فقه المعاملات الماليةالعملات الرقمية والتداول: ضوابط شرعية مهمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
انتشرت العملات الرقمية والأصول المشفرة ومنصات التداول انتشارا واسعا، وتنوعت المنتجات المعروضة تحت أسماء مثل: الشراء الفوري، والعقود الآجلة، والعقود الدائمة، والرافعة المالية، والتخزين، والإقراض، والنسخ الآلي للصفقات. وقد تتشابه الأسماء بينما تختلف حقيقة العقود، ولهذا لا يصح الحكم على المعاملة من إعلانها أو اسمها التجاري وحده.
والحكم الشرعي في هذا الباب لا يتعلق بالتقنية وحدها؛ فتقنية سلسلة الكتل وسيلة يمكن أن تستعمل في المباح أو المحرم. وإنما ينظر في حقيقة الأصل الرقمي، والغرض من إنشائه، والحقوق التي يمثلها، وطريقة إصداره، وكيفية تداوله، وحصول الملك والقبض، وما يشتمل عليه العقد من ربا أو غرر أو ميسر أو ظلم أو تدليس.
وهذا المقال يبين الضوابط العامة التي يحتاج إليها المسلم قبل شراء عملة رقمية أو الدخول في منصة تداول. أما الحكم على عملة أو رمز أو منصة أو عقد بعينه، فيحتاج إلى عرض تفاصيله ووثائقه على عالم موثوق يفهم فقه المعاملات المالية المعاصرة؛ لأن تغير بند واحد قد يغير الحكم.
قسم المقالالأصل الشرعي في الأموال والمعاملات
الأصل في المعاملات الإباحة ما لم تتضمن محرما شرعيا. قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
فلا يكفي رضا الطرفين إذا كان محل العقد أو طريقته محرمة؛ إذ حرم الله الربا والميسر والغش والغرر الفاحش وأكل المال بالباطل، وإن رضي المتعاملون بذلك.
وقال الله تعالى:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275].
وقال سبحانه:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ". رواه مسلم.
فالربح المشروع لا ينفصل عن عقد مشروع، وملك صحيح، ومخاطرة تجارية منضبطة، ولا يكون بمجرد المراهنة على ارتفاع رقم أو انخفاضه في عقد لا يترتب عليه تملك حقيقي.
أولا: أن يكون الأصل أو المشروع مباحا
لا يجوز شراء رمز يمثل نشاطا محرما أو يعين عليه، كمنصات القمار، أو الإقراض الربوي، أو بيع المحرمات، أو المحتوى المحرم. كما لا يجوز الدخول في مشروع احتيالي أو قائم على أخذ أموال المتأخرين لدفع أرباح الأوائل.
وينبغي معرفة ما الذي يمنحه الرمز فعلا: هل يمثل ملكية، أو منفعة، أو حقا معلوما، أم أنه مجرد اسم ورمز تسويقي لا حقيقة اقتصادية واضحة وراءه؟
ثانيا: العلم الكافي بالمبيع والعقد
يجب أن يكون الأصل والثمن والحقوق والرسوم وطريقة التسوية معلومة علما يرفع الجهالة المؤثرة. ومن علامات الخطر:
- غموض الجهة المصدرة أو الفريق المسؤول.
- وعود الربح المضمون أو المبالغ فيه.
- إخفاء طريقة إصدار الرموز أو توزيعها.
- قدرة المطلعين على تغيير المعروض أو تجميد أموال الناس دون بيان.
- غياب تفسير واضح لمصدر العائد.
- الاعتماد على مشاهير أو مجموعات ترويج بدل المعلومات الموثقة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا". متفق عليه.
ثالثا: تحقق الملك والقبض والقدرة على التصرف
الأصل ألا يبيع الإنسان عينا معينة لا يملكها ولا يقدر على تسليمها، مع ما جاءت به الشريعة من عقود مستثناة منضبطة كالسلم والاستصناع بشروطهما. وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي، أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق؟ قال: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ". رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه أهل العلم.
