فقه الأيمان والنذور

الأيمان والنذور والكفارات: متى تجب الكفارة وكيف تؤدى؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

يكثر الحلف في كلام الناس، وقد يلزم بعضهم نفسه بنذر عند مرض أو نجاح أو حاجة، ثم لا يدري: هل انعقد قوله؟ وهل يجب الوفاء به؟ وهل تلزمه كفارة؟ وهل يطعم أو يصوم؟

وهذه الأحكام لا تبنى على مجرد الشعور بالندم، بل على اللفظ والنية ونوع الالتزام وما وقع بعده. لذلك يبين هذا المقال القواعد العامة للأيمان والنذور وكفارة اليمين، أما الألفاظ المحتملة، والطلاق المعلق، والتحريم، والنذور المعقدة، فتحتاج إلى عرض العبارة والنية والواقعة كاملة على عالم موثوق.

وينبغي التنبه إلى أن كفارة اليمين ليست هي كفارة الظهار، ولا كفارة الجماع في نهار رمضان، ولا كفارة القتل الخطأ؛ فلكل باب أحكامه وترتيبه.

ما الفرق بين اليمين والنذر والكفارة؟
قسم المقال

ما الفرق بين اليمين والنذر والكفارة؟

اليمين الشرعية هي توكيد أمر بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته، مثل قول المسلم: والله لأفعلن كذا، أو وعزة الله لا أفعل كذا.

النذر هو أن يلزم المسلم البالغ العاقل المختار نفسه لله بشيء لم يكن لازما له بأصل الشرع، بصيغة تدل على الالتزام. والنذر الذي يجب الوفاء به هو نذر الطاعة، مثل قوله: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام إن شفى الله مريضي، أما نذر المعصية فلا يجوز الوفاء به.

ولا ينعقد النذر بمجرد حديث النفس أو النية التي لم يتلفظ بها صاحبها، ولا بمجرد قول: سأفعل كذا، ما لم توجد صيغة تدل على إلزام النفس لله، مثل: لله علي أن أفعل كذا. وقد تختلف بعض العبارات بحسب اللغة والعرف والنية، فيسأل عنها أهل العلم عند الاشتباه.

الكفارة عبادة شرعها الله لجبر مخالفة معينة، ولا يحددها الإنسان من عنده. وكفارة اليمين لها خصال وترتيب بينه القرآن، فلا تستبدل بما يراه الشخص أنفع أو أسهل.

لا يجوز الحلف إلا بالله
قسم المقال

لا يجوز الحلف إلا بالله

الحلف باب من أبواب التعظيم، فلا يجوز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا بالكعبة، ولا بالأمانة، ولا بحياة الوالدين، ولا بالشرف أو الذمة أو القبر أو غير ذلك من المخلوقات.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ".

متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ".

رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.

والحلف بغير الله من الشرك الأصغر في أصل حكمه، ويكون أكبر إذا اعتقد الحالف في المحلوف به تعظيما يساوي تعظيم الله، أو اعتقد أنه يستحق العبادة أو يملك النفع والضر استقلالا. ومن حلف بغير الله وجب عليه أن يتوب ويترك هذا اللفظ، ولا تنعقد يمينه ولا تلزمه بها كفارة يمين.

ويجوز الحلف باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته، كقول المسلم: والله، أو وعزة الله. والقرآن كلام الله غير مخلوق، فمن حلف بالقرآن قاصدا كلام الله فقد حلف بصفة من صفاته، لكن لا يشرع تكلف وضع اليد على المصحف أو اتخاذ ذلك مراسم لازمة للحلف.

أنواع الأيمان وأحكامها

أولا: يمين اللغو

هي التي تجري على اللسان من غير قصد عقد اليمين، كقول الشخص في حديثه المعتاد: لا والله، وبلى والله، من غير أن يقصد إلزام نفسه. ومن صورها عند طائفة من أهل العلم أن يحلف على أمر يظنه صادقا بحسب ما ظهر له، ثم يتبين خلافه، من غير تعمد للكذب. وعلى كل حال، فمن أخبر بما اعتقد صدقه ثم ظهر خطؤه فليس كمن تعمد اليمين الكاذبة.

قال الله تعالى:

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225].

فيمين اللغو لا إثم فيها ولا كفارة.

