

{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الزمر: 65].

وقال سبحانه:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].

وهذا الوعيد في حق من مات على الشرك ولم يتب؛ أما من تاب قبل الموت فإن الله يقبل توبته.

ثانيا: ما الشرك الأصغر؟
قسم

ثانيا: ما الشرك الأصغر؟

الشرك الأصغر هو كل قول أو عمل سماه الشرع شركا ولم يبلغ حد الشرك الأكبر. ويدخل فيه ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر وقد سماه الشرع شركا. وهو لا يخرج صاحبه من الإسلام، لكنه من أعظم الذنوب، وينقص التوحيد الواجب، وقد يبطل العمل الذي قارنه.

ولا يصح الاستهانة به لأنه سمي أصغر؛ فالمقصود أنه أصغر من الشرك الأكبر، لا أنه ذنب يسير.

من أمثلة الشرك الأصغر

1. الرياء في العبادة

الرياء أن يعمل المسلم العبادة لله، لكنه يزينها أو يظهرها طلبا لنظر الناس ومدحهم. وهو من أخطر صور الشرك الأصغر.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ".

قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:

"الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً".

رواه أحمد، وإسناده حسن.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى:

"أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ".

رواه مسلم.

فإن كان الرياء هو الباعث على العبادة من أصلها لم يقبل ذلك العمل. وإن بدأ العبادة مخلصا ثم طرأ عليه الرياء فدافعه وكرهه لم يضره. أما إن استرسل معه واطمأن إليه، فإن كان العمل متصلا كالصلاة أثر في العمل بحسب تفصيله، وإن كان منفصلا كالصدقات المتعددة بطل ما قارنه الرياء دون ما سبقه من عمل خالص. ويرجع في الواقعة المعينة إلى أهل العلم. وعلى المسلم أن يجاهد نيته، ولا يترك العمل الصالح خوفا من الرياء، بل يخلصه لله.

والمقصود بالرياء الذي يعد شركا أصغر ما يقع من مسلم ثابت الإيمان، فيدخل الرياء على بعض عمله. أما رياء المنافق الذي يظهر الإسلام والعبادة للناس وهو لا يؤمن بالله في باطنه ولا يريد بعمله وجه الله أصلا، فهذا نفاق أكبر، وليس من الشرك الأصغر.

2. الحلف بغير الله

لا يجوز الحلف بالنبي، أو الكعبة، أو الأمانة، أو الوالدين، أو الشرف؛ لأن الحلف تعظيم لا يكون إلا بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ".

رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

"لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأَنَا صَادِقٌ".

أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني. وليس في هذا إباحة الحلف الكاذب، فهو من الكبائر؛ وإنما أراد رضي الله عنه بيان أن سيئة الشرك الأصغر أشد من سيئة الكذب المجرد، مع وجوب اجتنابهما جميعا.

والأصل أن هذا من الشرك الأصغر، فإن اعتقد الحالف في المحلوف به تعظيما كتعظيم الله أو اعتقد فيه شيئا من خصائص الله، صار الأمر شركا أكبر بحسب اعتقاده.

3. التسوية بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق في اللفظ

لا يقال: ما شاء الله وشئت؛ لأن الواو تقتضي مطلق الجمع. وإنما يقال: ما شاء الله ثم شئت، إذا كانت للمخلوق مشيئة صحيحة تابعة لمشيئة الله.

قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، فقال:

"أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ".

رواه أحمد، وصححه أهل العلم.

وكذلك لا يقال: لولا الله وفلان، بل يقال: لولا الله ثم فلان، إذا كان فلان سببا حقيقيا مباحا.

4. تعليق التمائم والاعتماد على ما لم يجعله الله سببا

التمائم ما يعلق لدفع العين أو البلاء أو جلب النفع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ".

رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وصححه أهل العلم.

والمقصود بالرقى هنا الرقى الشركية أو المجهولة المحرمة، أما الرقية بالقرآن والأدعية الصحيحة الخالية من الشرك فجائزة.

فمن اعتقد أن التميمة سبب للحفظ، مع اعتقاده أن الله وحده هو النافع الضار، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأن الله لم يجعلها سببا شرعيا ولا حسيا. ومن اعتقد أنها تنفع أو تضر بذاتها استقلالا، فهذا من الشرك الأكبر.

أما تعليق شيء من القرآن فقد اختلف فيه السلف، والأحوط والأبرأ للتوحيد تركه؛ لعموم النهي عن التمائم، ولأن الرقية الشرعية تكون بالقراءة والدعاء لا بالتعليق.