والقبض قد يكون حسيا، وقد يكون حكميا إذا جرى العرف به، وتمكن المشتري من التصرف في الأصل تصرف المالك من غير مانع غير معتاد. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 53 أن القبض الحكمي يتحقق بالتخلية مع التمكين من التصرف، وأن القيد في الحساب لا يبيح التصرف قبل أن يحصل أثره وتتحقق إمكانية التسلم.
وفي الأصول الرقمية، من أقوى أمارات القبض الحقيقي أو الحكمي المعتبر: ثبوت الرصيد للمشتري ملكا نافذا، وقدرته الفعلية على نقله أو سحبه إلى محفظة يسيطر عليها، أو تحقق تمكين مماثل معتبر بحسب طبيعة الأصل والعقد. أما ظهور رقم في شاشة المنصة، أو القدرة على بيعه داخلها فقط، فلا يكفي وحده إذا لم يثبت وجود أصل مملوك للمشتري وتمكينه الحقيقي من التصرف فيه.
رابعا: مراعاة أحكام الصرف إذا أخذ الأصل حكم النقد
إذا كيف الأصل الرقمي على أنه نقد أو عملة، فإن مبادلته بعملة أخرى تدخل في أحكام الصرف، ومن أهمها التقابض في مجلس العقد، حقيقيا أو حكميا معتبرا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ". رواه مسلم.
فلا يجوز تأجيل البدلين، ولا بيع رصيد لم يدخل في ملك المشتري وقبضه. أما إذا كان الرمز سلعة أو حقا رقميا لا نقدا، فتطبق عليه أحكام نوعه، مع بقاء وجوب الملك، والعلم، وانتفاء الربا والغرر والظلم.
خامسا: خلو المعاملة من الربا
من الصور المحرمة:
- إقراض العملة أو الرمز على أن يرد بزيادة مشروطة.
- عائد ثابت مضمون بسبب إيداع الأصل على حقيقة القرض.
- رسوم تمويل ربوية على الصفقات أو المراكز المفتوحة.
- زيادة الدين بسبب التأخر.
- اقتراض مال للتداول بفائدة صريحة أو منفعة مشروطة للمقرض بسبب القرض.
ولا يزول الربا بتغيير اسمه إلى فائدة تمويل، أو عائد، أو مكافأة مضمونة، أو رسم تبييت. والعبرة بحقيقة العقد ومصدر الزيادة.
سادسا: خلو التداول من الميسر والغرر الفاحش
ليست كل مخاطرة تجارية ميسرا؛ فالتاجر يشتري أصلا مباحا يملكه، وقد يربح أو يخسر. لكن المعاملة تقترب من الميسر أو تدخل فيه إذا صارت مراهنة محضة على حركة السعر، يتغالب فيها الطرفان على فروق الأسعار من غير تملك حقيقي ولا منفعة اقتصادية مشروعة، أو بنيت على جهالة شديدة وتغرير وتلاعب.
ومن صور الخطر: الرهانات الثنائية، وبعض عقود التنبؤ، والمضاربات التي لا يقصد منها إلا تصفية فرق السعر، والدخول العشوائي تحت تأثير الخوف من فوات الفرصة، وملاحقة عملات مجهولة ترتفع بالدعاية ثم يبيعها المروجون على الجمهور.
سابعا: اجتناب الغش والتلاعب بالسوق
يحرم نشر أخبار كاذبة، أو إخفاء المصلحة الشخصية، أو الاتفاق على رفع السعر صناعيا ثم البيع على الداخلين، أو إنشاء تداولات وهمية لإظهار طلب غير حقيقي، أو استغلال معلومات سرية على وجه يظلم بقية المتعاملين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي". رواه مسلم.