ثانيا: اليمين المنعقدة

هي اليمين التي يقصدها المسلم بقلبه، ويحلف بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته على فعل أمر ممكن في المستقبل أو تركه. مثل قوله قاصدا: والله لأزور قريبي غدا، أو والله لا أشتري هذا الشيء.

إذا خالف ما حلف عليه عالما مختارا، وجبت عليه كفارة اليمين. وقد يجوز له أن يكفر قبل الحنث إذا ظهر له أن غير ما حلف عليه خير، كما سيأتي.

أما من حلف بالله قاصدا على خبر ماض أو حاضر وكان صادقا، فلا كفارة عليه؛ لأن الكفارة تتعلق باليمين المنعقدة على فعل أمر مستقبل أو تركه ثم وقوع الحنث. ومع ذلك، لا ينبغي الإكثار من الحلف ولو كان صاحبه صادقا، بل يحفظ المسلم يمينه ولا يحلف إلا عند الحاجة.

ثالثا: اليمين الغموس

هي أن يحلف الإنسان بالله كاذبا متعمدا على أمر ماض أو حاضر، كمن يحلف أنه لم يأخذ مالا وهو يعلم أنه أخذه. وسميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في الإثم، وهي من كبائر الذنوب، ويشتد جرمها إذا استبيح بها مال أو حق لإنسان.

والراجح أن اليمين الغموس لا تكفي فيها كفارة اليمين؛ لعظم جرمها ولأنها ليست يمينا على أمر مستقبل ثم وقع الحنث فيها. والواجب هو التوبة النصوح، والندم، وترك الكذب، ورد الحقوق إلى أهلها أو طلب المسامحة منهم بالطريقة الشرعية. ولا يعني عدم وجوب الكفارة أن أمرها أخف؛ بل ذنبها أعظم.

متى تجب كفارة اليمين؟
قسم المقال

متى تجب كفارة اليمين؟

تجب كفارة اليمين إذا اجتمعت الأمور الآتية:

  • أن تكون اليمين بالله، أو باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته.
  • أن يقصد الحالف عقد اليمين، لا أن تجري الكلمة على لسانه بلا قصد.
  • أن تكون على أمر مستقبل يمكن فعله أو تركه.
  • أن يخالف الحالف يمينه مختارا، فيفعل ما حلف على تركه أو يترك ما حلف على فعله.

ولا تجب كفارة اليمين في مجرد الوعد الذي لم يقترن بحلف أو نذر، ولا في الحلف بغير الله، ولا في يمين اللغو. أما اليمين الغموس ففيها التوبة ورد الحقوق، ولا تجزئ الكفارة وحدها عن ذنبها.

ماذا يفعل من رأى غير يمينه خيرا منها؟
قسم المقال

ماذا يفعل من رأى غير يمينه خيرا منها؟

لا يجوز أن يجعل المسلم يمينه مانعا من طاعة الله، أو صلة الرحم، أو الإصلاح، أو ترك الضرر.

قال الله تعالى:

{وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 224].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ".

متفق عليه.

فمن حلف ألا يصل رحمه، أو ألا ينفق نفقة واجبة، أو أن يفعل محرما، فلا يجوز له الوفاء بهذه اليمين؛ بل يفعل ما أمر الله به، ويترك المعصية، ويكفر عن يمينه.

ويجوز إخراج الكفارة بعد الحنث، ويجوز تقديمها قبل الحنث بعد انعقاد اليمين إذا عزم على فعل ما هو خير، كما دل عليه الحديث.

كفارة اليمين كما بينها القرآن

الطريقة الأولى: إطعام عشرة مساكين

للإطعام صورتان واضحتان:

  • أن يقدم لعشرة مساكين وجبة غداء أو عشاء مشبعة من أوسط الطعام الذي يطعمه أهله، من غير إسراف ولا طعام رديء.
  • أن يعطي كل مسكين نصف صاع تقريبا من قوت البلد، كالأرز أو القمح أو التمر، ويقدر بنحو كيلو ونصف تقريبا لكل واحد. ولا يضر أن يضيف إليه ما يصلحه من الإدام.

ولا بد أن يصل الإطعام إلى عشرة مساكين مختلفين. فلا يجزئ إعطاء مسكين واحد حصة عشرة مساكين، ولا تكرار إطعامه عشرة أيام عن كفارة واحدة. ويجوز إعطاؤها لأسرة فقيرة إذا كان أفرادها المستحقون عشرة.

