العقيدة والإيمان

أركان الإيمان الستة ومعانيها باختصار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أركان الإيمان الستة هي أصول الاعتقاد التي لا يقوم إيمان العبد إلا عليها: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وليست مجرد كلمات تحفظ، بل حقائق يصدق بها القلب، ويقر بها اللسان، وتظهر آثارها على عبادة المسلم وعمله وسلوكه.

قال الله تعالى:

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ} [البقرة: 285].

وقال سبحانه:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136].

حديث جبريل وأركان الإيمان الستة
قسم

حديث جبريل وأركان الإيمان الستة

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:

"بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا. قَالَ: أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ. قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ".

رواه مسلم.

فجمع الحديث مراتب الدين: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وبين أن أركان الإيمان ستة.

ما معنى الإيمان عند أهل السنة؟
قسم

ما معنى الإيمان عند أهل السنة؟

الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وليس مجرد معرفة ذهنية أو دعوى باللسان لا أثر لها في العمل.

قال الله تعالى:

{إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ".

رواه مسلم.

فجمع الحديث بين اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.

الركن الأول: الإيمان بالله
قسم

الركن الأول: الإيمان بالله

الإيمان بالله هو أصل الأصول، ويتضمن:

  1. الإيمان بوجود الله سبحانه.
  2. الإيمان بأنه وحده الرب الخالق المالك المدبر الرازق.
  3. إفراده وحده بجميع أنواع العبادة، فلا يدعى ولا يستغاث فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يذبح ولا ينذر عبادة إلا له.
  4. الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى كما جاءت في القرآن والسنة، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.

قال الله تعالى:

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1-4].

وقال سبحانه:

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11].

فالله سبحانه موصوف بصفات الكمال، ولا يشبهه شيء من خلقه. والإيمان بربوبيته يوجب إفراده بالعبادة، فلا يكفي أن يقر العبد بأن الله هو الخالق ثم يصرف الدعاء أو الذبح أو النذر لغيره.

وللتفصيل يمكن مراجعة مقال معنى التوحيد وأقسامه باختصار.

الركن الثاني: الإيمان بالملائكة
قسم

الركن الثاني: الإيمان بالملائكة

الملائكة خلق حقيقي من عالم الغيب، خلقهم الله من نور، وهم عباد مكرمون لا يعصون الله فيما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وليسوا آلهة، ولا أبناء لله، ولا قوى رمزية أو خيالا.

قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ، عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"خُلِقَتِ المَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ".

رواه مسلم.

ونؤمن بمن سماه الله ورسوله منهم، كجبريل وميكائيل، وبما ثبت من أعمالهم؛ فمنهم الموكل بالوحي، ومنهم الموكل بالنفخ في الصور، ومنهم من يكتب أعمال العباد، ومنهم خزنة الجنة والنار. ولا نسمي ملكا ولا نثبت له عملا معينا إلا بدليل.

ولا يجوز دعاء الملائكة أو الاستغاثة بهم؛ فهم عباد لله لا يملكون شيئا من خصائص الربوبية أو العبادة.

الركن الثالث: الإيمان بالكتب
قسم

الركن الثالث: الإيمان بالكتب

الإيمان بالكتب هو التصديق بأن الله أنزل على رسله كتبا بكلامه، هداية لعباده، وأنها كانت حقا عند نزولها. ونؤمن بما سماه الله منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، ونؤمن إجمالا بما لم يسمه لنا.

والقرآن آخر الكتب المنزلة، وهو كلام الله غير مخلوق، أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظه من التبديل، وجعله مهيمنا على ما قبله من الكتب وحاكما عليها.

قال الله تعالى:

{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ، لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48].

وقال سبحانه:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

فنؤمن بالكتب السابقة كما أنزلها الله، لكننا لا نعتقد أن النسخ الموجودة اليوم بقيت كلها على صورتها الأولى من غير تغيير. وبعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وجب على جميع الناس اتباعه؛ فشريعته خاتمة الشرائع وناسخة لما قبلها، ولا يتعبد بشريعة سابقة استقلالا. وما أقرته شريعته من أحكام من قبلنا نتبعه لأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أقرته.

الركن الرابع: الإيمان بالرسل
قسم

الركن الرابع: الإيمان بالرسل

الإيمان بالرسل هو التصديق بأن الله اصطفى من البشر رسلا أوحى إليهم، وأرسلهم إلى عباده مبشرين ومنذرين، يدعون جميعا إلى عبادة الله وحده واجتناب الشرك.

قال الله تعالى:

{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ، فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} [النحل: 36].

فنؤمن بجميع الأنبياء والرسل الذين سماهم الله، ونؤمن إجمالا بمن لم يسمهم. ولا نكذب واحدا منهم ولا ننتقصه. وهم بشر مخلوقون وعباد لله، لا يملكون شيئا من خصائص الألوهية، وقد بلغوا رسالات ربهم.

ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، أرسله الله إلى الناس جميعا، فلا نبي بعده، ولا يسع أحدا بعد بعثته أن يتبع دينا غير الإسلام الذي جاء به.