ثامنا: أن تكون الرسوم في مقابل خدمة مباحة معلومة
يجوز في الأصل أخذ أجرة معلومة على وساطة أو حفظ أو تحويل أو خدمة تقنية مباحة، إذا كانت المعاملة نفسها مشروعة وكانت الأجرة معلومة ولا تستر زيادة ربوية.
أما إذا كانت الرسوم زيادة على قرض بسبب مدته أو مبلغه، أو اشترط المقرض أن يتم التداول من خلاله لينتفع بالقرض، أو كانت رسوما صورية تخفي فائدة أو تمويلا محرما، فلا يغير الاسم حقيقتها. ورسوم شبكة التحويل لا تأخذ حكما واحدا مع رسوم التمويل؛ فالعبرة بما تقابله كل رسوم فعلا.
الشراء الفوري
لا تكفي تسمية الصفقة "فورية" أو "Spot" للحكم عليها بالجواز. وقد تكون جائزة من حيث الأصل إذا كان الأصل نفسه مباحا، والثمن معلوما، وتحقق الملك والقبض والقدرة على التصرف، وخلا العقد من الربا والغرر الفاحش والتدليس والمحظورات الأخرى.
أما إذا كانت المنصة لا تشتري للمستخدم أصلا حقيقيا، وإنما تسجل له تعرضا سعريا أو دينا غير قابل للسحب، فهذه ليست ملكية كاملة لمجرد ظهور الرصيد.
الرافعة المالية والتداول بالهامش
الرافعة المالية في صورتها الشائعة ليست مجرد تكبير للصفقة؛ بل يدخل فيها قرض أو تمويل من الوسيط، وانتفاع الوسيط بهذا القرض من عمولات أو شروط، وقد تجتمع معها رسوم ربوية، وبيع ما لا يملك، وعدم القبض، والتصفية القسرية.
ولهذا لا يجوز الدخول في الرافعة المالية بصورتها الشائعة. وعبارة "من دون فوائد ليلية" لا تكفي للحكم بالجواز؛ فقد تبقى محاذير القرض الذي جر منفعة، أو عدم الملك والقبض، أو حقيقة عقد المشتقات. ولا يستثنى عقد معين إلا بعد فحص بنوده ومسار المال والأصل فحصا شرعيا متخصصا.
العقود الآجلة والعقود الدائمة
العقود الآجلة والدائمة المتداولة على منصات العملات الرقمية لا يحصل في صورها الشائعة شراء الأصل وقبضه، وإنما يفتح المتداول مركزا على ارتفاع السعر أو انخفاضه، ثم تسوى فروق الأسعار، وقد تضاف رسوم تمويل دورية ورافعة مالية وتصفية إجبارية.
فهذه الصور الشائعة غير جائزة؛ لما تجتمع عليه من بيع ما لا يملك، وعدم القبض، والغرر والميسر، وقد يضاف إليها الربا. وقد منع مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 63 الصور المؤجلة التي يؤجل فيها البدلان أو تنتهي بعقد معاكس دون تسليم وتسلم فعليين.
عقود الخيارات
عقود الخيارات كما تجري في الأسواق المالية المعاصرة غير جائزة. وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن المعقود عليه فيها ليس مالا ولا منفعة ولا حقا ماليا يجوز الاعتياض عنه، فلا يجوز إنشاؤها ولا تداولها.
عقود الفروقات
عقد الفروقات لا يملك فيه المتداول الأصل غالبا، وإنما يتفق مع الوسيط على تسوية الفرق بين سعر الافتتاح والإغلاق. ولذلك لا يجوز بصورته الشائعة؛ إذ يقوم على فرق السعر دون تملك وقبض، ويشتمل غالبا على الرافعة والغرر والميسر ورسوم التمويل.
البيع على المكشوف
البيع على المكشوف هو أن يبيع الإنسان أصلا لا يملكه اعتمادا على اقتراضه أو تسويته لاحقا، وهو غير جائز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ". وقد تجتمع معه كذلك منفعة مشروطة للمقرض ومحاذير أخرى.