ولا يلزم جمع المساكين في مكان واحد أو إطعامهم في يوم واحد؛ فيجوز توزيع الطعام عليهم متفرقين حتى يكتمل العدد.

الطريقة الثانية: كسوة عشرة مساكين

يجوز أن يكسو عشرة مساكين، فيعطي كل واحد كسوة تستر ما تصح به صلاته بحسب حاله. ولا يكفي إعطاء قطعة يسيرة لا تسمى كسوة، ولا إعطاء الكسوة لأقل من عشرة.

الطريقة الثالثة: تحرير رقبة

الخصلة الثالثة تحرير رقبة مؤمنة. وهذه الخصلة متعذرة في أكثر أحوال الناس اليوم، لكنها تبقى مذكورة لأنها من حكم الله الوارد في الآية.

الطريقة الرابعة عند العجز: صيام ثلاثة أيام

إذا لم يجد المسلم ما يطعم به عشرة مساكين، ولا ما يكسوهم به، ولم يستطع تحرير رقبة، صام ثلاثة أيام.

ولا يجزئ القادر على الإطعام أو الكسوة أن يتركهما ويصوم لمجرد أن الصيام أسهل له. والعبرة بقدرته وقت أداء الكفارة على واحدة من الخصال الثلاث الأولى من غير إضرار بحاجاته الأصلية ونفقة من تلزمه نفقتهم.

وقد اختلف أهل العلم في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة. والأحوط أن يصومها متتابعة خروجا من الخلاف، ومن صامها متفرقة فقد أجزأه ذلك عند جماعة من أهل العلم؛ لأن الآية أطلقت الصيام ولم تنص على التتابع.

هل يجوز دفع قيمة الطعام نقودا؟
قسم المقال

هل يجوز دفع قيمة الطعام نقودا؟

الراجح، وهو قول جمهور أهل العلم، أن النقود لا تجزئ عن الإطعام أو الكسوة في كفارة اليمين؛ لأن الله نص على الإطعام والكسوة، وهما عبادتان مقدرتان لا تستبدلان بالقيمة لمجرد سهولة الدفع.

ويجوز أن يوكل المسلم جمعية موثوقة أو شخصا أمينا، ويدفع إليه المال ليشتري به الطعام أو الكسوة ويوصلها إلى عشرة مساكين مستحقين. فالممنوع أن تصل إلى الفقير نقود مجردة على أنها الكفارة، أما دفع المال للوكيل ليخرج به الكفارة على الصفة الشرعية فجائز.

لمن تعطى كفارة اليمين؟
قسم المقال

لمن تعطى كفارة اليمين؟

تعطى لعشرة من فقراء المسلمين ومساكينهم الذين لا يجدون كفايتهم. ويجوز دفعها إلى قريب فقير إذا لم تكن نفقته واجبة على صاحب الكفارة، فيحصل له أجر الكفارة والصلة.

ولا يدفع صاحب الكفارة إلى من تجب عليه نفقته ليجعل الكفارة بدلا من النفقة الواجبة؛ فلا يدفع الرجل إلى زوجته، ولا يدفع أحد إلى والديه الفقيرين أو أولاده الذين تلزمه نفقتهم. وإذا لم يعرف المستحقين، وكل جهة موثوقة تعرف أحوال الفقراء وتلتزم العدد والصفة الشرعية.

هل تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان؟
قسم المقال

هل تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان؟

إذا كرر الإنسان اليمين على المحلوف عليه نفسه، كقوله مرات: والله لا أكلم فلانا، ثم كلمه، أجزأته كفارة واحدة في الجملة؛ لأن المحلوف عليه فعل واحد. أما إذا عقد أيمانا مستقلة على أفعال مختلفة ثم خالفها، كأن حلف ألا يكلمه وألا يزوره، فلكل يمين كفارة. وإذا حنث فكفر، ثم أنشأ يمينا جديدة على الأمر نفسه وحنث فيها، وجبت كفارة جديدة.

وتفاصيل الألفاظ والنيات قد تغير الحكم؛ فمن كثرت أيمانه واختلطت عليه موضوعاتها يسأل عالما موثوقا، ولا يبني عددا كبيرا من الكفارات على مجرد الشك أو الوسواس.

ما النذر؟ وهل يشرع ابتداؤه؟
قسم المقال

ما النذر؟ وهل يشرع ابتداؤه؟

النذر لا يرد القدر ولا يجلب للمسلم ما لم يكتبه الله له، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ابتدائه.

