قسم المقالثالثا: الديون الثابتة في ذمة الميت
الدين مقدم على الوصية والميراث. قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ".
رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه أهل العلم.
وتشمل الديون الثابتة، بحسب حال الميت:
- القروض والمبالغ التي ثبتت للناس في ذمته.
- أثمان السلع والأجرة والرواتب والحقوق التي لم يؤدها.
- المظالم والأموال المغصوبة أو المأخوذة بغير حق، فترد إلى أصحابها.
- مؤخر صداق الزوجة إذا كان ثابتا ولم يسقط أو يؤد.
- ما ثبت في ذمته من زكاة واجبة لم يخرجها، أو كفارة مالية، أو حج واجب استقر عليه، ونحو ذلك من حقوق الله المالية، على ما يقرره أهل العلم في تفاصيل الواقعة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: "أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ". رواه البخاري.
ولا يكفي مجرد ادعاء الدين بغير إثبات، كما لا يجوز للورثة كتمان دين يعلمونه. فيثبت الحق بالإقرار أو الوثيقة أو البينة أو الحكم المعتبر، ويرجع عند التنازع إلى القضاء.
وإذا كان الدين حالا، وكانت التركة تتسع لأدائه، وجبت المبادرة إلى سداده. أما الدين المؤجل فقد يبقى إلى أجله على قول معتبر إذا كان التأجيل ثابتا، والتزم الورثة أو من يتولى التركة بسداده، ورضي الدائن بمن يقوم مقام الميت أو قدم له ضمان أو رهن يفي بحقه. ولا يجوز توزيع ما يعرض حق الدائن للضياع. ولأن العقود والأنظمة وأحكام حلول الدين بالموت قد تختلف، تعرض الديون المؤجلة على عالم وجهة مختصة قبل القسمة.
ويمكن قراءة مقال أحكام الديون والقروض والربا باختصار لمعرفة الأحكام العامة المتعلقة بالديون.
مؤخر صداق الزوجة دين مقدم
إذا كان للزوجة مؤخر صداق ثابت في ذمة زوجها، فإنه دين لها يؤدى من التركة قبل قسمتها، ثم ترث بعد ذلك نصيبها الشرعي من الباقي إن كانت وارثة. فاستحقاقها للدين لا يسقط حقها في الميراث، كما أن كونها وارثة لا يسقط دينها.
ولا يجوز لبقية الورثة الضغط عليها للتنازل عنه. فإن تنازلت بعد ثبوته، وهي بالغة عاقلة مختارة عالمة بحقها، صح تبرعها، أما التنازل الناتج عن الحرج أو الإكراه فلا يحل.
إذا استغرقت الديون التركة
إذا استغرقت الديون المال، فلا ميراث؛ لأن الورثة إنما يرثون ما بقي. ولا تلزمهم ديون الميت من أموالهم الخاصة لمجرد القرابة، إلا إذا كانوا ضامنين لها أو التزموا بها التزاما صحيحا. فإن تبرعوا بالسداد عنه فهو إحسان يؤجرون عليه.
وعند عدم كفاية المال لجميع الديون، تحفظ مراتب الحقوق، ويرجع في توزيع الموجود بين أصحاب الديون إلى عالم وقضاء مختص، ولا يقدم قريب أو صديق بغير حق.