غسل الميت وتكفينه ودفنه

غسل الميت وتكفينه ودفنه خطوة بخطوة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إكرام المسلم بعد وفاته من حقوقه على المسلمين. وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فروض كفاية؛ إذا قام بها من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإذا تركها القادرون أثموا. وقد أرشد القرآن إلى أصل الدفن، فقال الله تعالى:

{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31].

وهذا المقال يشرح الخطوات العامة الثابتة والمعتبرة في غسل الميت وتكفينه ودفنه. لكنه لا يغني عن التدريب العملي؛ فالأصل أن يتولى التجهيز أشخاص ثقات يعرفون أحكام الجنائز ويحفظون حرمة الميت، مع الالتزام بالأنظمة الطبية والصحية المعمول بها.

تنبيه مهم: هذا المقال يجمع بين الحكم الشرعي والخطوات العملية العامة، أما الحالات الخاصة كالأمراض المعدية أو الإصابات الخطرة أو الأنظمة المحلية فلا يتصرف فيها غير المختص، بل يرجع فيها إلى جهة تجهيز مسلمة موثوقة وأهل الطب وأهل العلم.

قبل البدء: أمور لا بد من التحقق منها
قسم

قبل البدء: أمور لا بد من التحقق منها

  • لا يبدأ تجهيز الجثمان حتى تثبت الوفاة، وتأذن الجهة الطبية أو النظامية المختصة بتسلمه.
  • إذا كانت الوفاة موضع تحقيق، أو أجريت جراحة أو عملية تشريح، فلا تزال الأنابيب أو الأجهزة ولا تفك الغرز إلا بإذن المختصين.
  • يجهز مكان خاص مستور ونظيف، وماء مناسب، وسدر إن تيسر، وكافور للغسلة الأخيرة، ومناشف، وقفازات، ومواد ماصة، والكفن وما يلزم لربطه.
  • يقتصر الحضور على من يحتاج إليه في الغسل، ولا يسمح بالتصوير أو كشف الجسد للنظر.
  • تستعمل احتياطات السلامة المناسبة عند توقع ملامسة الدم أو سوائل الجسد، مثل القفازات وغسل اليدين ووسائل الوقاية التي يحددها المختصون.
تنبيه في الأمراض المعدية والإصابات الخطرة
قسم

تنبيه في الأمراض المعدية والإصابات الخطرة

الأصل غسل الميت المسلم، لكن السلامة لا تهمل. فإذا توفي بسبب مرض شديد العدوى، أو كان الجثمان متضررا أو متحللا أو يخرج منه نزف كثير، فلا يتولى غسله أشخاص غير مدربين. تتبع تعليمات الجهة الصحية وفريق مكافحة العدوى، ويجمع بين حفظ شعيرة الغسل ومنع الضرر بقدر الاستطاعة.

فإن تعذر استعمال الماء حقيقة، أو قرر المختصون أن فتح الكيس أو غسل الجسد يعرض الأحياء لخطر معتبر، رجع القائمون على الجنازة إلى عالم موثوق مع الجهة الصحية؛ لأن الفقهاء ذكروا التيمم عند تعذر الغسل، وقد يسقط حتى التيمم إذا تعذر مس الجسد بأمان. ولا يجوز أن يخاطر أحد بنفسه أو يخالف توجيها صحيا لازما بحجة مباشرة الغسل بنفسه؛ فالشريعة جاءت بحفظ النفوس وبفعل الواجب بحسب الاستطاعة. وإذا تعذر الغسل والتيمم جميعا، كفن الميت وصلي عليه ودفن على حاله على الراجح؛ لأن ما أمكن من الواجب لا يسقط بتعذر غيره.

من الذي يغسل الميت؟
قسم

من الذي يغسل الميت؟

الأصل أن يغسل الرجل رجال، وأن تغسل المرأة نساء، وأن يكون الغاسل أمينا عارفا بصفة الغسل، ويستعين بأقل عدد تدعو إليه الحاجة. ويجب عليه ستر ما قد يراه من عيوب الميت أو أحواله الخاصة، فلا يحدث بها الناس.