5. الطيرة والتشاؤم المؤثر في القرار

الطيرة هي التشاؤم بمرئي أو مسموع أو يوم أو رقم، فيترك الإنسان حاجته أو يقدم عليها بسبب هذا الوهم.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:

"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ".

ثم قال ابن مسعود رضي الله عنه: "وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ".

رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم. وبيّن أهل الحديث أن آخره من كلام ابن مسعود رضي الله عنه.

وهي من الشرك الأصغر إذا اعتقد أن الأمر علامة أو سبب مع كون التدبير لله، أما إن اعتقد أن الشيء يتصرف بذاته في النفع والضر، فهذا من الشرك الأكبر.

الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر
قسم

الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر

يمكن تلخيص أهم الفروق فيما يأتي:

  1. الشرك الأكبر يناقض أصل التوحيد، أما الأصغر فيناقض كماله الواجب.
  2. الشرك الأكبر يخرج من الإسلام عند تحقق الحكم في المعين، أما الأصغر فلا يخرج من الإسلام.
  3. الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، أما الأصغر فقد يحبط العمل الذي قارنه ولا يحبط جميع الأعمال.
  4. من مات على الشرك الأكبر من غير توبة يخلد في النار، أما صاحب الشرك الأصغر فلا يخلد فيها خلود الكفار.
  5. الشرك الأكبر لا يغفر لمن مات عليه، أما الشرك الأصغر فليس في حكم الأكبر من جهة الخلود والخروج من الملة، مع وجوب التوبة منه وخطورة أمره. وقد اختلف أهل العلم فيمن مات على الشرك الأصغر من غير توبة: هل يدخل تحت مشيئة الله كسائر الكبائر، أم لا بد أن يعاقب عليه ثم يكون مآله إلى الجنة؟ فلا يجزم في ذلك بقول واحد، والمتفق عليه أنه لا يخلد في النار خلود أهل الشرك الأكبر.
هل يمكن أن تتحول صورة من الشرك الأصغر إلى الأكبر؟
قسم

هل يمكن أن تتحول صورة من الشرك الأصغر إلى الأكبر؟

نعم، بعض الأعمال يختلف حكمها باختلاف الاعتقاد. فالحلف بغير الله شرك أصغر في أصله، لكنه يصير أكبر إذا عظم الحالف المخلوق كتعظيم الله. وتعليق التميمة شرك أصغر إذا اعتقدها سببا لم يجعله الله سببا، ويكون أكبر إذا اعتقد أنها تتصرف بذاتها استقلالا.

لكن ليس كل شرك أكبر ينقلب أصغر بمجرد قول صاحبه: لم أقصد عبادته. فالدعاء، والذبح التعبدي، والنذر، والسجود التعبدي عبادات في ذاتها؛ وصرفها لغير الله شرك أكبر، ولو سماها صاحبها توسلا أو طلب شفاعة.

هل الشرك الخفي قسم ثالث؟
قسم

هل الشرك الخفي قسم ثالث؟

الشرك الخفي وصف للشرك من جهة خفائه، وليس قسما موازيا دائما للأكبر والأصغر. فقد يكون الشرك الأصغر خفيا كالرياء، وقد يخفى في القلب اعتقاد يناقض أصل التوحيد.

ولهذا كان من الدعاء النافع الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم:

"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ".

رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى، وصححه أهل العلم.

أمور ليست شركا في أصلها
قسم

أمور ليست شركا في أصلها

ينبغي التفريق بين الشرك وبين الأسباب المباحة والعلاقات الطبيعية، ومن ذلك:

  1. طلب المساعدة من حي حاضر قادر في أمر يقدر عليه، كطلب حمل متاع أو إنقاذ غريق، ليس شركا.
  2. استعمال الدواء والأسباب النافعة المباحة ليس شركا، مع اعتقاد أن الله هو الشافي وأن السبب لا يعمل إلا بإذنه.
  3. محبة الوالدين والزوج والأولاد محبة طبيعية ليست شركا.
  4. الخوف من عدو أو حيوان مؤذ خوفا طبيعيا ليس شركا.
  5. شكر من أحسن إليك ومدحه بالحق ليس شركا، ما دام الفضل ينسب أولا إلى الله ولا يعتقد في المخلوق ما لا يقدر عليه.

وقد ذكر الله طلب الاستعانة من الحي القادر فقال:

{وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ، هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ، فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ، قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص: 15].

فالاستغاثة بموسى عليه السلام هنا كانت فيما يقدر عليه الإنسان الحاضر، وليست دعاء غيبيا ولا عبادة له.