التحصيص أو إيداع العملات مقابل مكافآت (Staking)
لا تحمل جميع المنتجات المسماة "Staking" حكما واحدا:
- فقد تكون مشاركة فنية في توثيق معاملات شبكة مباحة، وتكون المكافأة من بروتوكول الشبكة في مقابل عمل أو تحمل تبعة معلومة.
- وقد تكون في حقيقتها إقراضا للمنصة على أن ترد الأصل بزيادة مضمونة، وهذه زيادة محرمة.
- وقد تخلط المنصة أموال العملاء في الإقراض الربوي أو المضاربات المحرمة من غير بيان.
- وقد تكون المكافأة من إصدار رموز لا قيمة حقيقية لها أو من أموال الداخلين الجدد.
لذلك لا يحكم على التخزين من اسمه أو نسبة العائد، بل لا بد من معرفة حقيقة العقد، ومصدر المكافأة، وضمان رأس المال، ومن يملك الأصل أثناء الحجز، وكيف تستعمله المنصة، وحكم العملة نفسها.
الإقراض وحسابات العائد
إذا سلم المستخدم عملاته إلى منصة أو شخص على أنها قرض مضمون، على أن يستردها مع زيادة مشروطة، فهذه الزيادة ربا، سواء سميت فائدة أو عائدا سنويا أو مكافأة. أما الاستثمار بالمشاركة في الربح والخسارة فله شروط أخرى، ولا يصبح مشاركة بمجرد تغيير الاسم مع ضمان رأس المال أو الربح.
التداول الآلي ونسخ الصفقات
البرنامج الآلي ونسخ صفقات متداول آخر وسيلتان، وحكمهما تابع للصفقات التي تنفذ بواسطتهما. فإذا كان البرنامج يتعامل بالرافعة أو العقود الآجلة أو الأصول المحرمة، لم تجز متابعته. وإذا كانت آليته مجهولة، أو وعد بربح مضمون، أو منح صاحبه صلاحية سحب الأموال، فذلك من علامات الخطر والاحتيال.
العملات المستقرة
ليست كل العملات المستقرة على حكم واحد. فينظر في:
- ما الذي يثبت ارتباطها بالعملة أو الأصل المعلن؟
- هل الاحتياطي موجود وكاف ويمكن التحقق منه؟
- هل لحامل الرمز حق استرداد واضح؟
- هل الاحتياطي يوظف في معاملات ربوية؟
- هل الرمز يمثل نقدا، أو دينا على المصدر، أو حصة في موجودات مختلطة؟
- هل يتحقق التقابض عند مبادلته بالنقود؟
فاستقرار السعر المعلن لا يجعل العقد مباحا تلقائيا، كما أن تسمية الرمز "مدعوما" لا تثبت وجود الغطاء أو سلامة استعماله.
فإذا ثبت أن الرمز يمثل عملة رسمية تمثيلا حقيقيا، مع وجود الغطاء وحق الاسترداد والقبض المعتبر، أخذ حكم العملة التي يمثلها، ووجبت مراعاة أحكام الصرف عند مبادلته بعملة أخرى. أما الرمز الذي لا يثبت غطاؤه أو حق استرداده، أو لا يمثل إلا دينا مضطربا على مصدره، فلا يلحق بالعملة الرسمية بمجرد ادعاء الارتباط بسعرها.
الذهب والمعادن النفيسة المرمزة
إذا كان الرمز يزعم تمثيل ذهب أو فضة، فلا يكفي وجود سعر مرتبط بالمعدن. يجب التحقق من وجود المعدن فعلا، وتعيينه أو تخصيص حصة معلومة منه للمشتري، وثبوت ملكه له، وقدرته على قبضه أو التصرف فيه، وعدم كون الرمز مجرد دين غير مغطى أو مراهنة على السعر.