ويجوز للزوج أن يغسل زوجته، وللزوجة أن تغسل زوجها؛ فقد غسل علي رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها، وغسلت أسماء بنت عميس رضي الله عنها زوجها أبا بكر الصديق رضي الله عنه، واشتهر ذلك بين الصحابة من غير إنكار.

أما أحكام الصغير الذي لم يبلغ سن الشهوة، أو من تعذر وجود من يغسله من جنسه، أو من كان مشكل الحال، ففيها تفصيل فقهي، ويرجع فيها إلى عالم موثوق وجهة تجهيز خبيرة.

صفة غسل الميت خطوة بخطوة
قسم

صفة غسل الميت خطوة بخطوة

ثبت أصل الصفة في حديث أم عطية رضي الله عنها، قالت:

"دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا - أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ - فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي. فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ".

وقالت رضي الله عنها: قال لهن النبي صلى الله عليه وسلم:

"ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا".

متفق عليه.

الخطوة الأولى: ستر العورة وخلع الثياب

يوضع الميت على سرير الغسل برفق، وتستر عورته من السرة إلى الركبة بساتر لا يشف، ثم تنزع ثيابه من تحت الساتر من غير كشف عورته. ويحرم تعمد النظر إلى عورته أو لمسها بلا حائل.

الخطوة الثانية: إزالة الخارج والنجاسة

يرفع رأس الميت وظهره قليلا إن أمكن من غير أذى، ويمرر الغاسل يده برفق على بطنه إذا احتاج إلى إخراج ما بقي من فضلات. وهذا إجراء ذكره الفقهاء لتنظيف الجسد، وليس أمرا نبويا لازما في كل حالة؛ فلا يضغط على البطن إذا خيف تمزق الجسد أو زيادة خروج السوائل.

ويلف الغاسل على يده قفازا أو خرقة، فيغسل موضع العورة وينظف ما خرج من غير أن يمس العورة بيده المجردة. ثم يغير القفاز أو الحائل ويطهر ما أصاب المكان.

الخطوة الثالثة: تنظيف الفم والأنف والوجه

ينظف أسنان الميت ولثته وفتحتي أنفه بخرقة أو قطعة قطن مبللة برفق. ولا يصب الماء داخل فمه أو أنفه ولا يجبر على الدخول؛ خشية أن يصل الماء إلى الجوف ثم يخرج بما يؤذي الجسد أو يلوثه.

الخطوة الرابعة: توضئة الميت

يوضأ الميت وضوء الصلاة: يغسل وجهه، ثم يديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه وأذنيه، ثم يغسل رجليه. أما الفم والأنف فيكتفى بتنظيفهما كما سبق من غير مضمضة أو استنشاق معتادين.

والوضوء سنة في الغسل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا". أما الواجب فهو تعميم الجسد بالماء بعد إزالة النجاسة بقدر الاستطاعة.

الخطوة الخامسة: غسل الرأس والشعر واللحية

يغسل الرأس والشعر واللحية بالماء والسدر أو بمنظف لطيف يقوم مقامه، ويفك الشعر برفق إذا احتيج إلى تنظيفه من غير نتف أو إتلاف.

وإذا كانت الميتة امرأة، جمع شعرها بعد غسله في ثلاث ضفائر وجعل خلفها؛ فقد قالت أم عطية رضي الله عنها في غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم:

"فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا".

رواه البخاري ومسلم.

الخطوة السادسة: غسل الجانب الأيمن ثم الأيسر

يغسل شق الميت الأيمن من الأمام، ثم يقلب برفق على جانبه فيغسل ظهره الأيمن. ثم يفعل بالجانب الأيسر مثل ذلك. ولا يقلب الميت على وجهه، بل يحرك برفق مع تثبيت الرأس والأطراف.

تكرر الغسلات ثلاثا. فإن لم ينق الجسد، زيد إلى خمس أو سبع بحسب الحاجة، ويجعل العدد وترا. ويكفي في أصل الواجب غسل واحد يعم البدن إذا حصل به الإنقاء، لكن الأكمل اتباع الوارد في التثليث والوتر بحسب حال الجسد.