الفرق بين الحكم على الفعل والحكم على شخص معين
قسم

الفرق بين الحكم على الفعل والحكم على شخص معين

يجب أن يتعلم المسلم أن النص قد يحكم على قول أو فعل بأنه شرك أكبر، لكن تنزيل حكم الردة على شخص معين باب آخر له شروط وموانع وتفاصيل، ويتولاه أهل العلم والقضاء الشرعي، لا عامة الناس ولا حسابات التواصل.

ومن ثبت إسلامه بيقين لا يجوز إخراجه منه بالظن. فقد يكون في الواقعة إكراه، أو خطأ في النقل، أو عدم قصد للفظ، أو مانع معتبر يحتاج إلى تحقيق. وهذا لا يغير الحكم العام على الفعل، لكنه يمنع التسرع في أحكام الأعيان.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا".

متفق عليه.

فلا يجوز استعمال هذا المقال لتكفير أشخاص بأعيانهم، أو الاعتداء عليهم، أو إسقاط حقوقهم، بل المقصود معرفة التوحيد، والحذر من الشرك، ودعوة الناس إلى الحق بعلم وعدل ورحمة.

كيف يحمي المسلم نفسه من الشرك؟
قسم

كيف يحمي المسلم نفسه من الشرك؟

  1. يتعلم التوحيد من القرآن والسنة على فهم الصحابة والسلف الصالح.
  2. يعرف معاني العبادات القلبية والقولية والعملية حتى لا يصرفها لغير الله.
  3. يخلص عمله لله، ويجاهد الرياء، ولا يترك الطاعة خوفا منه.
  4. يبتعد عن السحرة والكهان والتمائم والرقى المجهولة.
  5. يزن الألفاظ بميزان الشرع، فيقول: ما شاء الله ثم شاء فلان.
  6. يعتمد على الله، ويأخذ بالأسباب المباحة من غير تعلق القلب بها.
  7. يكثر من الدعاء بأن يثبته الله على التوحيد ويعيذه من الشرك.
  8. يتوب فور علمه بخطئه، ويزيل سببه وآثاره.
هل تقبل التوبة من الشرك؟
قسم

هل تقبل التوبة من الشرك؟

نعم. باب التوبة مفتوح للعبد ما لم تبلغ روحه الحلقوم، ومفتوح للناس قبل طلوع الشمس من مغربها. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ".

رواه الترمذي وأحمد، وحسنه أهل العلم.

وقال صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ".

رواه مسلم.

فمن وقع في شرك ثم تاب إلى الله، وترك الشرك، وأخلص العبادة لله، وندم على ما مضى، فإن الله يغفر له.

قال الله تعالى:

{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا، فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 68-70].

أسئلة شائعة
سؤال

هل كل ذنب يعد شركا؟

لا. الذنوب منها شرك أكبر، وشرك أصغر، وكبائر، وصغائر. فلا يجوز تسمية كل معصية شركا من غير دليل، كما لا يجوز تهوين ما سماه الله ورسوله شركا.

سؤال

هل المسلم معصوم من الوقوع في الشرك الأصغر؟

لا. قد يقع المسلم في الرياء أو الحلف بغير الله أو لفظ من ألفاظ الشرك الأصغر، ولذلك يجب عليه التعلم والتوبة وتصحيح قوله وعمله.

سؤال

هل دعاء الميت ليشفع عند الله شرك أكبر؟

نعم، دعاء الميت وطلب الشفاعة منه دعاء لغير الله، والدعاء عبادة. والشفاعة تطلب من الله؛ لأنها ملكه، ولا تكون يوم القيامة إلا بإذنه ورضاه.

قال الله تعالى:

{قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزمر: 44].

سؤال

هل طلب الدعاء من المسلم الحي جائز؟

نعم، يجوز أن تطلب من مسلم حي حاضر أن يدعو الله لك، مع تعلق قلبك بالله لا بالشخص. أما دعاء الميت أو الغائب وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله فليس من هذا الباب.

سؤال

هل زيارة القبور شرك؟

لا. الزيارة الشرعية للاتعاظ وتذكر الآخرة والدعاء للأموات مشروعة. والشرك هو دعاء المقبور، أو الاستغاثة به، أو الذبح والنذر له، أو الطواف بقبره تقربا إلى صاحبه. أما مجرد الطواف بقبر من غير قصد التقرب إلى صاحبه فليس مشروعا، وتفصيل حكم الشخص والفعل يرجع فيه إلى أهل العلم.