وعند شراء الذهب أو الفضة بالنقود يجب مراعاة أحكام الصرف والتقابض الشرعي. فإذا لم يحصل تملك حقيقي وقبض معتبر للمعدن، لم يصبح العقد شراء ذهب صحيحا لمجرد تسميته ذهبا رقميا أو رمزا مغطى بالذهب.
التمويل اللامركزي ومجمعات السيولة وزراعة العائد
العقد الذكي وسيلة لتنفيذ الشروط آليا، ولا يحول العقد المحرم إلى عقد مباح. وتجمع منتجات التمويل اللامركزي صورا مختلفة؛ فقد تشتمل على مبادلة فورية، أو وساطة، أو مشاركة في رسوم تداول، وقد تشتمل على إقراض بزيادة، أو مشتقات، أو رافعة، أو رموز مكافأة مجهولة القيمة.
ولهذا لا يجوز الحكم على مجمع السيولة أو زراعة العائد من الاسم أو نسبة الربح وحدهما. بل يفحص كل عقد داخل البروتوكول، والأصول المتداولة، ومصدر الرسوم والمكافآت، وضمان رأس المال، وإمكان الخسارة، وسلطة مطوري العقد، وما إذا كانت أموال المشتركين تدخل في معاملات ربوية أو محرمة.
البيع الأولي والطرح المسبق للرموز
قد يكون الطرح الأولي أو البيع المسبق بيعا لحق معلوم، أو مشاركة في مشروع، أو وعدا برمز سيصدر لاحقا، وقد يكون جمعا للأموال لمشروع مجهول أو احتياليا. فيجب معرفة التكييف الحقيقي للعقد، ووجود المشروع، وصفة الرمز وحقوق حامله، وكيفية استعمال الأموال، وموعد التسليم، وما يترتب عند فشل المشروع.
ولا يجوز شراء شيء مجهول الحقيقة أو غير مقدور على تسليمه، ولا تصح الوعود المضمونة بالأرباح. وإذا كان الرمز يمثل حصة استثمارية، طبقت عليه أحكام الشركة أو الورقة المالية بحسب حقيقته، لا أحكام السلع تلقائيا.
التوزيعات المجانية والمكافآت التسويقية
الأصل في الهدية أو المكافأة المباحة الجواز، لكن حكم التوزيع المجاني يتبع الرمز والشروط المطلوبة للحصول عليه. فلا يجوز قبول مكافأة مقابل الترويج لمشروع محرم أو خداع الناس، أو مقابل إيداع ربوي أو مشاركة في مقامرة، أو إذا كان الرمز نفسه يمثل نشاطا محرما.
الشراء المباشر بين الأفراد
الشراء بين الأفراد لا يختلف في أصوله عن الشراء من منصة؛ فيشترط وضوح العوضين، وملك البائع لما يبيع، وحصول القبض، وانتفاء الربا والغش. وإذا كان المتبادل عملتين، وجب التقابض المعتبر في مجلس العقد.
ويجب الحذر من التحويلات المسروقة والحسابات الوهمية والوسطاء المجهولين، وألا يسلم أحد العوضين قبل وجود طريقة مأمونة لتسلم الآخر. ولا تجوز المشاركة في إخفاء مصدر الأموال أو التحايل على حقوق الناس والأنظمة المشروعة.
العملات القائمة على الدعاية والمضاربة المحضة
كثير من العملات التي تنشأ بلا منفعة معتبرة تعتمد على الضجة، وتركيز الملكية في أيدي عدد قليل، ورفع السعر لجذب المشترين ثم البيع عليهم. وهذه تشتد فيها الجهالة والتغرير والتلاعب، وقد تقارب المقامرة أو تكون وسيلة لأكل المال بالباطل.
فعلى المسلم اجتناب ما لم تتضح حقيقته ومنفعته وعدالة إصداره، وألا يجعل كثرة المتابعين أو سرعة ارتفاع السعر دليلا على المشروعية أو القيمة.