الخطوة السابعة: جعل الكافور في الغسلة الأخيرة

يجعل في آخر غسلة كافور أو شيء منه إن تيسر ولم يترتب عليه ضرر. والكافور طيب بارد الرائحة يساعد على تطييب الجسد. ولا يوضع الطيب على الميت الذي مات محرما، كما سيأتي.

الخطوة الثامنة: التجفيف ومعالجة ما قد يخرج

يجفف الجسد برفق، وتوضع مادة ماصة عند موضع خروج السوائل عند الحاجة، من غير إدخال مؤذ في الجسد. وإذا خرجت نجاسة بعد انتهاء الغسل وقبل التكفين، غسل الموضع وما أصابه فقط، ولا يعاد الغسل كله على الراجح عند جمهور أهل العلم.

ولا يجعل حلق شعر الرأس أو اللحية أو العانة أو الإبط من غسل الميت؛ فلم تثبت في ذلك سنة، والأصل تركه صيانة للجسد والعورة من غير حاجة. وأما قص أظفاره وأخذ شاربه إذا طالا، فقد اختلف فيه أهل العلم: فمنهم من استحبه، ومنهم من كرهه. ولعدم ثبوت حديث صحيح مخصوص في ذلك، فالأحوط تركه ما لم تدع حاجة ظاهرة، ولا ينكر على من أخذ بقول معتبر في هذه المسألة الاجتهادية، على أن يكون ذلك برفق ومن غير مثلة أو أذى.

حالات لها أحكام خاصة في الغسل
قسم

حالات لها أحكام خاصة في الغسل

من مات وهو محرم

يغسل من مات محرما بالماء والسدر ولا يطيب. فإن كان رجلا، كفن في ثوبيه ولم يغط رأسه؛ لأن النص الآتي ورد في الرجل المحرم. وأما المرأة المحرمة فتغسل وتكفن كغيرها من النساء مع ترك الطيب، ويغطى رأسها وبدنها ووجهها بالكفن عند الدفن. فعن ابن عباس رضي الله عنهما:

"بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا".

متفق عليه.

شهيد المعركة

من قتل في المعركة فله حكم خاص: يدفن في ثيابه ولا يغسل. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما:

"كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ".

رواه البخاري.

أما من مات بالطاعون أو الغرق أو الحرق أو المرض ونحو ذلك ممن يرجى له أجر الشهيد، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه كغيره؛ لأن وصف الشهادة في الأجر لا يقتضي دائما أحكام شهيد المعركة في الدنيا.

من مات جنبا أو ماتت في حيض أو نفاس

يكفي غسل الميت المعتاد، ولا يحتاج إلى غسلين؛ لأن غسل الوفاة يعم بدنه ويحقق المقصود.

الجسد المحترق أو المتحلل أو المتقطع

يغسل منه ما يمكن غسله بلا إفساد، فإن تعذر الغسل أو خيف تضرر الجثمان، عمل بقول أهل العلم في التيمم أو بما يمكن من التجهيز. وهذه الحالات لا يعالجها غير المختص، بل تجمع فيها فتوى عالم موثوق مع تقدير أهل الطب وتجهيز الجنائز.

تكفين الميت خطوة بخطوة
قسم

تكفين الميت خطوة بخطوة

الكفن حق للميت، ويكون من ماله قبل قسمة التركة في حدود المعروف من غير إسراف. فإن لم يكن له مال، فعلى من تلزمه نفقته في حياته عند أهل العلم، فإن تعذر فمن بيت مال المسلمين أو من يتبرع له.

ما القدر الواجب من الكفن؟
قسم

ما القدر الواجب من الكفن؟

الواجب ثوب طاهر يستر جميع بدن الميت. ويستحب أن يكون أبيض نظيفا ساترا، من غير غلو في ثمنه ولا تفاخر في نوعه.

والسنة في كفن الرجل ثلاث لفائف بيض؛ قالت عائشة رضي الله عنها:

"كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ".

متفق عليه.

وأما المرأة، فالمقصود زيادة الستر، وقد استحب كثير من الفقهاء أن تكفن في خمسة أثواب: إزار، وقميص، وخمار، ولفافتين. لكن لا يثبت حديث مرفوع صحيح يلزم عددا معينا للمرأة؛ فلو كفنت في لفائف تستر بدنها كله صح، ولا تجعل الخمسة شرطا لصحة التكفين.

