قسم المقالشروط لا إله إلا الله
الشرط الأول: العلم
أن يعلم المسلم أن الله وحده مستحق للعبادة، وأن عبادة غيره باطلة، فيقول الشهادة وهو يفهم أصل معناها. ولا يشترط لذلك أن يكون عالما بجميع مسائل العقيدة والفقه، لكنه يتعلم ما يحتاجه لتصحيح إيمانه وعبادته.
قال الله تعالى:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19].
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ".
رواه مسلم (26).
فالشهادة ليست لفظا مجهول المعنى، والعلم النافع بها يحمل صاحبه على إخلاص العبادة لله.
الشرط الثاني: اليقين
أن يكون القلب جازما بأن الله وحده هو الإله الحق، لا مترددا بين التوحيد والشرك، ولا شاكا في صدق ما أخبر به الله ورسوله.
قال الله تعالى:
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].
ولا يدخل في الشك الذي يناقض الإيمان مجرد الوساوس التي تطرأ على المسلم وهو يكرهها ويرفضها؛ فالخاطر القهري ليس اعتقادا يختاره القلب. ومن ابتلي بشبهة فليسأل أهل العلم ليتبين الحق، ولا يجعل طلب الفهم أو ورود الوسواس حكما على نفسه بالخروج من الإسلام.
الشرط الثالث: القبول
أن يقبل ما دلت عليه هذه الكلمة بقلبه ولسانه، فلا يرد توحيد الله استكبارا، أو تعصبا لما ورثه من العادات، أو رفضا للحق بعد تبينه.
قال الله تعالى عن المشركين:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35-36].
فقد عرفوا أن الكلمة تقتضي ترك عبادة آلهتهم، لكنهم استكبروا عن قبولها. والمؤمن يجعل الحق مقدما على العادة والهوى وقول الناس.
الشرط الرابع: الانقياد
أن يستسلم لله ويخضع لأمره، فيفرده بالعبادة، ويتبع رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكتفي بمعرفة الحق مع رفض الالتزام به.
قال الله تعالى:
{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [لقمان: 22].
والقبول والانقياد متلازمان؛ فالقبول يقابل رد الحق، والانقياد يظهر في الاستسلام له والعمل بمقتضاه.
وليس معنى الانقياد أن المسلم معصوم من كل معصية؛ فالوقوع في معصية لا تبلغ الكفر ليس كرفض أصل الخضوع لله أو الاستكبار عن عبادته. وفي المقابل، لا يصح إطلاق القول بأن كل ترك للواجبات لا يؤثر إلا في كمال الإيمان؛ فالأحكام تعرف بأدلتها، ولا يجوز جعل مجرد النطق بالشهادة عذرا لترك الفرائض أو اقتحام المحرمات.
والإيمان قول واعتقاد وعمل، يشمل قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ويزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ فالعمل من الإيمان، وليس أمرا خارجا عنه. ينظر: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ".
رواه مسلم (35).
فجمع الحديث بين كلمة التوحيد، وعمل الجوارح، والحياء، وجعلها جميعا من شعب الإيمان.
الشرط الخامس: الصدق
أن يصدق القلب ما ينطق به اللسان، لا أن يظهر الإنسان الشهادة وهو مكذب بها في باطنه، كما يفعل المنافقون.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "يَا مُعَاذُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلَاثًا. قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا". وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
رواه البخاري (128). ومعنى «تأثما»: خشية الوقوع في إثم كتمان العلم.
وفي الحديث بشارة عظيمة لأهل الصدق، وتحذير من الاتكال على البشارة وترك العمل. فلا تفصل نصوص الوعد عن النصوص التي تأمر بالطاعة وتحذر من المعصية.
الشرط السادس: الإخلاص
أن يقصد المسلم بعبادته الله وحده، لا أن يصرفها لمخلوق، أو يظهر الإسلام رياء وهو لا يؤمن به في باطنه. ويجاهد ما يعرض لأعماله من طلب مدح الناس، ولا يترك الطاعة بسبب الخوف من الرياء، بل يصحح نيته.
قال الله تعالى:
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ".
رواه البخاري (99).
وأصل الإخلاص شرط في التوحيد، لكن لا يحكم بزوال إسلام المسلم لمجرد دخول الرياء على عمل معين؛ فالرياء له أحكام وتفصيل، وليس كل نقص في الإخلاص نفاقا أكبر.
الشرط السابع: المحبة
أن يحب الله، ويحب هذه الكلمة وما دلت عليه من توحيده، ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم ودينه، فلا يكون مبغضا لأصل الإيمان الذي يظهره بلسانه.
قال الله تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة: 165].
والمحبة التعبدية التي تتضمن غاية الخضوع والتعظيم حق لله وحده. أما المحبة الطبيعية للوالدين والزوج والأولاد فليست شركا، ولا تناقض محبة الله إذا بقيت في حدود ما أباحه.
كما أن مشقة الطاعة على النفس أو كراهية التعب ليست بذاتها بغضا للدين؛ فقد يجد المسلم مشقة ثم يقوم بالواجب محبة لله وتعظيما لأمره.
الشرط الثامن: الكفر بما يعبد من دون الله
أن يعتقد بطلان عبادة غير الله، ويتبرأ من الشرك ويتركه، فلا يقر بصحة صرف العبادة لنبي أو ملك أو ولي أو غيرهم من المخلوقات.
قال الله تعالى:
{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].
وعن طارق بن أشيم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ".
رواه مسلم (23).
فلا يصح الجمع بين الشهادة وإقرار عبادة غير الله. وليس معنى البراءة من هذه العبادة انتقاص الأنبياء أو الصالحين الذين عبدهم بعض الناس بغير رضاهم؛ بل يحبهم المسلم ويوقرهم في منزلتهم التي أنزلهم الله إياها، ويرفض عبادتهم.
والحديث يقرر حرمة دم المسلم وماله، ولا يجيز للأفراد الاعتداء على أحد أو إقامة العقوبات بأنفسهم. وبيان بطلان الشرك لا يسقط وجوب العدل والوفاء بالعهود وحفظ الحقوق.