قال صلى الله عليه وسلم:

"لَا تَنْذِرُوا؛ فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ".

رواه مسلم.

فلا ينبغي للمسلم أن يقول: إن شفى الله مريضي صمت شهرا، أو إن نجحت تصدقت بكذا، ظنا أن النذر سبب يغير القدر. بل يسأل الله حاجته، ويتقرب إليه بالطاعات من غير أن يحمل نفسه التزاما قد يعجز عنه.

لكن النهي عن إنشاء النذر لا يعني جواز تركه بعد انعقاده؛ فمن نذر طاعة صحيحة لله وجب عليه الوفاء بها.

قال الله تعالى:

{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7].

وقال سبحانه:

{ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].

أنواع النذر وأحكامها

نذر الطاعة

من نذر طاعة مشروعة لله، كصيام أيام محددة، أو صدقة معلومة، أو صلاة نافلة، وجب عليه الوفاء إذا تحقق شرطه وكان قادرا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ".

رواه البخاري.

ولا يجوز أن يستبدل الوفاء بكفارة يمين مع قدرته لمجرد أن الكفارة أسهل؛ فالأصل في نذر الطاعة المعين وجوب الوفاء به.

نذر المعصية

من نذر أن يفعل معصية، كقطيعة رحم، أو شرب محرم، أو ظلم إنسان، فلا يجوز له الوفاء بنذره؛ لأن النذر لا يجعل المعصية طاعة. وعليه أن يترك المعصية ويتوب إلى الله، ويكفر كفارة يمين على الراجح.

نذر المباح أو المكروه

من نذر فعلا مباحا لا قربة فيه، فلا يعامل كنذر الطاعة؛ فإن فعله وفاء بنذره فلا كفارة عليه، وإن تركه كفر كفارة يمين على الراجح. وإذا نذر فعل أمر مكروه، فالأولى ألا يفعله وأن يكفر كفارة يمين. أما نذر المعصية فلا يجوز الوفاء به بحال.

النذر فيما لا يملكه الإنسان

لا يجوز للإنسان أن ينذر التصرف في مال غيره، كأن ينذر ذبح دابة يملكها شخص آخر أو التصدق بمال ليس له.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ العَبْدُ".

رواه مسلم.

فلا يتعدى على ملك غيره بحجة النذر. أما ما يلزمه من كفارة في بعض صيغ هذه المسألة، فيرجع فيه إلى عالم موثوق؛ لأن الحكم قد يتأثر بلفظه وقصده.

النذر المطلق الذي لم يسم فيه عملا

من قال: لله علي نذر، ولم يسم طاعة معينة، فعليه كفارة يمين.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ".

رواه مسلم.

ولا يفهم من الحديث أن كل نذر طاعة يستبدل بالكفارة؛ فنذر الطاعة المعين يجب الوفاء به، ويعمل بهذا الحديث في النذر الذي لم يسم، وفي أحوال أخرى بينتها السنة وكلام أهل العلم.

نذر اللجاج والغضب

قد يقول الإنسان عند الخصومة: إن فعلت كذا فلله علي صيام شهر، وهو لا يقصد التقرب ابتداء، وإنما يريد منع نفسه أو حثها أو تأكيد كلامه. وهذا يسمى عند الفقهاء نذر اللجاج والغضب، وقد ألحقه جماعة من أهل العلم باليمين، فيخير صاحبه بين فعل ما التزمه وبين كفارة يمين.

ولأن الحكم يتأثر باللفظ والنية والسبب، فلا ينزل الإنسان هذا الحكم على نفسه من مقال عام، بل يذكر عبارته كما قالها لعالم موثوق.

من عجز عن الوفاء بنذره
قسم المقال

من عجز عن الوفاء بنذره

إذا كان العجز مؤقتا ويرجى زواله، بقي نذر الطاعة في ذمته حتى يقدر عليه. أما إذا عجز عجزا حقيقيا مستمرا عن الوفاء، رجع إلى أهل العلم في حاله، وكفارة اليمين مشروعة للعاجز عن الوفاء بنذره على الراجح.

ولا يجوز أن يتعمد الإنسان إتلاف ماله أو تفويت قدرته حتى يتهرب من النذر.

النذر لغير الله
قسم المقال

النذر لغير الله

النذر عبادة، فلا يجوز صرفه لنبي، أو ولي، أو صاحب قبر، أو جني، أو مَلَك، أو غيرهم. فمن نذر ذبيحة أو مالا أو عبادة لصاحب قبر طلبا للنفع أو دفعا للضر، فقد صرف عبادة لغير الله، وهذا من الشرك الأكبر.