طريقة وضع الكفن
قسم

طريقة وضع الكفن

  • تبسط اللفائف بعضها فوق بعض في مكان نظيف، ويوضع عليها شيء من الطيب المباح إن تيسر، إلا كفن المحرم.
  • ينقل الميت إلى الكفن برفق مع بقاء عورته مستورة، ويوضع مستلقيا على ظهره.
  • يطيب موضع سجوده وبدنه بقدر مناسب إن تيسر، من غير إسراف، ولا يطيب المحرم.
  • تلف اللفائف على الجسد حتى تستره كله، وتثبت بحيث لا تنكشف أثناء الحمل والدفن.
  • تربط اللفائف بأشرطة عند الحاجة، من غير شد يؤذي الجسد. وهذه طريقة عملية لحفظ الكفن، وليست الأشرطة بعدد تعبدي محدد.
  • ولا توضع مع الميت مصاحف أو أوراق مكتوب فيها قرآن، ولا حلي أو أموال أو متاع على وجه التعبد، ولا يكتب على الكفن شيء طلبا للبركة.
الصلاة على الميت قبل دفنه
قسم

الصلاة على الميت قبل دفنه

بعد الغسل والتكفين يصلى على الميت صلاة الجنازة، وهي فرض كفاية. ويمكن الرجوع إلى الدليل المفصل: صفة صلاة الجنازة وما يقال فيها.

ثم يبادر إلى دفنه من غير تأخير لا تدعو إليه حاجة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"أَسْرِعُوا بِالجَنَازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ".

متفق عليه.

إعداد القبر
قسم

إعداد القبر

يدفن المسلم في مقابر المسلمين. ويحفر القبر بعمق يحفظ الجثمان، ويمنع ظهور الرائحة ووصول السباع إليه، مع مراعاة طبيعة الأرض والأنظمة المحلية.

واللحد هو أن يحفر في جانب القبر من جهة القبلة موضع يوضع فيه الميت، وهو الأفضل إذا كانت الأرض متماسكة. والشق هو حفرة في وسط القبر تبنى جوانبها ويوضع الميت فيها، وهو جائز، ويستعمل إذا كانت طبيعة الأرض لا تناسب اللحد.

والأصل أن يدفن الميت في الأرض من غير تابوت. فإن ألزم النظام بالتابوت، أو احتيج إليه لرخاوة الأرض أو سلامة الناس أو حفظ الجثمان، جاز بقدر الحاجة.

دفن الميت خطوة بخطوة
قسم

دفن الميت خطوة بخطوة

الخطوة الأولى: إنزال الميت إلى القبر برفق

يتولى إنزال الميت رجال قادرون أمناء، ولو كانت الجنازة امرأة، مع حفظ سترها عند الإنزال. ولا يشترط أن يكون من ينزلها من محارمها، لكن يقدم الزوج أو المحارم أو من هو أعرف وأرفق إذا تيسر.

ويقول من يضعه في القبر:

"بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ".

وفي رواية: "وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ".

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من أهل الحديث.

الخطوة الثانية: وضعه على جنبه الأيمن مستقبل القبلة

يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن، ويكون وجهه وصدره إلى القبلة، ويسند بما يحفظ وضعه من غير إهانة. ولا يكشف وجهه عند الدفن، ولا يشرع وضع تراب أو حجر تحت خده على أنه عبادة لازمة.

وإذا كان الكفن قد ربط بأشرطة خوف انفتاحه في أثناء الحمل، استحب حل العقد بعد استقرار الميت في القبر من غير كشف عورته أو إفساد كفنه؛ لأن الحاجة إلى الربط قد انتهت، وقد عرف حلها عن السلف. ولا يوجد عدد تعبدي محدد لهذه العقد.

الخطوة الثالثة: إغلاق اللحد أو الشق

يسد اللحد باللبن أو الحجارة أو الألواح المناسبة حتى لا يهال التراب مباشرة على الجثمان. وإذا كان القبر شقا، يسقف فوق موضع الميت بما يحقق المقصود. ويراعى في ذلك نظام المقبرة وسلامة العاملين.