قال الله تعالى:

{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40].

ومعنى قول الله تعالى: {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} أننا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، وليس معناه أنهم متساوون في الفضل؛ فقد فضل الله بعض النبيين على بعض.

الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر
قسم

الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر

الإيمان باليوم الآخر هو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله ورسوله مما يكون بعد الموت، ومن ذلك فتنة القبر ونعيمه وعذابه، والبعث، والحشر، والحساب، والكتب، والميزان، والحوض، والصراط، والشفاعة، والجنة والنار، ورؤية المؤمنين ربهم في الآخرة.

قال الله تعالى:

{وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ} [الحج: 7].

وقال سبحانه:

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ، وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ} [آل عمران: 185].

ومن أعظم نعيم أهل الجنة رؤية المؤمنين ربهم بأبصارهم رؤية حقيقية تليق بجلاله، من غير إحاطة ولا تكييف، كما قال سبحانه:

{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23].

والشفاعة يوم القيامة ملك لله، فلا يشفع أحد إلا بإذنه، ولا تنجي الشفاعة من النار إلا من رضي الله عن توحيده. وقد ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم خصوصية الشفاعة في عمه أبي طالب بتخفيف العذاب عنه دون إخراجه من النار. فلا يجوز طلب الشفاعة من الأموات أو دعاؤهم من دون الله.

قال الله تعالى:

{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26].

والجنة والنار مخلوقتان موجودتان، أعد الله الجنة للمتقين، وأعد النار للكافرين، ولا تفنيان. ومن مات على التوحيد وعنده ذنوب لم تخرجه من الإسلام فهو تحت مشيئة الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، ومن دخل النار من عصاة الموحدين فلا يخلد فيها أبدا.

قال الله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48].

والإيمان باليوم الآخر يحمل المسلم على الاستعداد بالعمل الصالح، ورد المظالم، والخوف من الحساب، والرجاء في رحمة الله.

الركن السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره
قسم

الركن السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره

الإيمان بالقدر هو التصديق بأن الله علم كل شيء، وكتب مقادير الخلائق، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء. ويشرح أهل السنة مراتب القدر بأربع مراتب:

  1. العلم: أن الله علم كل شيء أزلا وأبدا، لا يخفى عليه شيء.
  2. الكتابة: أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ.
  3. المشيئة: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
  4. الخلق: أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك ذوات العباد وقدراتهم وأعمالهم.

قال الله تعالى:

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49].

وقال سبحانه:

{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70].

وللعبد مشيئة وقدرة حقيقية، وبها يفعل ويترك ويحاسب، لكنها واقعة تحت مشيئة الله. فلا يقول أهل السنة إن العبد مجبور لا اختيار له، ولا يقولون إن أفعاله خارجة عن علم الله ومشيئته وخلقه.

قال الله تعالى:

{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ} [التكوير: 28-29].

ومعنى الإيمان بالقدر خيره وشره أن كل ما يقع من محبوب أو مؤلم داخل في علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه. وأفعال الله كلها قائمة على الحكمة والعدل، فلا ينسب إليه شر محض؛ لكن قد يكون في بعض المقدورات ألم أو شر بالنسبة إلى العبد، وتكون لله فيه حكمة بالغة.

ولا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعصية؛ لأن الله أعطى العبد إرادة وقدرة، وأمره ونهاه، ولم يطلعه على قدره قبل العمل. وإنما يؤمن بالقدر، ويستعين بالله على الطاعة، ويتوب إذا أذنب، ويصبر إذا أصابته مصيبة.

كيف تؤثر أركان الإيمان في حياة المسلم؟
قسم

كيف تؤثر أركان الإيمان في حياة المسلم؟

الإيمان الصحيح بهذه الأركان يثمر:

  1. إخلاص العبادة لله والثقة به والتوكل عليه.
  2. مراقبة الله؛ لأن الملائكة تكتب أعمال العبد.
  3. تعظيم القرآن والاهتداء به.
  4. محبة الرسل واتباع خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.
  5. الاستعداد للقاء الله وعدم الاغترار بالدنيا.
  6. الصبر عند المصائب، والشكر عند النعم، وترك العجز والاتكال.
  7. زيادة الطاعة والبعد عن الشرك والخرافة والقول على الله بغير علم.
أسئلة شائعة عن أركان الإيمان
سؤال وجواب

ما الفرق بين أركان الإسلام وأركان الإيمان؟

إذا ذكرا معا، فأركان الإسلام تتعلق بالأعمال الظاهرة الكبرى: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. وأركان الإيمان تتعلق بأصول الاعتقاد الباطنة الستة. ولا يستغني الظاهر عن الباطن ولا الباطن عن الظاهر؛ فالدين يشمل اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الجوارح.

أما إذا ذكر الإسلام وحده دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان وحده دخلت فيه أعمال الإسلام الواجبة بحسب السياق.