ولا يجوز الوفاء بهذا النذر، بل يجب قطعه والتوبة إلى الله وإخلاص العبادة له وحده. والحكم هنا على نوع الفعل، أما تنزيل الحكم على شخص معين فله شروط وموانع، ويرجع فيه إلى أهل العلم الراسخين، وليس لعامة الناس أن يتعجلوا فيه.

وللتوسع في هذا الأصل يمكن مراجعة مقال الشرك الأكبر والشرك الأصغر: الفرق والأمثلة.

جدول مختصر للأحكام
قسم المقال

جدول مختصر للأحكام

  • يمين اللغو: لا إثم ولا كفارة.
  • يمين منعقدة ثم وقع الحنث: تجب كفارة اليمين.
  • يمين غموس كاذبة متعمدة: توبة نصوح ورد الحقوق، ولا تكفي الكفارة وحدها، والراجح عدم وجوبها.
  • حلف بغير الله: حرام ومن الشرك الأصغر في أصله، ولا تنعقد به يمين ولا تجب كفارة، وتجب التوبة.
  • نذر طاعة لله: يجب الوفاء به عند القدرة.
  • نذر معصية: يحرم الوفاء به، وتجب كفارة يمين على الراجح.
  • نذر مطلق لم يسم: كفارته كفارة يمين.
  • نذر فيما لا يملكه الإنسان: لا يجوز الوفاء به أو الاعتداء على مال غيره، وتفصيل الكفارة بحسب الصيغة والنية.
  • نذر لغير الله: شرك أكبر، ولا يجوز الوفاء به، وتجب التوبة إلى الله.
أخطاء شائعة في الأيمان والنذور والكفارات
قسم المقال

أخطاء شائعة في الأيمان والنذور والكفارات

  • الحلف كثيرا في البيع والشراء والحديث اليومي.
  • الحلف بالنبي أو الأمانة أو الشرف أو حياة الوالدين.
  • الاعتقاد أن كل يمين تجري على اللسان توجب الكفارة.
  • الصيام ثلاثة أيام مع القدرة على إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم.
  • دفع قيمة الكفارة نقودا مباشرة بدلا من الطعام أو الكسوة.
  • إعطاء الكفارة كلها لمسكين واحد.
  • الوفاء بيمين أو نذر يشتمل على معصية أو قطيعة رحم.
  • الظن أن كفارة اليمين تمحو حقا ماليا للناس من غير رده.
  • إنشاء النذر عند كل حاجة ثم العجز عن الوفاء به.
  • صرف النذر لغير الله أو وضعه في صندوق عند قبر أو مقام.
  • تنزيل أحكام الطلاق المعلق والتحريم على النفس من غير سؤال عالم عن اللفظ والنية.
  • تكرار الكفارات بسبب الشكوك والوساوس من غير يقين بانعقاد اليمين أو الحنث.
أسئلة شائعة عن الأيمان والنذور والكفارات
سؤال وجواب

هل قول: أعدك أن أفعل كذا، يعد يمينا؟

مجرد الوعد ليس يمينا ولا نذرا ما لم يقترن بحلف بالله أو بصيغة نذر منعقدة. فلا تجب كفارة يمين بمجرد إخلاف الوعد، لكن الوفاء بالوعد من أخلاق المؤمنين، ولا يجوز تعمد الكذب والخداع. أما قول: أعاهد الله، أو علي عهد الله، فقد يتأثر حكمه باللفظ والنية، فيسأل عنه أهل العلم.

سؤال وجواب

هل قول: إن شاء الله، بعد اليمين يمنع الحنث؟

إذا قال الحالف: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، ووصل الاستثناء بيمينه وقصده، لم يحنث إذا لم يفعل.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ".

رواه أبو داود والترمذي، وصححه أهل العلم.

أما أن يقول: إن شاء الله، بعد مدة منفصلة، أو بلا قصد للاستثناء، فلا يسقط حكم اليمين السابقة.

سؤال وجواب

هل اليمين في الغضب تنعقد؟

الغضب المعتاد لا يمنع انعقاد اليمين ما دام الشخص واعيا لما يقول وقاصدا له. أما الغضب الشديد الذي أزال العقل والإدراك، أو الألفاظ التي خرجت بلا قصد معتبر، فلا يعطى فيها حكم عام من غير معرفة التفاصيل. ومن ترتب على كلامه حق أسرة أو مال أو طلاق، وجب أن يسأل عالما موثوقا ولا يحكم لنفسه.