الخطوة الرابعة: إهالة التراب وتسوية القبر

يهال التراب حتى يمتلئ القبر، ويرفع عن الأرض ارتفاعا يسيرا يعرف به ويحفظ من الامتهان، من غير بناء ولا زخرفة ولا تجصيص.

قال جابر رضي الله عنه:

"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ".

رواه مسلم.

ويجوز وضع حجر بسيط عند رأسه ليعرف القبر عند الحاجة؛ فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حجرا عند قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه وقال:

"أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي".

رواه أبو داود، وحسنه جماعة من أهل الحديث.

الخطوة الخامسة: الدعاء للميت بعد الدفن

يقف الحاضرون بعد الفراغ زمنا يسيرا، ويستغفر كل واحد للميت ويسأل الله له الثبات. فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه:

"كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ المَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ".

رواه أبو داود، وصححه أهل العلم.

فيدعو كل مسلم بما تيسر، مثل: "اللهم اغفر له، اللهم ثبته عند السؤال". ولا يلزم دعاء جماعي بصوت واحد، ولا صيغة طويلة محددة.

أوقات ينهى عن تعمد الدفن فيها
قسم

أوقات ينهى عن تعمد الدفن فيها

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:

"ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ".

رواه مسلم.

وهي أوقات قصيرة: عند بدء طلوع الشمس، وعند قيامها في وسط السماء قبيل الظهر، وعند شروعها في الغروب. فلا يتعمد ابتداء الدفن فيها من غير حاجة. أما إذا وجدت ضرورة أو خيف على الجثمان، فيرجع إلى أهل العلم والجهة المسؤولة بقدر الحاجة.

ويجوز الدفن ليلا إذا أديت حقوق الميت، وأمكن تغسيله والصلاة عليه ودفنه على وجه حسن، فقد دفن بعض الصحابة ليلا. لكن لا يجعل الليل سببا لإخفاء التقصير في حقه أو تقليل المصلين عليه بلا حاجة.

أمور لا تشرع عند الغسل والتكفين والدفن
قسم

أمور لا تشرع عند الغسل والتكفين والدفن

  • تصوير الميت أو نشر صور غسله وتجهيزه.
  • كشف عورته أو حضور من لا حاجة إليه في مكان الغسل.
  • تعمد كسر عظم أو إتلاف عضو أو التعامل مع الجسد بعنف؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا". رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه أهل العلم.
  • تأخير الدفن بلا حاجة من أجل مراسم أو انتظار أشخاص بعيدين.
  • كتابة الآيات على الكفن، أو وضع المصحف أو التمائم أو الأموال مع الميت.
  • تخصيص الدفن بالأذان أو الإقامة؛ فلم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه.
  • تلقين الميت بعد الدفن بصيغة راتبة يلتزمها الناس؛ فلم يثبت في ذلك حديث مرفوع صحيح.
  • تخصيص القبر بقراءة الفاتحة أو سورة يس أو غيرها على أنها سنة لازمة عند الدفن؛ فلم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
  • رفع القبر رفعا مبالغا فيه، أو تجصيصه، أو البناء عليه، أو زخرفته.
  • وضع الزهور أو إشعال الشموع على القبر تعبدا؛ فذلك ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه.
أسئلة شائعة
سؤال

هل يجب على من غسل الميت أن يغتسل؟

لا يجب عليه الغسل، ولا ينتقض وضوؤه بمجرد غسل الميت أو لمسه. وقد ورد في الغسل من تغسيل الميت حديث اختلف أهل العلم في صحته ودلالته؛ ولذلك قال جماعة باستحبابه لا بوجوبه. فإن اغتسل فحسن، وإن لم يغتسل فلا إثم عليه. ويجب عليه غسل يديه وما أصابه من نجاسة.

سؤال

هل يجوز للزوج أن يغسل زوجته أو للزوجة أن تغسل زوجها؟

نعم، يجوز ذلك على الراجح، وقد ثبت عن جماعة من الصحابة كما تقدم. ويجب في جميع الأحوال حفظ العورة والرفق بالجسد.

