قسمصفة صلاة الجنازة خطوة بخطوة
الأصل الذي يجمع ترتيب صلاة الجنازة ما جاء عن أبي أمامة بن سهل رحمه الله، أن من السنة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ الفاتحة سرا، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء للميت، ثم يسلم. وقد صحح إسناده جماعة من أهل الحديث.
الخطوة الأولى: النية والقيام والتكبيرة الأولى
يقف المصلي مستقبلا القبلة، ناويا الصلاة على الميت بقلبه، ثم يرفع يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه ويقول:
"اللَّهُ أَكْبَرُ".
ثم يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره كما يفعل في سائر الصلاة.
يستعيذ بالله سرا، ويقول البسملة، ثم يقرأ سورة الفاتحة كاملة سرا:
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 1-7].
والدليل حديث طلحة بن عبد الله بن عوف، قال:
"صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، قَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ".
رواه البخاري.
والأصل الإسرار بالقراءة، وإنما جهر ابن عباس رضي الله عنهما للتعليم.
وتكفي قراءة الفاتحة. ويستحب عند جماعة من أهل العلم أن يقرأ بعدها سورة قصيرة أو بعض الآيات سرا؛ فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب وسورة، ثم قال: "سُنَّةٌ وَحَقٌّ". رواه النسائي. لكن قراءة السورة ليست ركنا ولا واجبة، ومن اقتصر على الفاتحة فصلاته صحيحة. ولا ينبغي أن يطيل؛ لأن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف.
الخطوة الثانية: التكبيرة الثانية والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
يرفع المصلي يديه، ويقول:
"اللَّهُ أَكْبَرُ".
ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة الإبراهيمية التي تقال في التشهد:
"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
الخطوة الثالثة: التكبيرة الثالثة والدعاء للميت
يرفع المصلي يديه، ويقول:
"اللَّهُ أَكْبَرُ".
ثم يخلص الدعاء للميت. ومن أصح الأدعية وأجمعها ما رواه عوف بن مالك رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة، فحفظت من دعائه:
"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَاعْفُ عَنْهُ وَعَافِهِ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِمَاءٍ وَثَلْجٍ وَبَرَدٍ، وَنَقِّهِ مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ القَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ".
رواه مسلم.
ومن الدعاء الثابت أيضا:
"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ".
رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بألفاظ متقاربة، وصححه جماعة من أهل الحديث.
ويجوز أن يزيد:
"اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ".
فإن كانت الجنازة امرأة قال: "اللهم اغفر لها وارحمها"، وحول الضمائر إلى التأنيث. وإن كانوا جماعة قال: "اللهم اغفر لهم وارحمهم". وليس المقصود جمع كل الأدعية في صلاة واحدة، بل يدعو بما تيسر من الوارد، ويعتني بالإخلاص وحضور القلب.
ماذا يقال إذا كان الميت طفلا؟
يدعى للطفل ولوالديه. ومن الدعاء المناسب الذي ذكره أهل العلم:
"اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا وَذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ أَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ المُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الجَحِيمِ".
وهذه صيغة مناسبة ذكرها أهل العلم، ولا تنسب بتمامها إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أنها حديث مرفوع. ويجوز أن يدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة والثبات والأجر.
وقد جاء في الحديث:
"وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ".
رواه أبو داود والترمذي، وصححه جماعة من أهل الحديث.
إذا ولد الطفل حيا ثم مات صلي عليه. أما السقط الذي لم تظهر عليه علامة حياة، فإن تم له أربعة أشهر ففي الصلاة عليه خلاف بين أهل العلم، والراجح - والله أعلم - أنه يصلى عليه؛ لأنه قد نفخت فيه الروح، وهو قول فقهاء من أهل الحديث واختيار ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله. أما ما سقط قبل تمام أربعة أشهر فلا يصلى عليه؛ لأنه لم تنفخ فيه الروح، لكنه يلف في خرقة ويدفن في موضع مناسب، ويشرع لوالديه الصبر والاحتساب.
الخطوة الرابعة: التكبيرة الرابعة والتسليم
يرفع المصلي يديه، ويقول:
"اللَّهُ أَكْبَرُ".
ثم يسكت سكتة يسيرة، ولم يثبت دعاء مخصوص يلتزم بعد التكبيرة الرابعة، ثم يسلم عن يمينه قائلا:
"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ".
وتسليمة واحدة هي المشهورة في صلاة الجنازة عند كثير من أهل العلم، وإن سلم تسليمتين فلا حرج؛ لأن المسألة محل اجتهاد معتبر.