سؤال

هل الحلف بالنبي أو بالكعبة شرك أكبر؟

الأصل أنه شرك أصغر محرم، وليس شركا أكبر إلا إذا تضمن تعظيم المخلوق كتعظيم الله أو اعتقاد شيء من خصائص الله فيه. والواجب أن يحلف المسلم بالله وحده أو يصمت.

سؤال

ماذا يقول من اعتاد الحلف بغير الله؟

يتوب إلى الله، ويترك هذه العادة، ويقول في يمينه عند الحاجة: والله، أو لا يحلف. وإذا حلف باللات أو العزى أو اسم معبود من دون الله قال: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ". متفق عليه. ويبادر إلى الاستغفار وتصحيح لسانه، ولا يلزمه الوفاء بالحلف بغير الله؛ لأنه لا ينعقد يمينا شرعية.

سؤال

هل قول «ما شاء الله وشئت» شرك؟

هو من الشرك الأصغر في اللفظ، والصواب أن يقال: ما شاء الله ثم شئت، أو ما شاء الله وحده؛ لأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله.

سؤال

هل كل من أظهر عملا صالحا يكون مرائيا؟

لا. قد يظهر الإنسان العمل للتعليم أو للاقتداء أو لسبب صحيح، والعبرة بنيته. لكن عليه أن يراقب قلبه، وألا يقصد مدح الناس. وإخفاء النافلة أقرب إلى الإخلاص إذا لم توجد مصلحة معتبرة في إظهارها.

سؤال

هل خواطر الرياء العابرة تبطل العبادة؟

الخواطر التي يكرهها العبد ويدفعها لا تجعله مرائيا ولا تبطل عبادته. الخطر في استرسال القلب مع الرياء والعمل لأجل الناس. فعليه أن يستعيذ بالله ويصحح نيته ويستمر في الطاعة.

سؤال

هل الوساوس القهرية في الشرك تخرج من الإسلام؟

لا. الوساوس التي يكرهها المسلم ولا يختارها ليست اعتقادا ولا عملا مقصودا، ولا يخرج بها من الإسلام. يعرض عنها، ولا يكرر الشهادة أو التوبة بسبب كل خاطر، ويطلب العلاج إذا تحولت إلى وسواس قهري يعطل حياته وعبادته.

سؤال

هل لبس التميمة جائز إذا كانت للزينة فقط؟

إن كانت في صورتها وعرف الناس تميمة للحفظ أو دفع العين، فينبغي تركها ولو ادعى لابسها الزينة؛ سدا للذريعة ومنعا للالتباس. أما الحلي المعتاد الذي لا يحمل معنى التميمة ولا يعتقد فيه نفع أو دفع ضرر فالأصل فيه الإباحة ضمن أحكام اللباس.

سؤال

هل استعمال الأسباب ينافي التوكل؟

لا. التوكل الصحيح يجمع بين اعتماد القلب على الله وفعل السبب المباح. الخطأ أن يعتمد القلب على السبب، أو يجعل شيئا سببا لم يجعله الله سببا شرعا ولا قدرا.

سؤال

هل يجوز لعامة الناس تكفير من وقع في فعل شركي؟

لا يتولون تكفير الأعيان أو ترتيب أحكام الردة عليهم. يبينون الحكم العام بالدليل، وينصحون برفق، ويردون الحالات المعينة إلى العلماء المعتبرين؛ لأن تكفير المعين يحتاج إلى ثبوت الفعل، وفهم الحال، وتحقق الشروط، وانتفاء الموانع.

سؤال

ما الدعاء الذي يحفظ المسلم به توحيده؟

من أنفع الأدعية:

"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ".

ويكثر من سؤال الله الثبات والهداية والإخلاص، ويتعلم التوحيد ويعمل به.

خلاصة المقال
خلاصة

خلاصة المقال

الشرك الأكبر صرف عبادة لغير الله أو جعل شريك له في خصائصه، وهو يناقض أصل الإسلام ويحبط جميع الأعمال لمن مات عليه. أما الشرك الأصغر، كالرياء والحلف بغير الله وبعض الألفاظ والتمائم والطيرة، فلا يخرج من الإسلام لكنه من أعظم الذنوب وينقص التوحيد وقد يبطل العمل الذي قارنه.

والواجب على المسلم أن يجمع بين تعظيم التوحيد والحذر من الشرك، وبين العلم والعدل في تطبيق الأحكام؛ فلا يهون الشرك، ولا يتسرع في تكفير الأعيان، بل يتعلم، ويخلص العبادة لله، ويتوب من الخطأ، ويدعو إلى الحق بالحكمة.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.