سؤال

هل يجوز للجنب أو الحائض أن يغسل الميت؟

نعم، يجوز؛ فلا يشترط في غاسل الميت أن يكون على وضوء أو خاليا من الجنابة أو الحيض، ولا يمنع الحيض أو الجنابة صحة الغسل، مع مراعاة الأمانة والمعرفة بأحكام التجهيز.

سؤال

هل يصبح جسد المسلم نجسا بعد وفاته؟

لا، جسد الآدمي طاهر في الأصل حيا وميتا، والمؤمن لا ينجس. أما الدم والبول والغائط وسائر النجاسات الخارجة منه فتنظف، وتستعمل القفازات ووسائل الوقاية صيانة للغاسل ومنعا لانتقال العدوى، لا لأن بدن الميت كله نجس.

سؤال

هل يجب غسل الميت ثلاث مرات؟

الواجب أن يعم الماء جسده ويزول ما عليه من نجاسة بقدر الاستطاعة. ويستحب أن يغسل ثلاثا، فإن احتاج زيد إلى خمس أو سبع وجعل العدد وترا، كما في حديث أم عطية رضي الله عنها.

سؤال

هل يفتح فم الميت ويصب فيه الماء؟

لا. ينظف الفم والأسنان والأنف بخرقة أو قطن مبلل برفق، ولا يصب الماء في داخله؛ لأن ذلك قد يدخل الجوف ثم يخرج بالنجاسة ويؤذي الجثمان.

سؤال

هل تكفن المرأة في خمسة أثواب وجوبا؟

لا يجب عدد معين على الراجح، وإنما الواجب ستر بدنها كله. وقد استحب كثير من الفقهاء خمسة أثواب زيادة في الستر، لكنه ليس شرطا لصحة الكفن، ولا يثبت حديث مرفوع صحيح يوجب هذا العدد.

سؤال

ماذا يفعل إذا استمر خروج الدم أو السوائل بعد الغسل؟

ينظف الموضع، وتوضع مادة ماصة أو حاجز مناسب، ويحكم الكفن بما يمنع الانتشار من غير إيذاء. ولا يعاد الغسل كله لمجرد خروج شيء بعده على قول جمهور أهل العلم. وإذا كان النزف شديدا أو الجسد مصابا، تولى الأمر مختصون.

سؤال

هل يجوز دفن الميت في تابوت؟

الأصل دفنه في الأرض بلا تابوت، وهو الموافق لهدي المسلمين. ويجوز استعمال التابوت عند الحاجة، مثل إلزام النظام، أو رخاوة الأرض، أو الخوف من تسرب السوائل أو انتقال عدوى، أو حفظ الجثمان من الضرر.

سؤال

هل يجوز نقل الميت إلى بلد آخر؟

الأصل المبادرة إلى دفنه في البلد الذي مات فيه. ويجوز النقل لحاجة معتبرة إذا لم يؤد إلى تأخير طويل أو تغير الجثمان أو انتهاك حرمته، مثل عدم وجود مقبرة للمسلمين أو وجود ضرورة نظامية. وتراعى فتوى أهل العلم وأنظمة البلد.

سؤال

ماذا يفعل إذا مات المسلم في البحر وتعذر الوصول إلى البر؟

إن أمكن حفظ الجثمان حتى يصل إلى البر من غير تغير أو ضرر، فعل ذلك ودفن في الأرض. وإن خيف فساده وتعذر الوصول، غسل وكفن وصلي عليه بقدر الاستطاعة، ثم ألقي في البحر برفق وفق الطريقة التي تحقق ستره وتصون حرمته وتوافق الأنظمة البحرية. وقد اختلف الفقهاء: فمنهم من قال بتثقيله حتى يستقر في قاع البحر، ومنهم من قال بوضعه بين لوحين أو في وعاء مناسب من غير تثقيل رجاء أن يصل إلى ساحل فيدفن؛ ولذلك يرجع في التطبيق إلى عالم موثوق والجهة البحرية المختصة بحسب المكان والظروف.