الرموز غير القابلة للاستبدال
حكم الرمز غير القابل للاستبدال يتبع ما يمثله والعقد المتعلق به. فإن مثل منفعة أو ملكا مباحا معلوما، وثبتت حقوق صاحبه وخلا من الغش والمحظورات، فله حكمه. وإن مثل صورة أو محتوى محرما، أو اعتدى على حقوق الآخرين، أو قام تداوله على تضليل ومقامرة، لم يجز.
التعدين ومكافآت الشبكة
التعدين أو المساهمة التقنية في تشغيل شبكة ليس محرما لمجرد كونه رقميا، لكن يشترط أن يكون الأصل والنشاط مباحين، وألا يشتمل العمل على سرقة كهرباء أو أجهزة، أو اختراق حواسيب الناس، أو برامج خبيثة، أو إعانة مباشرة على معاملات محرمة. كما يجب معرفة الأنظمة المرعية وما يترتب على النشاط من حقوق وأضرار.
الخطوة الأولى: افهم ما الذي تشتريه
لا تشتر رمزا لا تستطيع أن تشرح باختصار: ما وظيفته؟ ومن أصدره؟ وما الحق الذي يملكه حامله؟ ومن أين تأتي قيمته؟
الخطوة الثانية: تحقق من مشروعية النشاط
اقرأ وصف المشروع واستعمالاته، ولا تكتف بعبارة "متوافق مع الشريعة" ما لم تصدر عن هيئة مستقلة مؤهلة درست العقود والتطبيق الفعلي.
الخطوة الثالثة: اقرأ شروط المنصة
تحقق من رسوم التداول والسحب، وشروط الحفظ، وحق المنصة في تجميد الحساب أو إقراض الأصول، وسياسة الإفلاس، ورسوم التمويل، وطبيعة المنتج: هل هو شراء حقيقي أم عقد فروقات أو مشتقات؟
الخطوة الرابعة: تحقق من الملك والقبض
تأكد أن الأصل يدخل في رصيدك دخولا نافذا، وأن لك حق التصرف فيه وسحبه أو نقله بحسب طبيعته، وليس مجرد رقم يمثل مراهنة على السعر.
الخطوة الخامسة: اختر الشراء من مالك لا صفقة ممولة
ابتعد عن الرافعة والقروض ورسوم التبييت، ولا تبع قبل أن تملك وتقبض. وإذا أخذ الأصل حكم العملة، فتحقق من التقابض المعتبر في عقد الصرف.
الخطوة السادسة: افهم مصدر كل عائد
اسأل: هل العائد مقابل عمل أو مخاطرة استثمارية مشروعة، أم هو زيادة مضمونة على قرض، أم يدفع من أموال الداخلين الجدد، أم من إصدار رموز جديدة بلا قيمة واضحة؟
الخطوة السابعة: افحص التوزيع والمخاطر
اعرف نسبة ما يملكه المؤسسون وكبار المحافظ، وإمكان زيادة المعروض، وسلطة الجهة المصدرة في التجميد أو التغيير، ونتائج التدقيق التقني إن وجدت. فتركيز الملكية والغموض يزيدان خطر التلاعب، وإن لم يكونا وحدهما حكما شرعيا مستقلا.
الخطوة الثامنة: احفظ أموال الضرورات
لا تدخل بمال النفقة أو الدين أو العلاج، ولا تقترض للمضاربة، ولا تجعل شدة التقلب سببا في تضييع حقوق الأسرة. وإباحة أصل ما لا تعني أن المخاطرة بكل المال فيه حكمة أو جائزة إذا ترتب عليها تضييع واجب.
