قسم المقالالأصول الشرعية للخطبة والتعارف
الأصل الأول: الدين والخلق قبل المظاهر
لا يعني اعتبار الدين والخلق إهمال القبول النفسي والتوافق العملي، ولكنه يعني أن يكون صلاح الدين والخلق أساس القرار، لا أمرا ثانويا بعد المال والجمال والمكانة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ".
متفق عليه: البخاري (5090)، ومسلم (1466).
وقال صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ".
رواه الترمذي (1085)، وقال: حديث حسن غريب، وحسنه جماعة من أهل العلم.
ويظهر الدين في المحافظة على الصلاة، وتعظيم التوحيد والسنة، والبعد عن الكبائر، والصدق، والعفة، وأداء الحقوق. ويظهر الخلق في التعامل مع الوالدين والضعفاء، وضبط الغضب، والوفاء، واحترام الحدود، وتحمل المسؤولية. ولا يكفي أن يصف الإنسان نفسه بأنه متدين أو حسن الخلق؛ بل يسأل عنه من عرفه في عبادته ومعاملته.
وللمزيد يمكن الرجوع إلى مقال كيف تختار الزوج أو الزوجة الصالحة.
الأصل الثاني: رضا الرجل والمرأة وقيام الولي بدوره
لا يجوز إجبار المرأة على من لا ترضاه، كما لا يجبر الرجل على من لا يريدها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: "أَنْ تَسْكُتَ".
متفق عليه: البخاري (5136)، ومسلم (1419).
وسكوت البكر يعد إذنا عندما يكون ناتجا عن الحياء مع ظهور رضاها، لا إذا كانت خائفة أو مكرهة أو ظهرت منها الكراهة. ولا يجوز للأسرة أن تستعمل حياءها لإسكات اعتراضها.
والولي مسؤول عن النصيحة والتحري وحفظ مصلحة المرأة، وله أن يناقش المهر وما يحفظ حقها، لكن لا يجوز أن يتحول دوره إلى إجبار أو عضل أو متاجرة بحقها لمصلحة نفسه. كما لا يجوز تجاوز الولي وعقد الزواج سرا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ".
رواه أبو داود (2085)، والترمذي (1101)، وابن ماجه (1881)، وصححه جماعة من أهل العلم.
ومع ذلك، فوجود الولي في مرحلة الخطبة لا يجعل الخاطب محرما، ولا يبيح لهما ما لا يحل قبل العقد.
الأصل الثالث: لا خلوة ولا لمس قبل العقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ".
متفق عليه: البخاري (5233)، ومسلم (1341).
فاللقاء المشروع يكون بحضور ولي المرأة أو أحد محارمها، أو في مجلس مأمون تنتفي فيه الخلوة حقيقة، مع حفظ الجدية وكون المكان معلوما وآمنا. ولا تكفي معرفة الأهل بوجود علاقة سرية، ولا وعد الطرفين بأنهما سيحافظان على الحدود.
كما لا تجوز المصافحة أو أي لمس متعمد قبل العقد. والخطبة لا تغير حكم الأجنبية، ولو طالت أو اقترب موعد الزواج.
الأصل الرابع: الكلام للحاجة وبالمعروف
يجوز أن يتحدث الرجل والمرأة في الأمور التي يحتاجان إلى معرفتها لاتخاذ قرار الزواج، مع الجدية والصدق وأمن الفتنة، ومن غير خضوع بالقول أو توسع يفتح باب التعلق والمحرمات.
قال الله تعالى:
{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32].
والقول المعروف هو الواضح الجاد الخالي من التليين المثير والعبارات العاطفية. والأصل أن يكون التواصل بعلم الولي والأسرة، وأن يقتصر على قدر الحاجة، وأن يتوقف إذا ظهر تعلق أو تجاوز أو تلاعب. ولا يجوز اتخاذ الهاتف أو الإنترنت ذريعة إلى المراسلات السرية أو التوسع في الكلام المحرم؛ فالحكم متعلق بمضمون التواصل وآثاره، لا باسم الوسيلة.
الأصل الخامس: غض البصر مع مشروعية نظر الخاطب
الأصل وجوب غض البصر، وقد استثنت السنة نظر من يريد الزواج بجدية إلى من يريد خطبتها، لما في ذلك من المصلحة وحسن الاختيار.
قال الله تعالى:
{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ المَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ".
رواه أبو داود (2082) وأحمد (14626)، وحسنه الألباني.
وقال للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه لما خطب امرأة:
"انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا".
رواه الترمذي (1087) والنسائي (3235) وابن ماجه (1866)، وحسنه الترمذي وصححه الألباني. ومعنى "يؤدم بينكما": تكون بينكما الموافقة والألفة.
ويكون النظر مع إرادة حقيقية للزواج، والأحوط في الرؤية المرتبة الاقتصار على الوجه والكفين، من غير خلوة أو لمس، وبقدر الحاجة؛ فالخطبة لا تبيح التوسع في النظر ولا الضغط على المرأة للكشف.
وللمرأة كذلك أن ترى الخاطب وأن تتأمل هيئته وما يعينها على القبول، من غير خلوة ولا تجاوز.