سؤال

هل يجوز التبرع بأعضاء الميت بعد وفاته؟

الراجح - فيما يظهر من الأدلة - عدم جواز التبرع بأعضاء الميت بعد وفاته؛ لأن جسد الإنسان أمانة عنده وليس ملكا يتصرف فيه بما شاء، ولأن حرمة المسلم ثابتة بعد موته كما كانت في حياته. قال الله تعالى:

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

"كَسْرُ عَظْمِ المَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا".

رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وصححه أهل العلم.

فنزع الأعضاء بعد الوفاة يتضمن قطع جسد الميت وانتهاك حرمته، والورثة إنما يرثون ماله ولا يملكون أعضاءه حتى يأذنوا بأخذها. وعلى هذا القول لا يجوز للمسلم أن يوصي بالتبرع بأعضائه بعد موته، ولا يجوز للورثة أن يتبرعوا بها عنه، ويحرم بيع الأعضاء من باب أولى. وهذا هو اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله والشيخ صالح الفوزان حفظه الله. وقد ورد عن الشيخ ابن باز رحمه الله التوقف في جواب، وصرح في جواب آخر بأن رأيه ووصيته عدم التبرع؛ خشية أن يكون ذلك من المثلة المحرمة.

ومع أن بعض أهل العلم والمجامع الفقهية المعاصرة أجازوا التبرع بعد الوفاة بضوابط، فالراجح المنع لما تقدم من أدلة حرمة الميت، ولا تصح الوصية بالتبرع بأعضائه بعد موته على هذا القول.

وإذا استؤصل عضو قبل تسليم الجثمان، غسل ما بقي منه بقدر الاستطاعة، ولم تفتح الغرز الطبية، ثم كفن وصلي عليه ودفن كغيره مع حفظ حرمته.

سؤال

هل يجوز إجراء التشريح الطبي أو النظامي؟

الأصل حرمة جسد الميت ووجوب صيانته. ولا يجوز التشريح لمجرد العبث أو التعليم الذي يمكن تحقيقه بوسيلة أخرى. أما إذا ألزم به القضاء، أو وجدت ضرورة معتبرة لكشف جريمة أو منع خطر عام أو تحقيق مصلحة طبية كبيرة لا تقوم بغيره، فهذه نازلة تقدر بقدرها عند الجهات المختصة وأهل العلم، مع أقل قدر ممكن من المساس بالجسد وإعادة أجزائه ودفنه باحترام.

خلاصة عملية
خلاصة

خلاصة عملية

  • تحقق من ثبوت الوفاة والإذن الطبي والنظامي بالتجهيز.
  • اختر غاسلا أمينا مدربا من جنس الميت، مع جواز غسل أحد الزوجين للآخر.
  • استر العورة، ونظف النجاسة، ووضئ الميت، ثم اغسل الرأس والجانب الأيمن فالأيسر ثلاثا أو بحسب الحاجة، واجعل الكافور في الأخيرة.
  • جفف الجسد وكفنه في ثوب ساتر؛ والأفضل للرجل ثلاث لفائف بيض، مع زيادة ستر المرأة بما يحقق المقصود.
  • صل على الميت وبادر إلى دفنه من غير تأخير غير ضروري.
  • ضعه في القبر على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، وقل عند وضعه: "بسم الله، وعلى سنة رسول الله".
  • أغلق القبر وارفعه ارتفاعا يسيرا بلا بناء أو زخرفة.
  • استغفر للميت بعد الدفن واسأل الله له الثبات.

والتفاصيل العملية قد تختلف باختلاف حالة الجثمان وطبيعة الأرض والأنظمة المحلية. فإذا وجدت إصابة خطرة أو مرض معد أو مسألة غير معتادة، فلا يجتهد غير المتخصص، بل يرجع إلى جهة تجهيز مسلمة موثوقة، وأهل الطب، وعالم يعرف أحكام الجنائز.

ولمعرفة ما يفعله المسلم قبل التجهيز وبعد ثبوت الوفاة، يمكن قراءة: ماذا يفعل المسلم عند الاحتضار وبعد الوفاة؟. ولمعرفة أحكام التعزية والمقابر، يمكن الرجوع إلى: آداب التعزية وأحكام زيارة القبور.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.