سؤال وجواب

هل أركان الإيمان الستة هي جميع مسائل العقيدة؟

هي أصول جامعة تتفرع عنها مسائل العقيدة؛ فالإيمان بالله يدخل فيه توحيده وأسماؤه وصفاته، والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه كل ما ثبت من أحوال البرزخ والقيامة، وهكذا. والمقال يبين معاني هذه الأصول باختصار، أما تفاصيلها فتطلب من القرآن والسنة وشروح أهل العلم الموثوقين.

سؤال وجواب

هل الإحسان ركن سابع من أركان الإيمان؟

لا. أركان الإيمان ستة كما في حديث جبريل. والإحسان مرتبة من مراتب الدين، ومعناه أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فحديث جبريل جمع مراتب الدين الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان.

سؤال وجواب

هل يكفي أن يقول الإنسان: الإيمان في القلب؟

لا يكفي مجرد الادعاء. أصل الإيمان في القلب، لكن الإيمان الشرعي يشمل قول اللسان وعمل القلب والجوارح. والطاعة تزيد الإيمان، والمعصية تنقصه. ولا يعني ذلك أن كل معصية تخرج المسلم من الإسلام؛ فالمعاصي ليست درجة واحدة، والحكم على فعل أو شخص معين له ضوابطه.

سؤال وجواب

هل الملائكة قوى معنوية أو رموز للخير؟

لا. الملائكة مخلوقات حقيقية من عالم الغيب، خلقهم الله من نور، ولهم أعمال وصفات ثبتت في الوحي. وتحويلهم إلى رموز فقط مخالف لما جاء به القرآن والسنة.

سؤال وجواب

هل نؤمن بالنسخ الموجودة اليوم من الكتب السابقة كما هي؟

نؤمن بأن التوراة والإنجيل وغيرهما أنزلها الله على رسله حقا، ونؤمن بما أخبرنا القرآن بصحته منها. أما ما في أيدي الناس اليوم فلا نصدق كل ما فيه ولا نكذب كل ما فيه من غير دليل؛ فقد دخله التغيير، والقرآن هو الكتاب المحفوظ المهيمن والحاكم على ما قبله.

سؤال وجواب

هل عدم التفريق بين الرسل يعني أنهم متساوون في الفضل؟

لا. معناه الإيمان بهم جميعا وعدم تكذيب واحد منهم. أما الفضل فقد قال الله تعالى:

{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ، وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253].

وأفضل الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خاتمهم.

سؤال وجواب

هل الإيمان بالقدر يعني أن الإنسان مجبور؟

لا. للإنسان إرادة وقدرة حقيقية، ولذلك أمره الله ونهاه وحاسبه. لكن إرادته وقدرته لا تخرجان عن علم الله ومشيئته وخلقه. فالعبد فاعل حقيقة، والله خالقه وخالق قدرته وعمله.

سؤال وجواب

هل يجوز الاحتجاج بالقدر على الذنوب؟

لا. من احتج بالقدر على المعصية قيل له: لم تعرف ما قدر لك قبل أن تفعل، وقد أعطاك الله عقلا وقدرة وبين لك طريق الخير والشر. فالواجب أن تتوب من الذنب، لا أن تجعل القدر حجة للاستمرار فيه. أما بعد المصيبة التي لم يخترها العبد، فيشرع له أن يؤمن بالقدر ويصبر.

سؤال وجواب

هل يزيد الإيمان وينقص؟

نعم. يزيد بطاعة الله والعلم النافع وذكره وتلاوة كتابه، وينقص بالمعصية والغفلة وترك الواجبات. ولا يزول أصل الإيمان بمجرد كل معصية؛ فالذنوب ليست في درجة واحدة، ومنها ما يناقض أصل الإيمان ومنها ما ينقص كماله الواجب.

سؤال وجواب

هل يصح الإيمان ببعض الأركان ورفض بعضها؟

لا يصح الإيمان مع جحد أصل ثابت من أصول الإيمان الستة؛ فهي دين واحد جاء به الوحي. لكن الحكم على شخص معين بالكفر ليس للأفراد المتعجلين، بل له شروط وموانع ويرجع فيه إلى أهل العلم والقضاء الشرعي عند الحاجة.

سؤال وجواب

هل يجوز الخوض في كيفية صفات الله أو حقيقة عالم الغيب؟

لا نتكلم في الغيب بغير دليل. نثبت ما أخبر الله ورسوله به، ونقف عند النص، فلا نكيف صفات الله، ولا نتخيل حقيقة الملائكة أو تفاصيل اليوم الآخر والقدر من عند أنفسنا. فالعقل الصحيح لا يعارض الوحي الصحيح، لكنه لا يستقل بمعرفة تفاصيل الغيب.

خاتمة
الخلاصة

خاتمة

أركان الإيمان الستة أساس العقيدة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ومن تعلم معانيها وعمل بمقتضاها ازداد معرفة بربه، وتعظيما لوحيه، واتباعا لرسله، واستعدادا للآخرة، ورضا وتسليما لما قدره الله مع بذل الأسباب المشروعة.

فليس المقصود حفظ أسماء الأركان فقط، وإنما تحقيقها علما وتصديقا وقولا وعملا، وسؤال أهل العلم عما أشكل من تفاصيلها.