سؤال وجواب

ماذا لو خالف يمينه ناسيا أو مكرها؟

من فعل ما حلف على تركه ناسيا ليمينه، أو أكره عليه إكراها معتبرا، فلا إثم عليه ولا كفارة على الراجح؛ لأن الحنث الموجب للكفارة يكون مع الذكر والاختيار. فإذا تذكر بعد ذلك، بقيت يمينه، فإن عاد فخالفها ذاكرا مختارا وجبت الكفارة. أما دعوى الإكراه أو فقد الاختيار في الحالات الملتبسة فتقدر بقدرها، ويرجع فيها إلى أهل العلم.

سؤال وجواب

هل الحلف بالمصحف جائز؟

يجوز الحلف بالقرآن إذا قصد الحالف كلام الله؛ لأنه صفة من صفاته. لكن لا يحتاج الحلف إلى حمل المصحف أو وضع اليد عليه، ولا ينبغي اتخاذ المصحف وسيلة لتخويف الناس أو إحراجهم. والأولى أن يقول: والله، وأن يصدق ويحفظ يمينه.

سؤال وجواب

هل يجوز إخراج كفارة اليمين نقودا؟

الراجح أن النقود لا تجزئ؛ لأن النص جاء بالإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة، ثم الصيام عند العجز. ويجوز توكيل جهة موثوقة بالمال لتشتري الطعام أو الكسوة وتوصلها على الصفة الشرعية.

سؤال وجواب

هل يجوز إعطاء الكفارة لمسكين واحد؟

لا. لا بد في كفارة اليمين من عشرة مساكين مختلفين؛ لأن الله نص على العدد. ويجوز توزيعها على عشرة أفراد من أسرة فقيرة واحدة إذا كان كل واحد منهم مستحقا.

سؤال وجواب

هل يجوز الصيام بدلا من الإطعام مع القدرة؟

لا. الصيام مرتب بعد العجز عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة، فلا يجزئ القادر أن يصوم بدلا منها. ومن فعل ذلك وهو قادر لم تبرأ ذمته، وعليه أداء الكفارة بإحدى الخصال الثلاث الأولى.

سؤال وجواب

هل يجب أن تكون أيام صيام كفارة اليمين متتابعة؟

اختلف أهل العلم في اشتراط التتابع. والأحوط أن تصام الأيام الثلاثة متتابعة خروجا من الخلاف، ومن صامها متفرقة فقد أجزأه ذلك عند جماعة من أهل العلم؛ لأن الله قال: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} ولم يذكر التتابع في الآية.

سؤال وجواب

هل يجوز دفع كفارة اليمين عبر جهة خيرية؟

نعم، إذا كانت الجهة موثوقة وتشتري بالمبلغ طعاما أو كسوة ثم توصل ذلك إلى عشرة مساكين مستحقين. وينوي الدافع الكفارة عند توكيلها، ويتأكد من اختيار كفارة اليمين ومن أن المبلغ يغطي العدد والصفة المطلوبة. فهذه وكالة في شراء الطعام أو الكسوة وتوزيعهما، وليست دفعا للنقود إلى الفقير بدلا من الكفارة المنصوص عليها.

سؤال وجواب

ما الحكم إذا حلف المسلم على شخص آخر أن يفعل شيئا أو يتركه؟

إذا قال قاصدا اليمين: والله لتفعلن كذا، أو والله لا تفعل كذا، فلم يستجب الشخص الآخر، فقد حنث الحالف ولزمته كفارة يمين؛ لأن اليمين صدرت منه هو. ولا يجوز استعمال الحلف للضغط على الناس في معصية أو ظلم أو قطيعة رحم. وإذا كان ترك ما حلف عليه خيرا، فعل الخير وكفر عن يمينه.

سؤال وجواب

هل يجب إخراج الكفارة فور الحنث؟

إذا حنث ووجبت الكفارة، بادر إلى إخراجها ولم يؤخرها بلا عذر. ويجوز أن يكفر قبل الحنث بعد انعقاد اليمين إذا رأى أن غيرها خير وعزم على مخالفتها.