الخطوة التاسعة: راع الأمانة والأنظمة المشروعة
لا تستخدم حسابات الآخرين، ولا تتحايل على التحقق، ولا تخف الضرائب أو الحقوق الواجبة بالكذب، والتزم الأنظمة التي تحفظ الأموال وتمنع الجريمة ولا تخالف الشريعة.
الخطوة العاشرة: اسأل عن العقد المحدد
لا تسأل فقط: "هل العملات الرقمية حلال؟" بل قدم للعالم اسم الأصل، ووثيقته، وطريقة الإصدار، والمنصة، ونوع الحساب، وطريقة الشراء والسحب، والعائد والرسوم. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.
سؤال وجوابهل العملات الرقمية حلال أم حرام؟
لا تحمل جميعها حكما واحدا. ينظر في حقيقة كل أصل وغرضه وحقوقه وطريقة إصداره وتداوله. وقد اختلف المعاصرون في تكييف بعض العملات المشهورة، فلا يصح أن يجعل هذا المقال اسما معينا حلالا أو حراما من غير دراسة مستقلة. أما الربا والميسر والغش وبيع ما لا يملك والعقود المحرمة، فلا يبيحها كون الأصل رقميا.
سؤال وجوابهل شراء العملات الرقمية شراء فوريا جائز؟
قد يجوز من حيث الأصل إذا ثبتت إباحة الأصل، وتحقق الملك والقبض والقدرة على التصرف، وكان الثمن معلوما، وخلا العقد من الربا والغرر الفاحش والتدليس. ومجرد كتابة كلمة "Spot" على المنصة لا تثبت تحقق هذه الشروط.
سؤال وجوابهل المضاربة اليومية تعد قمارا؟
قصر مدة الملك لا يجعل المعاملة قمارا وحده، لكن كثرة الصفقات لا تصحح العقد المحرم. فإذا كان المتداول يملك أصلا مباحا ملكا حقيقيا ويبيعه بعقد صحيح، فالأصل ينظر في البيع نفسه. أما المراهنة على فرق السعر دون ملك وقبض، أو التداول العشوائي القائم على الحظ والإثارة والتغرير، فيدخل في الميسر أو يقاربه بحسب حقيقته.
سؤال وجوابهل تجوز الرافعة المالية إذا لم توجد فائدة ليلية؟
لا يكفي حذف الفائدة الليلية. فالرافعة الشائعة قد تشتمل على قرض ينتفع به الوسيط، وعدم تملك الأصل وقبضه، وبيع ما لا يملك، وعقد مشتقات وتسوية فروق. ولذلك لا يجوز افتراض حلها لمجرد تسمية الحساب "إسلاميا"؛ بل لا بد من فحص العقد، والصور الشائعة منها غير جائزة.
سؤال وجوابهل العقود الدائمة والعقود الآجلة جائزة؟
صورها الشائعة في منصات العملات الرقمية غير جائزة؛ لأنها تقوم غالبا على مركز سعري دون تملك وقبض حقيقيين، وتسوية فروق، ورافعة أو تمويل، مع الغرر والميسر وبيع ما لا يملك.
سؤال وجوابهل عوائد التخزين حلال؟
لا يحكم عليها من الاسم. إن كانت زيادة مضمونة على قرض فهي ربا. وإن كانت مكافأة مقابل عمل مشروع في توثيق شبكة مباحة، من غير ضمان محرم ولا استعمال للأصل في الحرام، فلها تكييف آخر يحتاج إلى دراسة. يجب معرفة العقد ومصدر العائد قبل الاشتراك.
سؤال وجوابهل العملات المستقرة جائزة؟
لا يكفي ثبات السعر. يختلف الحكم بحسب الجهة المصدرة، والاحتياطي، وحق الاسترداد، واستعمال أموال الغطاء، وحقيقة الرمز، وتحقق القبض عند المبادلة. لذلك يفحص كل نوع على حدة.
