قسم المقالما علامات البلوغ الشرعية؟
اتفق أهل العلم في الجملة على أن خروج المني علامة للذكر والأنثى، وأن الحيض علامة خاصة بالأنثى. ووقع خلاف فقهي في بعض تفاصيل الإنبات والسن، ويعتمد هذا المقال القول الراجح الذي تدل عليه الأحاديث، فتكون علامات البلوغ العملية كما يأتي:
- خروج المني بشهوة في اليقظة، أو وجوده بعد النوم.
- إنبات الشعر الخشن حول القبل، وليس مجرد الشعر الرقيق الخفيف، وهو علامة معتبرة على القول الراجح.
- استكمال خمس عشرة سنة قمرية عند عدم ظهور علامة قبلها، وهو قول جمهور من أهل العلم، ودل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
- الحيض، وهو علامة خاصة بالبنت.
فمتى ظهرت واحدة من هذه العلامات المعتبرة صار الابن أو البنت بالغا مكلفا، ولو لم تظهر العلامات الأخرى.
العلامة الأولى: خروج المني
خروج المني من الذكر أو الأنثى بشهوة في اليقظة، أو وجوده بعد النوم، علامة على البلوغ. والاعتبار بخروج الماء، لا بمجرد رؤية حلم. أما خروجه في اليقظة لمرض أو برد ونحوهما من غير شهوة، فلا يحكم به بالبلوغ على القول الراجح.
عن أم سليم رضي الله عنها أنها قالت:
"يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ".
متفق عليه: البخاري (282)، ومسلم (313).
فمن رأى في نومه ما يرى النائم ولم يجد أثرا للمني، فلا غسل عليه بمجرد الحلم. ومن وجد المني بعد نومه وجب عليه الغسل، ولو لم يتذكر حلما.
ولا ينبغي للوالدين أن يطلبا من الابن أو البنت وصف تفاصيل خاصة. يكفي أن يعلماهما قبل هذه المرحلة أن وجود المني بعد النوم، أو خروجه بشهوة في اليقظة، يوجب الغسل ويثبت به البلوغ، وأن يتركا لهما طريقا آمنا ومحترما للسؤال.
العلامة الثانية: إنبات الشعر الخشن حول القبل
إنبات شعر العانة الخشن حول القبل علامة معتبرة على البلوغ عند جماعة من أهل العلم، ودلت عليها السنة؛ فقد استدل العلماء بحديث عطية القرظي رضي الله عنه في اعتبار الإنبات، رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الترمذي والألباني. أما الزغب الرقيق الذي يوجد عند الصغار فليس علامة، وكذلك شعر الساق أو الذراع أو الإبط أو ظهور شعر الوجه لا يعد وحده علامة شرعية قاطعة.
وهذه علامة خاصة لا يجوز للوالدين البحث عنها بالكشف أو التفتيش. يعلم الابن والبنت الحكم، فإذا ظهرت لهما العلامة أخبرا الوالد أو الوالدة أو من يثقان به عند الحاجة، من غير انتهاك للستر أو الخصوصية.
العلامة الثالثة: استكمال خمس عشرة سنة قمرية
إذا لم يظهر الاحتلام أو خروج المني، ولم ينبت الشعر الخشن، ولم تحض البنت، فإن استكمال خمس عشرة سنة قمرية علامة على البلوغ على قول جمهور من أهل العلم.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
"عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي القِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي".
متفق عليه: البخاري (2664)، ومسلم (1868).
وقال نافع رحمه الله: قدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته هذا الحديث، فقال: "إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ".
والمقصود بالسنة هنا السنة القمرية الهجرية، وهي أقصر من السنة الشمسية؛ فخمس عشرة سنة قمرية تساوي تقريبا أربع عشرة سنة ونصفا بالتقويم الشمسي. لذلك لا يصح الاعتماد على العمر الميلادي من غير انتباه إلى الفرق.
وقد اختلف الفقهاء في السن عند عدم ظهور العلامات، لكن اعتبار تمام خمس عشرة سنة قمرية قول قوي تدل عليه السنة، وهو الأنسب للعمل العام. ومن كانت لديه حالة سابقة مضطربة أو لا يعرف تاريخ الميلاد بدقة، فليسأل عالما موثوقا عن كيفية التقدير.
العلامة الرابعة للبنت: الحيض
إذا رأت البنت دم الحيض الحقيقي فقد بلغت، ولو كانت دون خمس عشرة سنة. ولا يشترط أن تنتظم الدورة من أول مرة؛ فقد تتقدم أو تتأخر وتتغير في بدايتها.
لكن ليس كل نزيف تراه الصغيرة حيضا بالضرورة؛ فقد يكون بسبب مرض أو إصابة أو اضطراب هرموني. فإذا ظهر الدم في سن مبكرة جدا، أو صاحبه ألم شديد، أو نزف غزير، أو استمر على وجه غير معتاد، فينبغي مراجعة طبيبة الأطفال أو الطبيبة المختصة، مع سؤال عالمة أو عالم موثوق عن الحكم الشرعي بحسب حقيقة الدم.
ولا يجوز أن تستقبل الأسرة أول حيض بالتوبيخ أو التخويف. بل تبين للبنت أنه أمر كتبه الله على بنات آدم، وتعلم أحكام الغسل والصلاة والصيام والستر في جو من الرحمة والخصوصية.
تغيرات جسدية ليست وحدها علامات شرعية قاطعة
توجد تغيرات قد تدل طبيا على اقتراب البلوغ، لكنها لا تثبت التكليف الشرعي وحدها ما لم تصاحبها علامة معتبرة، ومنها:
- تغير الصوت.
- ظهور حب الشباب.
- زيادة الطول أو تغير شكل الجسم.
- نمو الثديين عند البنت.
- ظهور شعر الإبط أو شعر الوجه.
- زيادة التعرق أو تغير رائحة الجسم.
- التقلبات المزاجية أو الميل إلى الاستقلال.
هذه التغيرات تنبه الوالدين إلى ضرورة استكمال التعليم والاستعداد، لكنها ليست بمفردها حكما بأن الطفل صار مكلفا.