سؤال وجواب

هل تشترط النية عند دفع الكفارة؟

نعم؛ لأن الكفارة عبادة واجبة. فينويها صاحبها عند إخراج الطعام أو الكسوة، أو عند تسليم المال إلى وكيل موثوق ليشتري ويوزع عنه. ولا تتحول صدقة سابقة إلى كفارة بعد دفعها إذا لم توجد نية الكفارة وقت الأداء.

سؤال وجواب

ماذا يفعل من شك: هل حلف أو حنث؟

الأصل براءة الذمة، واليقين لا يزول بالشك. فمن لم يتيقن أنه عقد يمينا، أو لم يتيقن وقوع الحنث، فلا يلزمه أن يكرر الكفارات لمجرد الاحتمال. وهذا مهم لمن ابتلي بالوسواس؛ فلا يلتفت إلى الشكوك المتكررة.

سؤال وجواب

هل الحلف الكاذب تكفي فيه كفارة يمين؟

إذا كان كذبا متعمدا على ماض أو حاضر فهو يمين غموس وكبيرة من الكبائر. والراجح أنها لا تجبر بكفارة اليمين، بل لا بد من توبة صادقة ورد المظالم إلى أهلها. ولا تقوم الكفارة مقام التوبة، ولا تسقط بها حقوق العباد.

سؤال وجواب

هل يلزم الوفاء بنذر مشروط إذا تحقق الشرط؟

نعم، إذا كان النذر لله وفي طاعة مشروعة، وتحقق الشرط، وجب الوفاء به عند القدرة. ولا يعني ذلك أن النذر سبب في حصول المطلوب؛ فالله قدر الأمر قبل النذر، والنذر لا يرد القدر.

سؤال وجواب

هل تجزئ الصدقة العادية عن النذر أو الكفارة؟

لا تجزئ صدقة سابقة لم ينو بها الكفارة عن كفارة وجبت بعد ذلك. ولا يغير الإنسان مصرف النذر المعين أو صفته من عنده. فالعبادات تحتاج إلى نية، وما وجب بسبب نذر أو يمين يؤدى على الوجه الذي شرعه الله.

سؤال وجواب

ما حكم قول: علي الطلاق، أو علي الحرام؟

هذه الألفاظ ليست مسألة يمين عادية، وقد يختلف حكمها باختلاف اللفظ والنية: هل قصد الطلاق، أو الظهار، أو مجرد الحث والمنع؟ كما وقع خلاف بين أهل العلم في بعض صور الطلاق المعلق. لذلك لا يجوز أن يعتمد قائلها على جواب عام أو أن يعاشر زوجته أو يفارقها بناء على تخمين، بل يعرض عبارته ونيته وما وقع على عالم موثوق أو جهة إفتاء معتبرة فورا.

سؤال وجواب

ماذا يفعل من لا يعرف عدد الأيمان التي حنث فيها؟

يميز أولا بين تكرار اليمين على أمر واحد وبين الأيمان على أمور مختلفة، ثم يتحرى العدد الذي يتيقنه أو يغلب على ظنه من غير تكلف ولا استرسال مع الوسواس. وإذا بقي الاشتباه، عرض الألفاظ والوقائع على عالم موثوق ليحدد ما يلزمه.

سؤال وجواب

هل يجوز تأخير الوفاء بالنذر؟

إن عين للنذر وقتا وجب الوفاء في وقته عند القدرة، وإن لم يعين وقتا فليبادر إلى إبراء ذمته. وإذا كان عاجزا عجزا مؤقتا انتظر القدرة، وإذا كان العجز مستمرا سأل أهل العلم عن انتقاله إلى الكفارة بحسب نوع نذره.

خاتمة
الخلاصة

خاتمة

ينبغي للمسلم أن يحفظ لسانه، وألا يكثر الحلف، وألا يحمل نفسه النذور. فإذا انعقدت يمين ثم ظهر أن الخير في مخالفتها، فعل الخير وكفر عن يمينه. وإذا نذر طاعة لله وفى بها عند القدرة، ولم يف بنذر المعصية، ولم يصرف نذرا لغير الله.

والقاعدة العملية في كفارة اليمين واضحة: يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم أو يحرر رقبة، فإن عجز عن الجميع صام ثلاثة أيام. أما الألفاظ المحتملة، والطلاق والتحريم، والنذور غير المعتادة، فلا يكفي فيها مقال عام، بل يجب سؤال عالم موثوق مع نقل اللفظ والنية والواقعة كما حدثت.