سؤال وجوابهل شراء البيتكوين أو غيره جائز؟
اختلف المعاصرون في تكييف بعض العملات اللامركزية وفي تحقق المالية والمنفعة المعتبرة فيها، فلا يصح إصدار فتوى فردية في عملة معينة بمجرد شهرتها أو ارتفاع قيمتها. يجب فحص حقيقتها واستعمالها ومخاطرها وطريقة شرائها، ثم سؤال عالم مؤهل في المعاملات المعاصرة. ولا يعني الخلاف جواز الرافعة أو العقود الآجلة أو غيرها من العقود المحرمة.
سؤال وجوابهل يجوز شراء عملة لمجرد توقع ارتفاعها؟
توقع الربح موجود في التجارة، لكنه لا يغني عن مشروعية الأصل والعقد. فلا يجوز شراء أصل مجهول أو مشروع احتيالي أو الدخول في تلاعب جماعي لمجرد توقع ارتفاع السعر، ولا ينبغي للمسلم أن يجعل الشائعة بديلا عن العلم.
سؤال وجوابهل روبوت التداول أو نسخ الصفقات يجعل التداول جائزا؟
لا. الأداة لا تغير حكم الصفقة. يجب معرفة ما يشتريه البرنامج، ونوع العقود، والرافعة والرسوم، وصلاحيات الوصول إلى المال. فإذا نفذ معاملات محرمة كانت محرمة ولو نفذت آليا.
سؤال وجوابهل رسوم المنصة أو رسوم التحويل محرمة؟
ليست كل الرسوم ربا. تجوز الأجرة المعلومة على خدمة مباحة حقيقية، كالوساطة أو الحفظ أو تنفيذ التحويل، إذا كانت المعاملة الأصلية جائزة. وتحرم الرسوم إذا كانت زيادة على قرض بسبب الزمن أو المبلغ، أو غطاء لفائدة ربوية، أو مقابلا لخدمة محرمة. لذلك ينظر في سبب الرسم وطريقة حسابه، لا في اسمه فقط.
سؤال وجوابهل التمويل اللامركزي ومجمعات السيولة جائزة؟
لا تحمل حكما واحدا؛ لأنها قد تجمع عدة عقود في منتج واحد. فإذا اشتملت على قرض بزيادة، أو مشتقات محرمة، أو أصل محرم، لم تجز. وإذا ادعي أنها مشاركة أو وساطة مباحة، وجب التحقق من العقود الفعلية ومصدر العائد وعدم ضمان رأس المال على وجه محرم قبل الاشتراك.
سؤال وجوابهل يجوز حفظ العملات في منصة مركزية؟
الحفظ في المنصة عقد له مخاطره وشروطه. يجب معرفة هل تبقى الأصول ملكا للمستخدم، وهل للمنصة حق إقراضها أو خلطها، وهل يستطيع سحبها، وماذا يحدث عند إفلاس المنصة. والأحوط من جهة حفظ الملك أن يكون المستخدم متمكنا من أصوله، مع اتخاذ أسباب الأمان وعدم تعريضها للسرقة أو الضياع.
سؤال وجوابهل يجوز دفع ثمن السلع بعملة رقمية؟
يتوقف ذلك على مشروعية الأصل، ورضا الطرفين، ووضوح الثمن، وتحقق القبض، وانتفاء الغش والضرر، ومراعاة الأنظمة المشروعة في البلد. واستعمال العملة في شراء مباح لا يصحح خللا محرما في أصلها أو طريقة الحصول عليها.
سؤال وجوابكيف أطلب فتوى دقيقة عن عملة أو منصة؟
أرسل للعالم أو الهيئة المختصة اسم العملة والمنصة، ووثيقة المشروع، ونوع الحساب، وصورة العقد، وطريقة الشراء والسحب، ومصدر العائد، والرسوم، وهل توجد رافعة أو إقراض أو ضمان لرأس المال. ولا تحذف شرطا لأنك تظنه غير مهم؛ فقد يكون هو المؤثر في الحكم.